انطلق الأستاذ سعيد ضياء في حلقة جديدة من حلقات سلسلته فاطمة الزهراء خير نساء العالمين في موسمها الثاني؛ من قول الله تعالى: ‏‏وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا. (سورة الطلاق‏ الآيتان‏ 2- 3‏)

وصدر ضياء حلقته بسؤاله “كيف مرّ عرس السيدة فاطمة عليها السلام بنت قائد الدولة الإسلامية سيد الأنام؟”، موضحا أن الخيال سيذهب بكثير من الخلق إلى أن يتصوره عرسا لأميرة من أميرات الألف ليلة وليلة، في قصر من قصور الفخامة في ليلة عرسها الميمون، وحولها الخدم والحشم والحرس والعسس يحومون، والمدراء والوزراء والسياسيون، والخطباء والشعراء والأدباء وعمالقة الفنون كلّهم في فلك يسبحون، أو لعل بعضهم يتصورها وهي جالسة على عرش زفافها المبارك وقد زينتها الماشطة وألبستها أحلى فستان، وحلّتها بأساور الذهب وعقود الياقوت والمرجان، والتاج فوق رأسها وبيمناها الصولجان، وقد أتتها للتو من أقدم وأفخم العطور محلات العطور مسك أذفر وعنبر وروح الريحان، وجاءتها من أمهر محلات ودور الأزياء حلل وفساتين وقمصان، فتلبس الحلّة بعد الحلّة تحت التصفيق والهتاف والزغاريدُ على كلّ لسان، والموسيقيون يعزفون أعذب الألحان، والألعاب النارية تزركش السماء بأزهى الألوان…  

وأضاف ضياء: “ولعلك تتساءل يا أخي… ونتساءل معك. في أي جزر البذخ والترف، سيقضي شهر عسلهما العروسان؟” ثم أوضح أن كل ذلك مجرد تخيلات وأوهام وأحلام، ولا شيء منها كان.

وقبل حديثه عن العرس وأجوائه، ذكر ما حدث في حلقة سابقة، وكيف أتى سيدنا علي كرم الله وجهه خاطبا السيدة فاطمة عليها السلام، وما معه من متاع الدنيا شيء يقدمه مهرا… فرضي منه مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرع جهاده وآلة حربه مقدم صداق وقبله ختنا وصهرا…

وأشار إلى أن “قلّة المال لا تنقص من قيمة الرجال، كما أن كثرة المال لا ترفع الإنسان إلى مصاف أهل الكمال، ولا تضمن له حسن المآل إلا أن ينفقه في سبيل ذي الجلال، وقصة قارون في هذا المقام خير مثال”.

طالع أيضا  اليوم الوطني للتضامن مع الشعب الفلسطيني ضد العدوان (فيديو)

كانت خطبة سيدنا علي رضي الله عنه وسيدتنا فاطمة الزهراء رضي الله عنها قبل غزوة بدر، وبعد غزوة بدر تغير الحال، وقال ضياء إن بعد هذه الغزوة “غنم سيدنا عَليٌّ رضي الله عنه “شارِفًا” وهيَ المُسِنَّةُ مِن النُّوقِ، ٍ وزاده النبي صلى الله عليه وسلم شارٍفًا مِن الخُمُسِ، وأي ضير في أن يساعد أب العروس زوج ابنته، أي ضير في أن نقدم يد العون لمن رضينا دينه وخلقه، وأي ضير لو طلقنا عادات الجاهلية وأعرافها النتنة.”

واسترسل ضياء يحكي حكاية عرس سيدنا علي الذي أضحى بعد ذلك مالكا لناقَتيْنِ كَبيرتَيْنِ. فَلَمَّا أرادَ أن يَبْتَني بِفاطِمةَ رضي الله عنها، أي: يَدخُل بِها، واعَد رَجُلًا صَوَّاغًا مِن بَني قَيْنُقاعَ مِن اليَهودِ أن يَرتَحِلَ مَعه، فَيأْتي بِإِذْخِرٍ، وهو نَبْتٌ طَيِّب الرَّائِحةِ، فيَبيعَه الصَّوَّاغينَ، ويسْتَعينَ بِه في وليمةِ عُرْسه، أي: يسْتَعين بِثَمَنِه عَلى شِراءِ طَعامِ العُرْسِ، فَبَينا هو يجْمَع لِشارِفيه مَتاعًا مِن “الأقْتابِ”، جَمْع قَتبٍ، وهو ما يوضَع عَلى ظَهْرِ البَعيرِ. “والغَرائِر”، أي: الأكْياس جَمْع غِرارة، بِكَسرِ الغَيْنِ، وهو ما يوضَعُ فيه الشَّيْءُ، رَجَع حينَ جَمَع ما جَمَع؛ فَإِذا شارِفاه قَدْ أُجِبَّت أسْنِمتُهما، أي: قُطِعَتْ. “وَبُقِرَتْ خَواصِرُهما”، أي: شُقَّتْ. فَلَم يمْلِك عَيْنيه، أي: فَلَم يستَطِع أن يمْنَعَ عَيْنيه عَن البُكاءِ، فَقالوا: فَعَلَه حَمْزةُ بنُ عَبدِ المُطَّلِب رضي الله عنه، وهو في هذا البَيْتِ في شَرْبٍ مِن الأنْصارِ، أي: جَماعةٍ يَشرَبونَ الخَمْرَ، وعِندَه قَيْنةٌ، أي: مُغَنِّية، وأصحابُه، فَقالَت في غِنائِها: ألَا يا حَمْزُ لِلشُّرُفِ “النَّواءِ”، جُمَع ناوية، وهيَ: النَّاقةُ السَّمينةُ، فَوَثَبَ حَمْزةُ رضي الله عنه إلى السَّيْفِ، فَأَجَبَّ، أي: قَطَعَ أسْنِمتَهما، وبَقَر، أي: شَقَّ خَواصِرَهما، وأخَذَ مِن أكْبادِهما.

