أوضح الأستاذ منير الجوري، الخبير التربوي والباحث في علم الاجتماع التربوي، أن “حذف مادة التربية الإسلامية من مواد التقويم في مستويين إشهاديين لا سند تربوي يؤسس له، ولا مبرر تنظيمي يقنع به”. 

وتساءل الجوري عقب إعلان الوزارة للمذكرة 80.21 عن الداعي للزحف على مواد دراسية بالإلغاء التام من التقويم الموحد؟ في وقت أصبح الامتحان المحلي للسادس ابتدائي والثالثة إعدادي مجرد فروض للمراقبة الموحدة، وهو ما يعني تنظيميا أن الأمر أصبح أيسر.

ولفت الجوري إلى أن الوزارة “اعتادت إصدار مذكراتها دائما متأخرة”، وهو ما يحمل على التساؤل “لماذا تم تنزيل هذه المذكرة غير المستعجلة والسنة الدراسية لم تنطلق بعد!؟”.

وعدّد الجوري خمس ملاحظات حول المذكرة 80.21 التي قال عنها إنها معنية بـ “تأطير المراقبة المستمرة وتقزيم التربية الإسلامية”، معتبرا في الملاحظة الأولى المتعلقة بالجانب السياسي، أن هذه “المذكرة صدرت في سياق زمني غير طبيعي”، مردفا أن المتعلمين لم يبدؤوا بعد تلقي الدروس فما الداعي لإصدار مذكرة تتحدث عن التقويم، في زمن تعيش فيه البلاد انتقالا حكوميا لا يعطي الوزير الحالي أي ضرورة لتوقيع مذكرات في قضية غير مستعجلة وموضوعها لا يعيق السير العادي للمرفق التربوي.

أما من الجانب القانوني فقد رأى الجوري أن هذه المذكرة “جاءت مخالفة لمنصوص القرار الوزاري 2383/06 في شأن تنظيم الامتحانات الإشهادية في السلك الابتدائي”، واصفا هذا الخلل التشريعي بأنه “فاضح”.

ولفت إلى أن الوزارة “اعتادت التشريع خارج القوانين، ونحن نتابع باستمرار قرارات تعميم الفرنسة ضدا في مبدأ التناوب اللغوي الذي ينص عليه القانون الإطار”.

وأوضح الجوري في ملاحظة ثالثة من الجانب البيداغوجي أن هذه المذكرة اتخذت من “البرنامج 12 المتعلق بتحسين وتطوير نظام التقويم والدعم المدرسي” متسائلا عن “أي جديد جاءت به هذه المذكرة المستعجلة؟ وهل بهذه الإجراءات التقنية نكون قد طورنا نظام التقويم في منظومتنا؟”.

طالع أيضا  المقاومة تنتصر وجيش الاحتلال يندحر

وشدد الخبير التربوي على أن “إعاقات التقويم في مدرستنا أعمق وأكبر من ذلك بكثير”، وهو يقوم على أربعة ركائز بدءا من تثبيت النموذج البيداغوجي، ثم تجديد معايير التقويم، ثم إرساء الآليات والأدوات التقويمية الجديدة، وفي مرحلة رابعة يأتي نظام التقويم بما هو تدبير شكلي. فماذا قدم البرنامج 12 في المستويات الأولى، أم تراه يستعجل البداية من الأخير ! يتساءل الجوري.

وفي ملاحظته الرابعة المتعلقة بالجانب التربوي، تساءل الكاتب عن المبررات التربوية التي تقف خلف هذا النظام التقويمي الجديد، موضحا أن المذكرة تحدثت عن الرفع من مصداقية نتائج المراقبة المستمرة وتحقيق تكافؤ الفرص. وأضاف: “لماذا إذن تم حذف مادة التربية الإسلامية من الامتحان الموحد المحلي للسادس ابتدائي والثالثة إعدادي؟ هل هذه المادة تعيق المصداقية، أم أنها تقف أمام تكافؤ الفرص؟”

ألا تستحق هذه المادة استثمار نتائجها من أجل الدعم والرفع من أدائها، أم أن الوزارة تصنفها تكميلية غير معنية بذلك؟ يضيف الجوري متسائلا.

أما في الملاحظة الخامسة المرتبطة بالجانب الواقعي، فإن حذف مادة التربية الإسلامية من هذه الامتحانات التقويمية -يقول الجوري- فهو “مزيد من الزحف عليها، وتقزيم حضورها وتهميشها بين المواد”.

واسترسل الجوري موضحا أن هذه المادة “تم تشويه منهاجها قبل خمس سنوات حتى صارت مادة بلا طعم، وأفرغوها من روحها التي يمكن من خلالها أن تؤدي دورها التربوي والتخليقي والقيمي في وقت تعرف فيه القيم داخل المؤسسات التعليمية والمجتمع تراجعا مهولا، ثم اختاروا لها أقل الحصص الزمنية وأقل المعاملات بين المواد، ثم يقزمون التقويم فيها تدريجيا ليضعف معاملها أكثر حتى تسقط تماما من اعتبار التلاميذ واهتمامهم”.

ولم يقف الأمر عند ذلك الحد، بل “ويأتي اليوم من يحاكم أداءها وتأثيرها ويلمح إلى حذفها؟ في حين أن المنطق والمصلحة تقتضي الرفع من حضورها لأنها تبقى المادة الوحيدة التي تمثل هوية هذا الشعب وانتماءه، خاصة بعد أن اتسعت مساحة الفرنسية بين المواد. فكيف تتوسع الوزارة في نشر الثقافة الفرنسية والثقافة العبرية على حساب الهوية الإسلامية؟ إنه الخراب”.

طالع أيضا  عندما بكى النبي صلى الله عليه وسلم

لكل هذه الاعتبارات – يقول الجوري- من حق المتابعين أن يتساءلوا عن سياق هذه المذكرة وخلفياتها. ولنفس الاعتبارات “على الوزارة أن تراجع هذه المذكرة التائهة على جميع المستويات، وأن تعتذر عن خطئها التربوي الصارخ. وعلى الآباء والأمهات وممثليهم في الجمعيات المدنية أن يتصدوا لهذا التلاعب الانفرادي بكينونة أبنائنا وهويتهم وانتمائهم. وإلا فلن تجدوا غدا لا هوية ومغربة ولا قيما تحمي أجيالنا من الضياع”.