مع اقتراب موعد الانتخابات الجماعية المقررة في 8 شتنبر 2021، ترتفع حمى الانتخابات بين مؤيد ورافض، وتنشط الآلة المخزنية المنشغلة برسم خرائط المجالس الجماعية ليطبعها التحيز الكامل للأحزاب الإدارية التي أريد لها أن تظهر بمظهر المنقذ، فهل ستنطلي الحيلة على المغاربة ويفلح المخزن هذه المرة فيما فشل فيه سابقا؟ أم أن لا صوت سيعلو فوق صوت المقاطعة التي أضحت شكلا تعبيريا جماهيريا؟ وهل هنالك فعلا ما يبرر العزوف ومقاطعة الانتخابات الجماعية خاصة؟

كمحاولة في بسط أسباب العزوف والمقاطعة الواسعة، نسائل التجربة الجماعية انطلاقا من الشعارات المرفوعة والقوانين التنظيمية الخاصة بها، ونقف على أسباب عجز وفشل الجماعات الترابية في تحقيق جل مهامها اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، ومن أبرز الإشكالات البنيوية التي تعترض الجماعات الترابية وتساهم في هذا الفشل:

إشكالية التقطيع الترابي

لم يحدث المغرب قطيعة جذرية مع ما خلفه الاستعمار، بل بقي محافظا على الإطار العام للمقتضيات التي حملتها الحماية، وعمل على بعض التعديلات الطفيفة، دون الرجوع إلى التنظيم الذي كان سائدا قبل الاستعمار، ويظهر ذلك بشكل واضح من خلال ظهير 2 دجنبر 1959 المتعلق بالتقسيم الإداري، فهذا الأخير جعل الجماعات تقوم على مقاييس إدارية ضبطية، بدل الامتداد الطبيعي القائم على العلاقات السوسيو ثقافية، اقتصادية واجتماعية.

فحتى وإن كانت الجماعة فرضت وجودها كإطار يسمح بالعمل على تقريب الإدارة من المنتفعين وتسهيل الحصول على عدد من الخدمات ذات الطابع الإداري، إلا أنها وفي معظم الأحيان تظل عاجزة عن تحقيق الهدف التنموي، فالتقطيع الترابي ليس هدفه تنمويا بل إنه يستند إلى معطيات إدارية وسياسية يحكمها هاجس الضبط والتحكم بالدرجة الأولى، كما أن الخصوصية الترابية الحالية لا تنسجم مع الحقائق الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية الجديدة مما خلق تباينات كبيرة بين الوحدات الإدارية.

تشكيل مجالس جماعية هجينة

بالرغم من كل التعديلات الحاصلة على مستوى القوانين التنظيمية المؤطرة لعمل المجالس الجماعية، فالتجربة على أرض الواقع ظلت تتسم بضعف في التدبير والتسيير، فطريقة الانتخاب التي تم اعتمادها لا تساعد بتاتا على إنتاج أغلبية واضحة ومنسجمة، بل تساهم في تشتيت المقاعد بين العديد من الأحزاب السياسية دون أن يتمكن أي حزب من الحصول على أغلبية تمكنه من تشكيل مكتب تسيير، ومهما حاولت هذه الأطراف المتصارعة في أغلب الأحيان تشكيل تحالفات لأجل الحد من المعارضة السلبية والوصول إلى تسيير سلس للمجلس، فإن واقع الحال، والممارسة اليومية، أبانت وبشكل واضح بأن التعصب السياسوي والالتصاق المصلحي يشكل سببا رئيسا في فشل التدبير.

فعندما يجتمع الجهل والتعصب والطمع، وعندما يصبح الانتداب الجماعي مهنة، وعندما تصبح الجماعة الترابية إرثا عائليا يتوارثه أفراد العائلة الواحدة أو صنف خاص من النافذين، وعندما يصبح الترشح وعقد التحالفات والترحال بين الأحزاب وتدبير الشأن العام المحلي يحكمه منطق الغنيمة، وعندما يحاصر المخزن معارضيه ويبعدهم قصرا عن المشاركة ويفتح الباب لهذه الكائنات المتسلطة على تدبير الشأن العام المحلي، فلا غرابة فيما تراه.

طالع أيضا  الإمام عبد السّلام ياسين: أزف الرّحيل

ثقل الوصاية (الرقابة الإدارية)

يبدو أن المشرع مازال متمسكا بالوصاية من خلال التمعن في الجانب المتعلق بمشروعية القرارات الإدارية (أكثر من 58 حالة)، فالوصاية وإن اختفى التنصيص عليها كمصطلح في القانون التنظيمي بشكل واضح، فإنها أقحمت بشكل ذكي داخل ثناياه، حيث إن جل القرارات التي يتخذها الرئيس تخضع لرقابة سلطة الوصاية.

الدستور نص على استقلالية الجماعات الترابية، لكن هذا الاستقلال ليس كاملا وتاما إذ تظل الجماعات مجرد جهاز قاصر أمام أعين سلطات الوصاية ويجب أن تظل خاضعة لوصايتها وتحت رحمتها، ولذلك نجد أن معظم الأنشطة الاقتصادية المحلية ما زالت خاضعة لضرورة التأشير، كما أن كل المداولات المهمة أو التي هي على درجة كبيرة من الأهمية في المجال الاقتصادي تكون خاضعة لإعادة القراءة من طرف سلطات الوصاية.

