حظيت انتخابات 8 شتنبر 2021 بنقاش كبير على كل المستويات لحد جعل أكثر المتشائمين لم يتخيل حجم النتائج التي أفرزتها العملية، وخلقت جدلا كبيرا أعاد بنا النقاش إلى ما قبل 2011 بل إلى ما قبل انفراج التسعينات من القرن الماضي.
ولعل ما رشح وظهر خلال هذا اليوم الحافل، وما خفي أعظم، من أحداث وسلوكات ومواقف من مختلف الفاعلين بَيَّن أنها علامة فارقة ونقطة نهاية لمرحلة امتدت عقداً من الزمن، بل وتأكيد لمنطق ساد عقودا منذ لحظة الاستقلال وظل يتلون ويتكيف مع كل التحولات في محيطه الداخلي والخارجي.
انتهى هذا اليوم بنتائج تلاها وزير الداخلية حوالي الثانية صباحا من اليوم الموالي، وقد شمل هذا الإعلان شقين من الأرقام المهمة:
١. نسبة المشاركة العامة.
٢. توزيع لمقاعد في حدود %96.


1- نسبة المشاركة العامة
ركز الخطاب الإعلامي العمومي كثيرا على نسبة المشاركة التي تعدت %50 من المسجلين في اللوائح الانتخابية باعتبارها الأعلى منذ سنة 2002 رغم الظروف الموضوعية الجمة التي أحاطت بعملية تنظيم هذه العملية، ورغم عدم رصد الملاحظين والإعلاميين للإقبال الكثيف الذي تستدعيه هذه النسبة خاصة أن نسبة %76 من عملية التصويت كانت بين الثانية عشر ظهرا والسابعة مساء (في ظرف ست ساعات فقط)، كما ربطت تحليلات ضيوف النشرات الإخبارية بين هذه النسبة المهمة و«ميزة ثانية» وهي احترام الدورية الانتخابية رغم الظروف الموضوعية كشكل من أشكال تقعيد الممارسة الانتخابية وانتظامها.
نسبة المشاركة في الأقاليم الصحراوية كان لها أيضا الحظ الوافر من الاهتمام من التناول الإعلامي بالتركيز على نسبها العالية مقارنة بباقي المناطق.
هذا التركيز على نسبة المشاركة يؤكد لنا محورية العملية الانتخابية التي تؤدي وظيفة جوهرية، بل شكلت هاجس اشتغال النظام السياسي للتسويق الخارجي قبل الداخلي لتمثل مغربي للديمقراطية حسمته الملكية دينيا وتاريخيا، وقعّدته دستوريا بشكل يجعله موردا قويا في يدها ويشكل إكراها حقيقيا لباقي الفاعلين خاصة ممن يبنون تصورهم للعملية الديمقراطية على التجربة الغربية، لأن أقصى سقف تضعه الملكية للديمقراطية أنها شورى غير ملزمة للسلطان في القضايا التي يرى ضرورة عرضها على الشورى، في ما تَبْقى مساحة واسعة “للعزمة الملكية الانفرادية” المسماة في المدلول الموظف في الخطاب السياسي والدستوري بالمبادرة الملكية، مما يعني أن الآليات الديمقراطية ملزمة فقط للفاعل السياسي الآخر في الطابق السفلي للحكم خاصة الفاعل الحزبي، لإضفاء شرعية على ما هو غير ديمقراطي في الطابق العلوي.
2- توزيع المقاعد
حاول المستفيدون من هذه النتائج تسويغها على أنها كانت متوقعة مُعددين مؤشرات لتأكيد ذلك، إلا أنها بالنسبة للطرف النقيض أشبه بكابوس الضياع في صحراء قاحلة بعد أن ظنوها جنة خالدة أو على وشك الخلود.
وقد تباينت ردود الأفعال لدى هذا الطرف الثاني بين تصعيد فردي لبعض المرشحين واتهامهم لأطراف تم الحرص على إضفاء صفة “المحلية” عليهم وتجنب مخاطبة الجهاز المشرف على الانتخابات مركزيا بتزوير نتائج الانتخابات وسرقة مقاعدهم البرلمانية (حالة بوعيدة في كلميم، حالة حريش في آسا…)، وبين موقف الهيئات المتضررة الذي تحاشى التصريح الصريح والاتهام الواضح بالتدخل المباشر للإدارة المشرفة على الانتخابات لإخراج هندسة برلمانية وجهوية وجماعية لم تخطر على بال «ابليس» نفسه.
بل إن الحزب المتصدر لولايتين انتقل أو تم نقله من 125 مقعدا سنة 2016 إلى 12 مقعدا إلى حدود التصريح الليلي الهوليودي لوزير الداخلية لينضاف إليها مقعد يتيم في اليوم الموالي، أي انتقلت به المقاعد حوالي 14 سنة إلى الوراء وبالضبط إلى سنة 1997.
هذا الحزب اكتفى ببلاغ وصف فيه النتائج بـغير «المفهومة» وتقديم استقالة جماعية هروبا وتزكية للوضع، بل تبعتها تهنئة لرئيس الحكومة الذي أفرزته هذه الدراما الانتخابية، مع الحرص على التأكيد على أنها تهنئة بالصفة الحكومية السابقة وليس بالصفة الحزبية التي تلقت شيئا يقل في وصفه أنه مجرد تدخل في العملية الانتخابية أو تزوير، بل ما حدث في نظري سيدفع علماء الصياغة القانونية لإبداع وسم آخر غير التزوير لوصف ما حدث.
