وظيفة الانتخابات في الديمقراطيات

تعتبر العملية الانتخابية النزيهة في أي دولة ديمقراطية الآلية الأساسية للتداول السلمي على السلطة، وهي وسيلة أساسية في أي بناء ديمقراطي، وأهم أداة لدى المواطنين للتأثير في كيفية قيادة البلاد وصناعة السياسات، بواسطتها يعبر المواطنون عن آرائهم باختيار من ينوب عنهم في اتخاذ القرارات المتعلقة بتسيير الشؤون العامة، ويعكس إرادتهم في إدارة السلطة، بما يمكنهم من ردع أو معاقبة من يعتقدون أنه فشل في تحقيق الوعود المرجوة، أو ممن يحمل برنامجا ومشروعا لا يلبي طموحات المواطنين أو يخالف أمانيهم، إما من خلال تصويتهم ضد المسؤولين الحاليين، أو توعّدهم بمحاسبة ومساءلة من سينجح بالفوز في الانتخابات.

إن كانت الانتخابات الديمقراطية هي الطريق الأمثل الذي توصلت إليه البشرية نحو القيادة الأسلم للمجتمعات، سواء أكانت لاختيار نواب البرلمان أو لاختيار المسيرين المحليين، فإنها مع ذلك ليست هدفاً في حد ذاتها، وإنما هي آلية لتحقيق نتائج ملموسة، لذا لا بد من توفر معايير أساسية واستيفاء شروط ضرورية لتعتبر الانتخابات ذات مصداقية.

·شروط الانتخابات الديمقراطية

أولها حرية الانتخابات وتتمثل في ضمان حريات المعرفة والتعبير والاجتماع والإعلام مع احترام مبدأ حكم القانون، وثانيها نزاهة الانتخابات وتتجلى في خضوع كل إجراء من إجراءاتها للتدقيق، مع التحقّق بكل استقلالية مما إذا كانت العملية الانتخابية جرت بنزاهة وشفافية ودقّة مع خلوها من أي عملية تزوير، من تسجيل الناخبين بشفافية إلى الحق في الاقتراع العام وصولا إلى حياد القائمين على الانتخابات. وثالثها عدالة الانتخابات وذلك بوجود قانون انتخابي عادل وفعّال ينص على الحق في إخضاع مؤسسات الحكم للمساءلة، وعلى حقّ المواطنين في مراقبة سلوك كل الأطراف المعنية بالشأن الانتخابي، بمن فيهم المسؤولون في الحكومات، وهيئات إدارة الانتخابات، والأحزاب السياسية، والقوى الأمنية، وكذلك مساءلة الإجراءات الانتخابية بذاتها. ورابعها تنافسية الانتخابات بأن يحظى المواطنون المؤهّلون بفرص متكافئة وعادلة للمشاركة كناخبين في اختيار ممثّليهم، وكذا لخوض المعركة الانتخابية بهدف الفوز بمناصب تتيح لهم المشاركة في الحكم وإدارة الشؤون العامة، مما يعني ضرورة سماح الإطار القانوني للمواطنين بالتجمّع وحريتهم في تشكيل المنظمات والأحزاب السياسية بكل استقلالية.

كل هذه الشروط الضرورية واجبة، لكن، وأساسا، الانتخابات تُجرى من أجل تحقيق وظيفتها الأساسية والجدوى منها: اختيار من يحكم ومحاسبته. فعند وجود انتخابات حرة وعادلة ونزيهة وتنافسية تفضي إلى مؤسسات بسلط حقيقية يتشكل لدى المواطنين الحافزية للمشاركة الحقيقية في شؤون البلد والإسهام في تحقيق الأهداف التنموية على المدى الطويل، إذا تترسخ دعائم الحكم الديمقراطي الذي يستجيب لاحتياجات شعبه.

·الديمقراطية والانتخابات

لكن إلى من تكون الأسبقية في جملة الشروط والمعايير المذكورة للشروع في العملية الانتخابية؟ رتّب “روبرت دال”، وهو أحد أهم المفكرين السياسيين في مسألة الانتخابات، شروط النظم الديمقراطية، وأكّد على أسبقية الحريات والحقوق الديمقراطية للعملية الانتخابية، معتبرا أن الترتيب المنهجي والمنطقي لبناء نظام ديمقراطي يأتي على النحو التالي: حرية الحصول على المعلومات من مصادر متعددة، وحرية التعبير، وحرية التنظيم وتشكيل مؤسسات مستقلة، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة.

