اتخذ الدكتور ياسين الحلو عنوان “الله الطبيب” موضوعا للحلقة الثالثة من سلسلته “سفينة الروح” التي يقدمها على قناة الشاهد الإلكترونية، موضحا أن الطبيب “صفة من صفات الله تعالى وليست إسماً”، مستندا في ذلك إلى ما قاله البيهقي في كتاب الأسماء والصفات: “فأما الطبيب فهو العالم بحقيقة الداء والدواء والقادر على الصحة والشفاء، وليس بهذه الصفة إلا الخالق البارئ المصور”.

وأورد الدكتور الحلو كلمات موجهة من الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم جوابا على الصحابي الطبيب الجراح ابن أبي رمثة رضي الله عنه الذي أراد أن يعالج النبي صلى الله عليه وسلم من خاتم النبوة وهو لحمة كانت بظهره الشريف، فقال له: “الله الطبيب، بل أنت رجل رفيق، طبيبها الذي خلقها”.

وقد جاء وصف الله تعالى بالطبيب كذلك في حديث عائشة رضي الله عنها الذي قالت فيه: “ثم مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضعت يدي على صدره فقلت: أذهب الباس، رب الناس، أنت الطبيب، وأنت الشافي فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: “ألحقني بالرفيق الأعلى”“.

وتحدث الحلو عن ضرورة الإيمان واليقين بأن مصدر الشفاء هو الله سبحانه وإذا مرضت فهو يشفين ليس تواكلا وقدرية أو عجزا، ولا يتعارض مع التداوي والاجتهاد في البحث العلمي والاستفادة من التجارب الإنسانية عبر التاريخ “بل هذا ما دعانا إليه رسول الله صلى الله عيه وسلم بأمره بالتداوي والبحث العلمي في الحديث المشهور ما أنزل اللهُ داءً إلا أنزل له شفاءً علمَهُ من علمه وجهلَه من جهِله”.

فهذه دعوة نبوية مزدوجة لسببين كما أوضح المتحدث؛ “أولا للتعلق بالله تعالى وحسن الطلب منه لأنه الخالق البارئ وثانيا للبحث العلمي الحثيث السديد الذي ينطلق من وحي الله (القرآن والسنة) لينهج بعد ذلك من المناهج العلمية التجريبية التقليدية أو غيرها لنفع الإنسان والأخذ بيده نحو الشفاء”. موردا ما في عون المعبود: “(الله الطبيب، بل أنت رجل رفيق) أي: أنت ترفُقُ بالمريض وتتلطفه، والله يبرئه ويعافيه”.

طالع أيضا  قرآنا عجبا (6)..  التوبة ترزقك "جلاء القلب" فيصير نظيفا ترى به

وفي الدلالات اللغوية لاسم “الرفيق“، ذكر الحلو أنه اسم علم أصله عربي مذكر، يعني الصديق، وحسن الصنيع، وكذلك المرافق، واللطيف، والرقيق المعاملة. حامله يتسم بصفات الوفاء والطبع الهادئ، فرفيق دائما يكون الصديق الصدوق لأصدقائه، فهو يقف معهم في السراء والضراء، وهو في العادة مخزن سر أصدقائه. ورَفيقٌ: (صيغة مبالغة في الرفق). نقول رفيق في السلاح، رَفيقُ العُمْرِ عن الزَّوْجُ.

واعتبر المتحدث أن توجيه الرحمة المهداة هو أن تكون “خاصية المعالج الموفق الرفق” لأنها “تَحُل واحدة من معضلات النظام الصحي المعمول به في عصرنا ألا وهي أخلاقيات مهنة الطب والتي هي الخطوة الأولى في العلاج”، وهي البديل بعدما حلت محلها القسوة والتكبر والاستغلال، وكلها آفات نفسية تكشف نقص النظام التعليمي للأطر الصحية في شقه التربوي، وحل الطغيان والتأله محل خصال حميدة عالج بها الصالحون من علماء هذه الأمة الروح قبل الجسد.

وذكر الحلو من هؤلاء العلماء أبو بكر الرازي الذي ألف رسالة لتلامذته سماها “أخلاق الطبيب” يذكر فيها أربعة أمور أساسية يحتاج إليها الطبيب، أولها ضرورة صيانة الطبيب نفسه، يقول “فأول ما يجب عليك صيانة النفس عن الاشتغال باللهو والمواظبة على تصفح الكتب الطبية وغيرها ليكون موسوعيا”، وفي فقرة تحت عنوان الرفق وحفظ السر في الطب، قال في الثانية: “واعلم يا بني أنه ينبغي للطبيب أن يكون رفيقا بالناس، حافظا لغيبهم، كتوما لأسرارهم”.

وأما الثالثة فقد ذكر قول جالينوس الحكيم في وصيته للمتعلمين “على الطبيب أن يكون مخلصا لله، غاضا بصره إلا على ما يجب”، في حين أن الرابعة فهي كما أوصى بها فيثاغورس “أن يكون الطبيب فاضلا لا معالجا فقط”.

ومما ذكره المتحدث وينسب إلى سيدنا علي كرم الله وجهه المثل المشهور: “الرَّفيقُ قَبْلَ الطَّريقِ”، فهي وصية وحكمة قيلت في السفر كل سفر، “تبناها الصوفية الكرام لتأصيل مبدأ الصحبة الصالحة في إصلاح النفس، واعتمدها العلماء في حسن التلقين والتعلم، كذلك فالتمتع بالصحة والقوة بالمعنى الشامل للروح والنفس والبدن والوسط البيئي والمجتمعي كما جاء في دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هدف يسبقه طريق طويل اهتمت به أهم المدارس الطبية عبر التاريخ”.

طالع أيضا  فــي دلالات وعِــبَــرِ الأمثال الشعبية (16) "اَلـكَـابِـــرْ فـي الـخـيـْـر يــشَــمّْ يـــدُّه يَـــشْــبَــعْ..."

وأشار أيضا إلى ما ذكره جريمي روس في كتابه الأعضاء في الطب الصيني “أن تربية المريض على القواعد الصحية السليمة وعلى اتخاد نمط عيش خاص وممارسة أنشطة روحية وفكرية ورياضية وفنية مناسبة لطبعه، أمر آكد في الرعاية الصحية وقائية كانت أو علاجية”.

ولخص الدكتور الحلو هذه المبادئ الطبية في ثلاث وصايا جامعة؛ أولها “تعلم اليقين في أن الشافي سبحانه هو مصدر الصحة، منشِئُها ومانحها ومانعها، وأنه سبحانه أنزل في وحيه ما به يقي الإنسان نفسه ويرعاها ويداويها، فيتوجه إليه بالدعاء الدائم والحمد الكامل”. 

أما الوصية الثانية فهي الاحتضان وهو من معاني الرفق، “رفق الإنسان بنفسه فلا يكلفها ما لا ينبغي، ورفق المعالج بمريضه، متابعة حثيثة من المهد إلى اللحد”، في حين أن الوصية الثالثة “تربية شاملة أخلاقية وعلمية يكون لمعرفة الإنسان وإكرامه الحظ الأوفر”.