“من الدار خرج مايْل”، عبارة تختصر مثلا شعبيا متداولا في تقييم أداء ومواقف الناس. والمثل له صيغ مختلفة لفظا، لكنها تتفق معنى ودلالة، ومن أشهر صيغه “قالوا ليها: ولدك طاح. قالت ليهم: من الدار خرج مايْل”. (طاح) أي وقع وسقط من على الفرس أو أي دابة تركب. (مايل) أي مائل، غير متوازن لأنه لم يحسن إحكام ربط السرج، ولذلك لم يكن سقوط الولد مفاجئا للأم، بل على العكس من ذلك، كان متوقعا.

يعتبر هذا المثل آلية تقييمية للأعمال والمواقف، ويؤشر إلى الذكاء الجمعي، حيث كان التقييم حاضرا في حياة الناس على بساطة الحياة والوسائل. والمثل يحيل إلى مركزية عملية الإعداد والتأهيل قبل خوض أي عمل أو نشاط، فالولد وهو رمز لقلة الخبرة وغياب التجربة فشِل في أول استحقاق يخوضه، لأنه لم يستعدَّ ولم يكلّفْ نفسه عناء التعلم، اعتقادا منه أن ركوب الخيل أمر سهل، ونسي ألا نجاح دون تتلمذ واكتساب للأهلية. ولله درّ أبي فراس الحمداني لما قال: “أُسِرتُ وما صحْـبي بعزل لدى الوغى ***ولا فرسي مُـهْـرٌ ولا ربه غَـمْـرُ”. المُهر من الخيل صغارها، والغمرُ من الناس الغـِرُّ قليل التجربة. والمعنى أنه تعرض للأسر على الرغم من جودة فرسه وخبرته وتجربته بفنون القتال.

يرصد المثل حالات الإخفاق المتوقعة، فالأم تعاملت مع حادث السقوط بعقلها لا بعاطفتها، فهي لم تولول خوفا على ولدها، بل اعتبرت السقوط منطقيا ما دام الولد اختار المغامرة دون إعداد. وتبقى حادثة الوقوع من على صهوة الفرس مثالا واقعيا لأخذ العبرة، وإلا ما أكثر حالات السقوط والإخفاق في الحياة! إخفاق يختلف من حيث العواقب والآثار بحسب طبيعة الحالات، فشتان بين إخفاق العامة، وبين إخفاق نخبة المجتمع وقدوته، فإخفاق العامة قد لا يتجاوز الأثر الأشخاص أو المحيط الأسري، لكن سقوط النخبة علماء ورموز المجتمع يكون وبالا على الأمة. فكيف إذا كان الإخفاق في شؤون العباد والبلاد نتيجة اعتماد “تدبير” عشوائي فتهدر مقدرات الشعب، وتضيع فرص التنمية، ويغرق البلد في وحل المديونية؛ إخفاقات في تدبير قضايا حساسة تعود بالأساس لاستيراد نماذج أجنبية وإسقاطها على الواقع دون مراعاة لخصوصيات المجتمع هوية وثقافة. وما أكثر ما “يخرج مائلا” من الحكومات والمشاريع التنموية ومخططات الإصلاح، فلا عجب تتوالى النكسات والإخفاقات، ولا من يَـعتبِـر.  

طالع أيضا  في دلالات وعِبَرِ الأمثال الشعبية: (18) "للّي بْغَا الگراب في السمايم يتصاحب معاه في الليالي"

المثل إذن بحمولته التوجيهية ينتمي إلى حقل التنمية الذاتية والتدريب القيادي، فالنجاح والتميز مفتاحهما الإعداد واكتساب المهارات وتطوير الذات. فعلى قدر الإعداد نجاعةً، ومعرفةِ المؤهلات ممارسةً وتدريبا يكون النجاح؛ وإنما ترقى الأمم وتزدهر بحسب منسوب الإعداد والتأهيل في ثقافتها ومنظومتها التربوية، فشتان بين من نشأ على حسن الإعداد والتخطيط، وبين من ترعرع في بيئة ترتجل في الأمور كلها، وإنما “تجتهد” في تبرير الفشل والإخفاق والتهرب من المسؤولية.

الإعداد والتأهيل أمر قرآني جاء في سياق غزوة بدر الكبرى ضمن شروط النصر، يقول سبحانه وتعالى في سورة “الأنفال”: أَعِدُّوا لَهُم ما اسْتَطَعْتُم من قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ (الآية:61). الإعداد من مقتضيات حسن التوكل، كما أن حسن الظن بالله يقتضي إجادة العمل العبادي.

وحيث إن الأمور بخواتيمها، فهي مرهونة ببداياتها، فإذا صحت البداية أشرقت النهاية، وكما يقول المثل: “النهار بَـايْـن (ظاهر) من صْباحُو”، فلا توقُّع لنجاح دون إعداد وأخذ بأسباب، والتهور في خوض الأمور دون أهلية مغامرة مضمونة الفشل. ليبقى الإخفاق والسقوطُ حليف من ارتضى التخبط والعشوائية. هذه مُسَلّمة وبَدَهيّة وقاعدة عامة.  

والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

 

ولعله من الموافقات أن ورد الحث على تعليم الأبناء ركوب الخيل إضافة إلى الرماية والسباحة باعتبارها مفاتيح لاكتساب الرجولة والشجاعة، لا فرق في ذلك بين نساء ورجال.