فالانتخابات إذًا تأتي ضمن سياق يجعلها تحقق الأدوار المطلوبة منها، فالعلاقة بين الديمقراطية والانتخابات ليست تلازمية بالضرورة، فلا وجود لديمقراطية دون انتخابات حرة ونزيهة، ولكن قد توجد الانتخابات ولا توجد معها الديمقراطية، فهذا ما يحصل غالبا في البلدان المستبدة التي ترغب في الحفاظ على واجهة “ديمقراطية” شكلية، تحاول إخفاء الطبيعة الحقيقية لنظامها السياسي.

ونحن نستحضر الركائز أعلاه، تبنى النظام السياسي المغربي الانتخابات بدوره، دون أن يغير من طبيعته وأسسه، فما هي خصائص النسق السياسي المغربي؟

طبيعة النسق السياسي وعلاقته بالعملية الانتخابية

·طبيعة النظام السياسي وصلاحياته

النظام السياسي المغربي هو ملكية تنفيذية، يرسخ لها الدستور المغربي مكانة أساسية، حيث يقوم الملك بموجبها بإدارة كل شؤون الدولة، فهو على رأس السلط الثلاث، إذ هو من جهة رئيس مجلس الوزراء الذي يترأس السلطة التنفيذية ويحسم في القضايا والمشاريع الاستراتيجية، وفي كثير من الأحيان القطاعية، بالإضافة إلى أنه رئيس مجلس الأمن والقائد الأعلى للقوات المسلحة، ومن جهة أخرى يفتتح كل سنة تشريعية البرلمان بغرفتيه، ويلقي خطابا لا يخضع لأي نقاش، وهو كذلك رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وباسمه تصدر الأحكام، ويعيّن نصف أعضاء المحكمة الدستورية ورئيسها.

طالع أيضا  منجب يغادر أسوار السجن بالسراح المؤقت.. وبناجح: الأصلُ براءته الكاملة من هذا الملف الزائف

احتفاظ الملكية بأهم السلط والصلاحيات، تجعل بقية المؤسسات الموجودة في المشهد السياسي المغربي مجرد توابع للمؤسسة الملكية، مما يجعل العملية الانتخابية التي تفرز البرلمان والحكومة مجرد عملية ثانوية، تتحول معها المؤسسات المنتخبة إلى مؤسسات شكلية وصورية.

التجارب الانتخابية الأخيرة زادت من مفاقمة هذه الاختلالات الموجودة سلفا، وأفرغت العملية الانتخابية من أي جدوى أو تنافسية أو فاعلية، حيث تزهد الحكومة مثلا في صلاحياتها المحدودة أصلا، ويستطيع الحزب المدعوم من السلطة الذي حصل على أقل من 30 مقعد أن يتحكم في تشكيل الحكومة ويستحوذ على أهم الوزارات فيها مما لا يقدر الحزب الأول الذي حصّل على 125 مقعدا أن يحصل عليه، مما زاد من هيمنة الجانب السلطوي المخزني داخل النسق السياسي المغربي، ناهيك عن الاستعانة بـ “جيش” من المؤسسات والهيئات الاستشارية التي تكاد توازي الأجهزة الحكومية عددًا وصلاحيات.

·الأحزاب السياسية والبرامج الانتخابية

في المجتمعات الديمقراطية يمكن لكل مواطن يملك حق التصويت أن يصوت لصالح الحزب الذي يرغب بأن يمثّله في اتخاذ القرارات وصوغ السياسات، الوطنية والجهوية والمحلية، فالحزب الذي يحصل على أكبر عدد من الأصوات، سيكون بمقدوره أن يقرر أكثر من الآخرين. والأحزاب السياسية في الدول الديمقراطية هي منظمات بها أعضاء لهم مرجعية فكرية وسياسية موحدة ورغبة مشتركة في الوصول إلى السلطة لتطبيق البرنامج الحزبي، ولذلك يملك كل حزب سياسي برنامجا يُبين فيه أفكاره ويطرح مشروعه، وتمنح التعددية الحزبية للمنتخبين بدائل يقترعون عليها في انتخابات حرّة، للاشتراك في تحمّل المسؤولية والحصول على إمكانات مهمة للتأثير.

