“الجملُ رخيص والمزغُوب حْداه” مثل شعبي، بل ترجمة لمثل أمازيغي، نتناوله انفتاحا على مكون أساس من مكونات موروثنا الثقافي الشعبي. وقبل دلالات هذا المثل، نُعرج على قصته، ذلك أن رجلا داهية عرض جملا للبيع، وحيث إنه يدرك جيدا الحاجة لخِدمات الجمل في مختلف الأنشطة الزراعية تحديدا، عمد إلى عرض الجمل للبيع وبثمن بخس جدا مرفوقا بقرد، أي أنه على الراغب في شراء الجمل أن يقتني معه القرد “المزغوب” أي المنحوس، والذي لا حاجة للمزارع به. ترى، والحالة هذه، كيف يتصرف المزارع؟ هل يقتني الجمل والقرد على الرغم من عدم الحاجة إلى القرد، أم يصرف النظر عن العملية ككل؟

بداية، لا يسعني إلا الاعتزاز بموروثنا الثقافي الشعبي لا سيما الأمثال وما تزخر به من الحكم والعبر، ولْنتأمل جيدا هذا المثل، والذي على بساطته التركيبية جلى قاعدة تجارية معتمدة اليوم في مجال التسويق والتحايل على المستهلك. صاحب الجمل يعلم يقينا حاجة المزارع للجمل، ولذلك فرض إدخال القرد في الصفقة، لكي يُضطر المزارع لاقتناء قرد قد يكون من الأسلم التخلص منه وإطلاق سراحه ليس رفقا به، بل تفاديا لما قد يتسبب فيه بشغبه الفطري من إزعاج.

وإذا أردنا إسقاط المثل على الواقع، فما أكثر الحالات المشابهة لواقعة الجمل والقرد! ومنها عرض مقتنيات ظاهر ثمنها رخيص، لكن تبعات الاستعمال وما يتطلبه من صيانة وتغيير قطع الغيار يجعلها باهظة الثمن، وقد تُفتقد قطع غيار هذه المقتنيات في السوق، فتبور عملية الاقتناء ويستحيل رخصها خسارة. ومن ذلك عرض سيارات بمواصفات مغرية وثمن مناسب، لكن رسومها الضريبية والتأمينية ونسبة استهلاك الوقود مرتفعة تنفر من اقتنائها. وقائع أشبه بقصة الجمل والقرد يلخصها المثل الشعبي: “عند رخْصُو تْخلّي نُصّو”.

طالع أيضا  دعت إلى حضور مسرحية مطبعة مع الصهاينة.. فتحي: الوزارة مشتعلة ووزير التعليم لا هم له إلا التطبيع

إن روعة هذا المثل تتجلى في منسوب ذكاء الأسلاف وفطنتهم على الرغم من بساطة الحياة التي عاشوها؛ كيف لا وجل المعاملات التجارية وعلى مستوى الدول اليوم ترتكز على قاعدة هذا المثل، فالمؤسسات المالية الدولية تعتمد مبدأ الجمل والقرد في تعاملاتها وصرف ديونها للدول المختلفة أو الفقيرة، ويبقى القرد رمزا لكل ما لا تحتاجه الدول المدينة، وغالبا ما يسكت عنه، ومن ذلك أن تسمح دول بهوية حضارية معينة، مسلمة مثلا، ولكي تستفيد من عملية الاستدانة بإحداث مؤسسات من قبيل عرض الأزياء، وإحداث العلب الليلية، والترخيص ببيع بعض السلع التي تؤسس للتفسخ الأخلاقي، والانفتاح الإعلامي على أعمال “فنية” معلومة الأهداف، واستضافة مهرجانات فنية بسقف خلاعة خادش لمنظومة المجتمع التربوية، لتكون الحصيلة بعد سنوات رهن المقدرات الاقتصادية للبلد والزج بالأجيال في أتون الانسلاخ عن الهوية الحضارية، فلا تنمية تحققت، ولا سيادة بلد حُفظت، ولا هوية شعب حُصنت.

ومن الحالات المجسدة لهذا المثل ما يُبرم من صفقات في شتى المجالات، حيث يفرض الطرف البائع أو المنتج شروطا أشبه باقتناء القرد مع الجمل، ومنها مثلا أن يحتكر البائع خدمات الصيانة وعدم الانفتاح على سلع منافسة، فيخلو له الجو للتغول الاقتصادي. والأدهى من ذلك أن يشمل التعاقد مع مدرب رياضي أجنبي فرض مترجم ومساعد، وكأن البلد يخلو من مترجمين وكفاءات قد يشكل احتكاكها مع هؤلاء المدربين فرصة لاكتساب الخبرة.

وخلاصة القول: إن هذا المثل يحيل إلى مبدأ أساس في النجاح أفرادا ومجتمعا؛ إنه مبدأ الكفاف وما يعنيه من تورع في التوسع في المباحات؛ كفاف يقوم على البعد الوظيفي للأشياء مهما بدت جاذبيتها، دون تورط في إنفاق فوق الوُسع، وفي الحديث النبوي: “ما عال من اقتصد”، أي ما افتقر من لزم القصد في معيشته ولم يسرف في إنفاقه.

طالع أيضا  التعاقد مرفوض وفرضه بالعنف جريمة

والحمد لله رب العالمين.