ينبني هذا المقال على ما عشناه من تجربة في السباق الانتخابي الممتد لعقود. ذلك أن التجربة علمتنا أن الانتخابات تأتي في كل مرحلة إما في إطار تغيير الروتين الذي يعيشه الناس في المشهد السياسي إذا كان مملاّ، أو في إطار التغطية والإلهاء عن أزمة تعمّقت في البلاد، أو في إطار تسويق أوهام الديمقراطية. خارج هذا الإطار لم نشهد أي نتائج إيجابية كانت من وراء تلك العملية المتكررة.

كل ما في العملية أن تهدر الأموال وتوزع الوعود الكاذبة، وترفع الشعارات الفارغة، وتقع الكوارث المادية والبشرية، وتشترى الضمائر والذمم. نعم قد يتغير أشخاص بعينهم، وتتغير الحكومات، وتتغير الأحزاب والألوان والأسماء، لكن الواقع يبقى على حاله يشهد على بؤس الإنسان، حتى وإن تغير فإنه يتغير بالقدر الذي يوقف الغليان ويجنّب الفوران، ويمس التغيير الجانب المادي في إنجازاته دون الجانب الإنساني.

دخلت هذه الأيام إلى جماعة قروية لإعداد بعض الوثائق، وبينما أنا واقف في الصف أنتظر أن يحين دوري، سمعت من إحدى القاعات صوت بعض النساء يتحدثن عن الانتخابات. فقالت إحداهن: هؤلاء المرشحون لا يستحيون من الله، يتركون الناس المساكين الذين صوتوا عليهم ويذهبون إلى الترويح عن أنفسهم باستعمال سيارات السلطة في الأعراس والمناسبات. هؤلاء المرشحون لا أثر لهم في الواقع، ولا أثر لعمل قاموا به بتاتا، ما وعدوا به الناس أخلفوه. هؤلاء ما تركوا لنا إلا الفضائح. انتهى كلامها.

 هذه الشهادة تشبه شهادات كثيرة سمعناها ونسمعها كل يوم عن الانتخابات، والمرشحون في كل مناسبة حديث الناس، ولا تختلف هذه الشهادات إلا في التعبير أما المعنى فواحد، وهو سخط الناس واستياؤهم من هذا المشهد العبثي. وهذا ما يدفع بالناس ليزهدوا في هذه الانتخابات ويقاطعوها لعلمهم بعدم جدواها في حياتهم.

طالع أيضا  كيف نستقبل رمضان؟ وكيف نعيشه؟ (3/4)

وفي سياقي عرضي لهذه التجربة مع الانتخابات أريد أن أطرح سؤالا مهما، ربما قد سبقني إليه غيري فطرحه، وهو ما جدوى الانتخابات إن كانت بهذه المهزلة؟ بتعبير آخر هل الانتخابات تعتبر حلا لما يعيشه المغرب من أزمة اقتصادية وسياسية واجتماعية وصحية وتعليمية؟ وهي أزمات اعترف بها الكل سواء من يعمل من داخل المؤسسات أو من يعمل خارجها. لقد سمعت هذا بأمّ أذني في إطار النقاش حول الانتخابات من مسؤولين حزبيين وشخصيات معروفة موالية للسلطة في أكثر من برنامج تلفزيوني أن المغرب سوف يدخل الانتخابات التشريعية لوضع حد للأزمات التي يعيشها، ولوضع قطيعة نهائية مع الماضي. الكلام فيه اعتراف نعم بالأزمة وهذه حقيقة واقعية، وفيه تكرار للحل الذي يُسوّق له في كل مرحلة انتخابية من دون فائدة سئم الجميع من سماعه.

للجواب عن السؤال الذي طرحناه فإننا أمام خيارين، إما نقول: نعم، الانتخابات تشكل حلا للأزمة التي يعيشها البلد، وهي السبيل إلى التنمية الاقتصادية والديمقراطية الحقيقية والتقدم والكرامة… وهنا يعترضنا معترض على الجواب فيقول: ولماذا الانتخابات السابقة كلها لم تكن يوما ما حلا، بل كانت وبالا. كيف لنا أن نصدق بكذبة أخرى اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.

وإما نقول: لا، الانتخابات ليست حلا، وإنما هناك حلول أخرى ناجعة تتمثل في الإرادة الحقيقة من أجل التغيير والإصلاح، وما يتبع تلك الإرادة من أعمال تسخر فيه كل المجهودات والإمكانيات يشترك فيها كل مكونات المجتمع من دون إقصاء أحد. وهنا يعترض معترض فيقول: إذا كانت ليست حلا، فلماذا يصرون على الانتخابات رغم النتائج التي تفضي إليها، ورغم ما يتم هدره من وقت ومجهودات ومن إمكانيات مادية وبشرية.

إن خير تعبير يمكن أن يُطلق على هذه الانتخابات وموعدها أنها سوق يقام حسب أيامه المحددة، تُعرض فيه السلع المختلفة الألوان والأشكال بعدد المرشحين، وأخبث سلعة في هذا السوق الوعود الكاذبة والشعارات الفارغة. كما تمنح فيه أثمنة لهذه السلع عبارة عن أصوات وشهادات، وأخبث أثمنة تقدم في هذا السوق هي شهادات الزور وبيع الضمائر والذمم. فإذا انفض السوق انفض عن خاسر أكبر في العملية دائما وهو الشّعب المسكين.

طالع أيضا  القرآن والصيف

أختم بهذه العبارة الحكيمة: “أفعال العقلاء منزهة عن العبث”. والعبث إضاعة الوقت فيما لا فائدة فيه، وهزل لا خير من ورائه، وتصرف طائش واستخفاف.