وإن كان هذا هو المعمول به في الدول الديمقراطية، فإن الغريب في التجربة الانتخابية المغربية أننا نجد أنفسنا أمام أحزاب إدارية عديدة تمت صناعتها من طرف المخزن، تعلن مرة كل انتخابات برامج شكلية ووعود حالمة لتعود للاختفاء حتى الدور الانتخابي المقبل، في مقابل أحزاب تقليدية عمرت طويلا أو قليلا في المعارضة لكن سرعان ما تم تدجينها بمختلف الوسائل حتى صارت بدورها أدوات لترسيخ النظام السياسي، وصارت هذه الأحزاب تشارك فقط في الهامش الضيق المتاح للسلطة وفي نطاق مؤسسات صورية وشكلية، ولا تسعى على الإطلاق إلى الوصول إلى الحكم كما هو الشأن في البلاد الديمقراطية.

صارت جل الأحزاب السياسية المغربية المشاركة في الانتخابات مسلّمة بالطبيعة السلطوية للانتخابات عوض الترافع من أجل جعلها انتخابات ديمقراطية تنافسية وحرة. وتُسهم التحالفات الحزبية بعد انتهاء العملية الانتخابية في إفقاد الانتخابات لدورها التمثيلي من خلال جعلها وسيلة لضبط مخرجات العملية على هوى السلطوية.

وحتى لو وجدت أحزاب قوية فإنه أمام الصلاحيات الواسعة للمؤسسة الملكية التي تضطلع حتى بالأدوار التخطيطية والاستشرافية يصير من المستحيل عمليا إيجاد أي مساحة للعمل الحزبي الجاد. فمثلا مع مشروع مثل النموذج التنموي الجديد، الذي أعدته لجنة ملكية يرأسها شكيب بنموسى، والذي تلاه وضع ميثاق للتنمية صادقت عليه أحزاب الحكومة والمعارضة على حد سواء، سيمتد تنزيله إلى سنة 2035، تتحول معه برامج الأحزاب إن وجدت، ومعها عملية الانتخابات برمتها إلى مجرد اختيار أحسن من يطبق البرنامج الموجود والمعد سلفا، ولو كانت العملية الانتخابية في المغرب ستكون فقط من أجل اختيار أحسن من سيطبق هذا البرنامج ويقرر في كيفية تنزيله لهان الأمر، ولكن الكارثة أن الانتخابات لا تؤدي حتى إلى ذلك.

طالع أيضا  ذ. بوقسيم.. همسات بين يدي الدخول المدرسي (فيديو)

نفس الأمر يسري على الانتخابات المحلية، التي بدورها حسب المراقبين لا تؤدي إلى امتلاك القرار السياسي والتنموي على المستوى المحلي، وما يتحقق منها في أحسن الأحوال هو توزيع بعض الوظائف الإدارية والتنفيذية. فالقوانين التنظيمية تتحدث عن برامج تضعها المجالس المنتخبة وتسهر على تنفيذها، لكن لا يبقى لهذه البرامج والمشاريع من معنى في ظل هيمنة ممثلي وزارة الداخلية محليا وفي ظل وجود مبادرات ومشاريع ملكية على الجميع أن ينخرط فيها، فهناك أوراش ملكية تهم مجموعة من المدن، تغطي بمخططات تفصيلية في بعض الأحيان أكثر من %90 من الجماعات القروية، فلا يبقى للتخطيط والدور التقريري لهذه المجالس الجماعية أي معنى، وفي أحسن الأحوال، يتبقى لها التنفيذ وبعض الأمور ذات الطبيعة التقنية والتدبيرية، وحتى هذه الأخيرة تخضع في الغالب لوصاية مشددة، فرؤساء الجماعات الترابية وأعضاؤها يخضعون لهيمنة واضحة من قبل ممثلي السلطة، خاصة الوالي والعامل، حيث يحوزون آليات كثيرة لفرملة عمل المجالس المنتخبة.