فَذَهَبَ عَليٌّ رضي الله عنه إلى رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، ما رَأيْت كاليَوْمِ قَطُّ، أي: ما رَأيْت أشَدَّ عَلى نَفْسي مِنه، عَدا حَمْزةُ عَلى ناقَتَيَّ، أي: اعْتَدى عليهما، فَدَعا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بِرِدائِه فارْتَدى، ثمَّ انْطَلَقَ يَمْشي، فأتى البيت الذي فيه حمزة رضي الله عنه ووجده في حالةِ سُكْرٍ لا يَعي ما يَقوله، ولا يُلام عَلى ما يَصْدُر منه، فَعادَ وتَرَكَه. 

طالع أيضا  لا تنقُضُوا غَـزْلَ رمضانَ

ووقف ضياء مع هذا الموقف وهذا الاختبار العظيم الذي مرّ منه سيدنا علي رضي الله عنه، وكيف يُصنع الرجال على عين الله عز وجل، وكيف يُصهرون تحت نار الابتلاء حتى يصبحوا بما في يَدِ اللهِ أوثَقَ مما في أيديهم.

وقال المتحدث إنه لو حدث مثل هذا في زماننا “لقلنا هذا علامة نحس، والعروس لا خير فيها، والخير في غيرها، لو حصل مثل هذا لخاطب في أيامنا هذه لهمسنا له في أذنه أن غير العتبة، فهذا فأل سوء، واحمد الله أنك لم تعقد عليها بعد، ولو حصل لظلمنا الفتاة وأهلها، وجرحناهم جرحا لا يندمل”.

وعاد ضياء ليواصل؛ كان سيدنا علي رضي الله عنه يعقد أملا كبيرا بعد توكله على الله عز وجل على هذه الصفقة التجارية التي كان يرجو منها جني نفقات العرس الذي أضحى قريبا، لكنه رضي الله عنه رأى حلمه يتبخر أمام ناظريه، حين وجد عمّه قد قتل ناقتيه، فلم يملك حينئذ عينيه، ليس حزنا على دنيا طلقته وطلّقها وقال لها غري غيري، لكن حزنا أن لا يجد ما يولم به لبنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فماذا يفعل ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: “لا بُدَّ للعروسِ من وليمةٍ” يقول ضياء، ثم يضيف: “إن الله إذا أحب عبدا كان سمعه وبصره ويده ورجله، إنه سبحانه إذا أحب عبدا سخر له الدنيا ما فيها ومن فيها، إذا أحبك جعل لك أحبة في الله إذا غبت عنهم افتقدوك، وإذا مرضت عادوك، وإذا افتقرت أعانوك وإذا احتجت ساعدوك، وإذا أصبت واسوك، إخوة في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى؟”

طالع أيضا  د. بن مسعود متحدثا عن المقاطعة: صوتها قوي وتأثيرها موجع للمخزن

ثم سخر ربنا عز وجل لسيدنا علي إخوته فقال سيدنا سعدٌ رضي الله عنه: “عندي كبشٌ، وجمعَ له رهطٌ من الأنصارِ أصوُعًا من ذرةٍ”، فذبح الكبش وطبخ مع أصوع الذرة وأكل الرجال والنساء والأطفال. يقول ضياء على لسان سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنه: “حضرنا عرس علي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأينا عرسا كان أحسن منه حسنا، هيأ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم زبيبا وتمرا…”

وختم ضياء حلقته بقول من قد يقول من أبناء دنيانا “ممن ذاق من ألوان المكسرات الشيء العجيب والغريب، مساكين هؤلاء الصحابة، فرحوا بالتمر والزبيب”، ورد عليه قائلا: “سأقول لك نعم يا أخي لبساطة عيشهم فرحوا بالتمر والزبيب، ولكن فرحهم كان أكبر لأن من هيأه لهم هو الحبيب، وكل ما يأتي من يد الحبيب يحلو ويطيب”.