ولأن الأمر اقتصر على هذا الحد عوض الخروج إلى الناس ببيان أو تقرير أو ندوة صحفية أو كلها جميعا تُعدِّد الجوانب غير المفهومة، وإلى ذلك الحين سنحاول في هذه العوارض المختصرات توضيح لماذا النتائج في نظرنا مفهومة جدا وواضحة كليا:
• لأنها انتخابات تجري في إطار بنية سياسية هجينة ذات نزوع سلطوي تحضر فيها الانتخابات كوظيفة لإضفاء شرعية ديمقراطية على نظام غير ديمقراطي، لا يزال يكرس مصادر للسلطة تنهل من حقل شخصانية السلطة ووحدتها واحتكار وسائلها باسم التاريخ والدين والتقاليد العريقة… وتتسم هذه البنية بالازدواجية بين واجهة عصرية من مؤسسات مركزية وترابية وقوانين وتشريعات، وعمق سلطاني مخزني على رأسه السلطان أمير المؤمنين وديوانه وكبار موظفيه المدنيين والأمنيين والعسكريين، وفي أدناه مقدم الحي والدوار، وبينهما الوالي والعامل والباشا والخليفة ورئيس الدائرة والقائد بمثابة دولة قائمة تشتغل بمنطق سلطوي وإن بآليات ديمقراطية وتمسك بزمام التدبير الفعلي الاستراتيجي الوطني والترابي والأمني وغيرها.
وبالتالي فإن تزكية هذه البنية ومنحها الشرعية والمشاركة فيها أدعى أن يكون كل ما يصدر عنها مفهوما وواضحا.
• لأنها انتخابات جرت في سياق سياسي بدأ منذ سنة 2011 للمناورة والالتفاف على حراك 20 فبراير وظفت فيه أغلب أحزاب الحقل السياسي الرسمي، خاصة الحزب المتصدر، لإجهاض حراك سلمي لم يكن لا ثورة ولا قومة ولا سوقا للبلاد نحو المجهول كما كان يسوق من قِبل تلك الأحزاب، بل دفعا سلميا من خارج البنية المغلقة للنظام للدفع به لتغيير قواعد اللعب التي «خيّطها وفصّلها» لكي لا تكون في للانتخابات معنى.
وبالتالي فإن الانخراط الواعي في هذا الالتفاف كفيل بأن يجعل المشاركين فيه يتوقعون ويفهمون أن القوس الذي فُتح لا بد أن يغلق، وقد اختار الفاتح أن تكون سنة الإغلاق النهائي سنة 2021.
• لأنها انتخابات تتم في إطار دستوري لم تفرزه آلية ديمقراطية وجاء فضفاضا وغير دقيق في تحديد ماهية بنيات التواصل السياسي خاصة الأحزاب وعلاقتها بالسلطة الحقيقية، ووظيفة المؤسسات المنتخبة، والفرق بين التمثيل الأسمى للملك والتمثيل الأدنى لمن أفرزتهم صناديق الاقتراع، أي أنه دستور تتعايش داخله ثلاث دساتير: المعلن، والضمني، والخارج عن المكتوب والمهيمن عليه.
ولهذا فالترويج للمعجزة الدستورية ورفعها لمقام القداسة كافٍ ليجعل من اشتكى من النتائج أن يفهم أنه سوّق وهما تبخر اليوم وسطعت شمس السلطوية الحارقة التي أحرقت المظلات التي أخفته حينا من الدهر أولا.
• لأنها انتخابات جرت في سياق قوانين تنظيمية ومراسيم وتشريعات وإدارة انتخابية… كان الغرض منها أن تفرز الصناديق سيناريو معد مسبقا بإتقان؛ فكان القاسم انتخابي، وحذف العتبة، وتقطيع انتخابي هُندس للتحكم القبلي في المخرجات.
وبالتالي فإن عدم القدرة حتى على تغيير هذه النية القانونية لولايتين تشريعيتين وحكوميتين مع امتلاك أدوات ذلك نظريا على الأقل، مدعاة للاستغراب من استغراب من رأى في نتائج انتخابات تُجرى في ظل هذا السياق القانوني المعتل نتائج غير مفهومة.
• لأنها انتخابات جرت في ظل قيادة حزبية خاصة في الولاية الأولى اجتهدت كثيرا، إرضاء للجهات الحاكمة فعليا، في تبني كل الخيارات غير الشعبية للدولة عبر ممارسة أسلوب شعبوي يضرب على وتر العواطف، رغم علم الكل أنها خيارات الدولة الفعلية أولا، ثم ثانيا كان الغرض الأول منها استنزاف الرصيد الشعبي والقيمي للمتصدر للانتخابات وأصبح التصويت العقابي مصطلحا رائجا بقوة، وبالمقابل لم نلمس جهدا لتمييز مسؤولية الحكومة عن مسؤولية الدولة الفعلية أو على الأقل توزيع المسؤولية داخل الإتلاف الحكومي..
إذن هي انتخابات مفهومة وواضحة ولا لبس في وظيفتها ومخرجاتها.
فلم الاستغراب إذن؟؟

طالع أيضا  ذ. بارشي: الحب سر نجاح العلاقة الزوجية