·             التحكم القانوني والتنظيمي القبلي

إدخال تعديلات قانونية وتنظيمية عند كل محطة انتخابية، تهم صلب العملية الانتخابية وليس فقط تعديلات تقنية، الغرض الحقيقي منها هو الضبط القبلي للانتخابات أو “التزوير غير المباشر” حسب المراقبين، من قبيل التعديلات القانونية على المقاس، نمط الاقتراع (توسيع التمثيل الفردي على حساب اللائحي، حذف العتبة، القاسم الانتخابي…)، التحكم في الخريطة الانتخابية والتقطيع الانتخابي (توزيع الدوائر، عدد المناصب في كل دائرة، خاصة في الانتخابات الجماعية حيث تمنح مثلا %80 من المقاعد للعالم القروي رغم أنه يمثل أقل من % 40 من الساكنة…).

ويعدُّ تعديل “القاسم الانتخابي” من أكثر الأدلة التي تؤكد اللجوء إلى الإجراءات التقنية في مسعى للتحكم في نتائج الانتخابات، حيث تفرز نتائج الانتخاب على قاعدة المُسجَّلين، وليس المُصوِّتين.

فما الجدوى إذا من تنظيم “انتخابات” أكدت تجربة ستة عقود أنها لا تؤدي لأي تداول على السلطة أو لامتلاك القرارات الاقتصادية والاجتماعية التي لها علاقة بالمواطنين، ولا تفرز المدبرين الحقيقيين للسياسات العمومية التي “تطبخ” بعيدا عن المؤسسات المنتخبة؟ وما هي وظيفتها بالنسبة للسلطة الفعلية الحاكمة في المغرب؟

وظيفة الانتخابات في النسق السياسي المغربي

ليس تنظيم التداول السلمي على السلطة أبدا أحد أهداف العملية الانتخابية المغربية، كما هو متعارف على ذلك ديمقراطيا، بل لا وظيفة لها غير تجديد النظام السلطوي وتزيينه، وذلك عبر:

· إضفاء الواجهة “الديمقراطية”

تحتاج كل الأنظمة المستبدة في وقتنا الراهن، بعد انتصار النموذج الليبرالي، إلى توفير واجهة ديمقراطية حتى ولو كانت مزيفة أو شكلية، تسمح لها بتلقي التمويلات والقروض الدولية، وتحول دون اعتراض أو مساءلة المنظمات الدولية بداعي الانتماء إلى الدول الحديثة والديمقراطية.

يسعى النظام السياسي المغربي إلى دعم مشروعيته في ممارسة السلطة بالطابع الديمقراطي من خلال الانتخابات، ودورها في إضفاء المشروعية الشعبية “المخدومة” على شكل النظام، وهو يدفع السلطة ليس فقط إلى الحرص على تنظيمها ولكن أساسا في فرزها لمؤسسات الدولة العصرية من برلمان وحكومة وما يمكن أن يتفرع عنهما من مؤسسات، توحي بالشكل الديمقراطي للنظام السياسي، والحقيقة أنها مؤسسات شكلية لا تتمتع بأي سلط حقيقية.

·تجديد النخب وتعزيز الولاء

تحت شعار إعطاء الفرصة لنخبة وفئة جديدة، بدل القديمة التي عمرت وفسدت يتم في العملية الانتخابية استبدال نخبة بنخبة، إما بإتاحة الفرصة لوجوه شبابية ونسائية جديدة خاصة في المستويات المحلية ووضعها مكان الشيوخ، على الأقل نظريا كما تسوقه الحملات الانتخابية، لكن حقيقة ما يجري هو توزيع الريع السياسي الذي يشكل بوابة أساسية للاستفادة من الريع الاقتصادي، فتوسيع فئة المستفيدين من الريع الذي توفره المؤسسات المنتخبة أحد أهداف العملية الانتخابية بالمغرب، وهذا هو سبب ما نشهده من صراعات حامية إبان الحملات الانتخابية والتي تستعمل فيها مختلف الوسائل غير المشروعة من مال حرام وبلطجة وشراء للذمم وترهيب وترغيب، ليس بدافع تمثيل المواطن وخدمته وتحقيق التنمية، ولكن للحصول على النصيب من الريع، ومُقابلُ هذا الريع طبعا هو استمرار الولاء لنظام سياسي لا يغير من خصائصه التسلطية والتحكمية شيئا، وتعزيزه كل دورة انتخابية عند فئات واسعة متجددة من المتهافتين على المقاعد.

