“دخول الحمام ماشي بحال خروجو” مثل شعبي، لعله من أكثر الأمثال تداولا، وقبل الخوض في دلالاته، نقف عند قصته، ذلك أن أصل المثل يعود للحقبة العثمانية مع بداية إحداث الحمامات العمومية، وبالنظر إلى جِدّة المشروع، كان طبيعيا ألا يكون التجاوب في مستوى التوقعات، فما كان من صاحب الحمام إلا أن أثبت لافتة في المدخل أن ولوج الحمام مجاني، فتسابق الناس على الدخول للحمام، حتى إذا انتهى الواحد من عملية الاستحمام وجاء يطلب ملابسه، يفاجئه صاحب الحمام أنه إذا كان الدخول مجانا، فالخروج بالأداء. فقيل: دخول الحمام ليس كخروجه.

هذا عن قصة المثل، أما استعمالاته فتتنوع بحسب الوضعيات والمواقف، ويبقى الجامع بينها هو التناقض والتعارض بين وضعيتين، حيث تأتي مخرجات الموقف أو السلوك مخالفة للتوقع اعتمادا على المدخلات. ومن أوضح الحالات وأكثرها شيوعا الفشل في تجربة حياتية كالزواج مثلا، فـيُضطر معه لفض الشراكة بين الزوجين بعد إنجاب أولاد، الأمر الذي يعقد عملية الانفصال، فيطلب من الزوجين الصبر والتحمل فيواجهان بالمثل.

ويسري المثل أيضا على الاختيارات والمواقف أفرادا وجماعات، وفي شتى المجالات، فحيثما حصل الإخفاق يُشهر المثل تعبيرا عن سذاجة في التقدير وقراءة المعطيات. وتبقى الاختيارات في المجال السياسي أنصع مثال لاستعمال هذا المثل، فقد تُـقرر هيئة حزبية أو سياسية معينة ولوج اللعبة السياسية بشروط نظام مستبد وسقفه، اعتقادا منها أن التسلل اللطيف لدواليب الحكم يسعف في إصلاح مؤسسات الدولة من الداخل، وقد لا يُعدم أصحاب هذه الاختيارات الحجج والبراهين المسوغة لخوض المغامرة، لكن المآلات محسومة، وفشل التجربة مضمون تؤكده تجارب ووقائع، فإذا بالذي اعتقد أن انخراطه في اللعبة السياسية بشروط النظام وسقفه، وعوض أن يغير الفساد تعايش معه، فيضيع الرصيد السياسي، وتتبخر الشعبية، وتهدر سنوات البناء والإعداد، ولسان الحال يقول في لحظات الصفاء والصدق مع النفس: يا ليتني لم أركب سفينة النظام، ويقال له: ويحك، ومتى سلِم من قبِل ملاعبة الثعبان من اللدغ.

طالع أيضا  مفهوم الدين وبناء المراتب (6)

غير أن هذه التجارب فردية كانت أو جماعية تبقى أهون من تجربة يخوضها الناس، أقصد نخوضها جميعا على اختلاف أجناسهم وألوانهم وثقافتهم ولغاتهم؛ تجربة الحياة وولوج “حمام” الدنيا؛ تجربة تمحيص للإنسان وقياس مدى قابليته لنداء الاستجابة والهداية؛ “حمام” دنيا دخوله ليس كخروجه أكيد، والموفق من اغتنم زمن عمره فأحسن الاغتسال من الذنوب وأدران المعاصي، فخرج من “حمام” دنياه كأحسن ما يكون، سلامة قلب وطيبوبة نفس وسمو روح. والخاسر من لم يغنم الفرصة، ولم يحسن الاستحمام، فعاش لاهيا غافلا متبعا هواه. ومن فاته الله فاته كلّ شيء، ومن مرّ من هذه الدنيا دون أن يعرف ربه وأن يحب لقاء ربه، لا نهاية لحسرته. وكيف لا يتحسر على انصرام دنياه، ولم يتقرب إلى خالقه ومولاه بفرض أو نفل، متمنّيا بعد فوات الأوان الرجعى إلى “حمام” الدنيا ليغتسل من الذنوب والمعاصي. يقول الحق سبحانه في سورة “المؤمنون”: حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (الآيتان: 101،100).

وإذْ تتشابه عمليات الدخول إلى “حمام” الدنيا عدلا منه سبحانه وتكافؤا للفرص، فالخروج يكون بحسب الهمة والإرادة، فعلى قدر الهمة يأتي العطاء، وعلى قدر الصدق في طلب وجه الله يكون الارتقاء في مدارج الإيمان، فلينظر أحدنا كيف استعداده للقاء ربه. والله تعالى ينادينا منبها في سورة “الانشقاق” قبل فوات الأوان: يا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا. الدخول واحد، لكن الخروج على نوعين: فريق في الجنة أوتي كتابه بيمينه فرحا مستبشرا، ابيضت منهم الوجوه، فجاءت ناضرة إلى ربها ناظرة، وفريق في السعير أوتي كتابه وراء ظهره كناية على ثقل الأوزار، يولول لما تأكد خسرانه، وبار اعتقاده أنه لن يحور ويرجع إلى ربه.

طالع أيضا  ذ. قبيبش: لا بد للمسلم أن يجد وسط زحام المشاغل والمهمات وقتا لصلة الرحم

اللهم اسلكنا في عبادك الصالحين، ويسر لنا أسباب الهداية والفلاح، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأكرمنا بحسن الخاتمة والعاقبة في أمورنا كلها. آمين. والحمد لله رب العالمين.