طالع أيضا  محاكمة الراضي وسليمان.. رفض السراح المؤقت وكل طلبات الدفاع

أما على المستوى الوطني، فتدوير الوجوه واستبدال حكومات بحكومات من جهة، واستقطاب التقنوقراط من جهة أخرى هي وسائل تجديد الواجهة الحكومية. بالإضافة إلى السعي إلى إشراك فصائل سياسية معارضة في الانتخابات، للتنفيس عن السلطوية وتبييض رصيدها، لأن المشاركة في الانتخابات والاندماج في المؤسسات الصورية، يثبت “التعددية الديمقراطية” المغربية، ويرسخ أكذوبة “الواجهة” الديمقراطية.

·الإلهاء وإضاعة الوقت

تعتبر العملية الانتخابية فترة زمنية مهمة تكون مصدرًا لإشغال الرأي العام ولفئات واسعة من المجتمع، قبل وخلال الحملة الانتخابية ببعث التنافس الانتخابي والصراع على المقاعد، والنقاش في الإعلام الرسمي، والحملات والجولات في الشوارع والأزقة لإعطاء الآمال في تغيير الأوضاع.

أما عند نهاية الانتخابات واختيار نخبة جديدة، يتم تضييع مزيد من الوقت من أجل إعطاء الفرصة والوقت للقادمين الجدد، أيا كان لونهم، ثم بعد ذلك تبرير تأخرهم في الوفاء بوعودهم بسبب الحصيلة السابقة للمدبرين السابقين، ثم عندما يسخط الناس ويملون، يكون الموعد قد حان لانتخابات جديدة.

وفي التجارب السابقة تم ترسيخ عُرف التغيير الملكي الدوري للحكومة منتصف كل ولاية، أو على الأقل القيام بتعديلات وزارية، لتثبيت ترأس الملك للسلطة التنفيذية، ولتجديد نفس الحكومة بوزرائها الجدد، وخلق مساحة جديدة للإلهاء ترقبا للمعفيين وتبادل أسماء المعينين المترقبين، ثم من أجل إضاعة الوقت في انتظار ما ستحققه النسخة الجديدة من الحكومة. وهكذا دواليك، حتى صارت الانتخابات حلقة مفرغة يضيع فيها الوقت وتبدد فيها الجهود وتصرف الأموال لتسويق الكذب والأوهام.

·التهرب من المساءلة

تسعى الفئة الحاكمة فعلا من خلال الانتخابات إلى توفير نخبة تحمل اسم الحكم ولكنها لا تحكم، تتحمل الوضع الذي تكون فيه متهيئة لتحمل النقد الشرس، وتلقي كل عبارات الاستهجان في حال اتخاذ قرارات، لا تعلم بها أًصلا، تخرج لتبريرها دوما من أجل إسكات الغضب الشعبي إذا تطور أو تفاقم.

ثم يكون إسقاطها أو استبدالها أو إعفاء جملة من أعضائها بمثابة مسكن للتوترات الاجتماعية أو للأخطاء الفادحة التي تقع، وقد تخرج للرأي العام، حيث يتم التضحية بأحد أكباش الفداء تفاديا لتصاعد الغضب غير المرغوب فيه.

ويكون هدف الانتخابات حقيقة تهريب النقد عن مواضعه الحقيقية، حيث لا يوجه النقد للمؤسسة الملكية ولا حتى لمحيطها، وإنما لسلوك وقرارات الحكومة وحدها، رغم أن الصلاحيات الحقيقية هي بيد القصر لا بيد الحكومة “الواجهة”.

·تأكيد سمو المؤسسة الملكية

عبر حصر مجال التنافس الانتخابي في تنفيذ الاختيارات الملكية، وفي دعم دورها التحكيمي لضبط مآل “التنافس” الانتخابي. فدور الانتخابات يتمثل في تعيين ممثلين ينفذون اختيارات حددها الملك سلفا، لذلك لا تنازع الأحزاب السياسية المشاركة في عرض الملك لبرنامج تطبقه الحكومة، ولا ينفكون عن توجيه اللوم للحكومة بخصوص التقصير في تطبيق التوجيهات الملكية، والمسارعة إلى الإشادة بتلك التوجيهات والدفاع عنها من قبل الأغلبية والمعارضة على حد سواء.