فإذا كانت رقابة المشروعية مفهومة إلى حد ما حيث يخول للسلطة المركزية حق التأكد من مشروعية القرارات المتخذة، ومدى احترامها للنصوص القانونية والتنظيمية المعمول بها، بالرغم من أن هذا الدور يمكن أن تقوم به لوحدها إذا ما توفرت لها الإمكانات البشرية اللازمة، فما يسمى برقابة الملاءمة لا يمكن أن تستساغ، ولا يمكن للسلطة المركزية أن تمنح لنفسها حق تقدير ملاءمة القرارات للظروف الاقتصادية والمالية والاجتماعية في معزل عن صانعي القرار الحقيقيين الذين لهم احتكاك مباشر مع المحيط، فالأصل أن عمل الجماعة المحلية محكوم بسلطة القانون ولا ينبغي للسلطات المركزية التدخل في شؤون هذه الجماعات إلا للحفاظ على القانون، ومن هنا يبدو أن وصاية الملاءمة المفروضة على الجماعات، إجراء غير ذي صلة باللامركزية الإدارية، بل إن هذه الوصاية تجسد مفهوما مناقضا للتدبير الحر المنصوص عليه في الدستور.

أليست اللامركزية هي نقل للسلطة والمسؤولية رسميا إلى الفاعلين والمؤسسات السياسية والإدارية والمناطقية؟

ضعف الموارد المالية

تعتبر الموارد المالية أداة أساسية لتنفيذ السياسات العمومية وترجمة مشاريع وبرامج المجالس المنتخبة، لذلك ولممارسة اختصاصاتها لا بد للجماعة أن تتوفر على موارد مالية كافية.

فالاستقلال الحقيقي يعني ممارسة الجماعات الترابية لنشاطها المالي في استقلال تام عن الدولة وبعيدا عن دعمها وتحكمها.

جل الجماعات تظل عاجزة عن تحقيق لامركزية فعلية أمام عدم كفاية الموارد المالية الذاتية، مما يجعلها تعتمد بالضرورة على معونات الدولة للقيام بمهامها، فمعظم الجماعات لا تستطيع تغطية النفقات الإجبارية، بما فيها أجور الموظفين وفواتير الماء والكهرباء… بل إن بعض الجماعات تعيش عجزا دائما، ولا تتوفر على ميزانية حقيقية، حيث تسير وعلى مدى سنوات متتالية بميزانيات تقديرية، وتنتظر كل سنة دعم الدولة لتحقق التوازن.

طالع أيضا  كيف يصبح التناصح والتواصي سلوكا في حياتنا (5)

فما دامت هذه الجماعات فقيرة من حيث الموارد المالية فإنها ستبقى مشتلا لامتصاص غضب بعض النخب الصغيرة والمتوسطة وبالتالي احتوائها من طرف آلة المخزن عبر السماح لهذه النخب لتسيير جزء من الشأن العام المحلي على أن تبقى السلطة النهائية للقرار بيد المخزن عبر الرقابة (الوصاية).

تداخل الاختصاصات

المستجد في القوانين التنظيمية هو التنصيص على مبدأ التعاقد لممارسة هذه الاختصاصات، لكن هذا المبدأ يلزم المشرع برفع اليد عن القرار ليتخذ محليا، في أفق اللاتركيز الإداري ومواكبة اللامركزية، كما أن التنسيق الأفقي يشكل عقبة أو معيقا في تنزيل الاستراتيجيات القطاعية.

إن التداخل الحاصل في الاختصاصات، كثيرا ما كان سببا في سوء تدبير الشأن العام المحلي، وسببا مباشرا في إضاعة فرص حقيقية للاستثمار والتدخل الاقتصادي والعمل التنموي.

فإذا كان مبدأ التفريع يعد الأساس المنطقي لتوزيع الاختصاصات والصلاحيات بين الدولة ومختلف أجزائها، ويقترح حلا واقعيا وديمقراطيا لإشكالية توزيع السلطة فإن فلسفته العامة في المقابل تقتضي وجود عدة شروط لا بد منها لتحققه في الممارسة، وتطبيقه على الأساس السليم والاستفادة من وظائفه ومزاياه، فنجاح اللامركزية الترابية لا يتوقف فقط على تخويل مجالسها اختصاصات متعددة، بل تمكينها أيضا من الوسائل المادية والبشرية اللازمة لتسييرها، لأن أي عملية لتوسيع الاختصاصات بدون إعادة توزيع الوسائل المادية بين الدولة والجماعات الترابية بشكل مواز، سيؤدي لا محالة إلى نقل اختصاصات صورية.

ملخص لهذه الإشكالات والمعيقات:

·        سؤال الإرادة السياسية لدى الفاعل المركزي في اقتسام السلطة مع الفاعل المحلي، فطبيعة النظام القائم لا تسمح بوجود فاعل سياسي حقيقي قادر على صناعة القرار المحلي المستقل بعيدا عن هيمنة الفاعل المركزي.

·        تقسيم ترابي لا يرتكز على معايير موضوعية أو مقاربة تنموية، بل تحكمه هواجس أمنية ضبطية.

·        نمط انتخابي يكرس البلقنة السياسية، ولا يسمح بوجود أغلبية مطلقة لأي حزب.

·        تشديد المراقبة الإدارية على المجالس المنتخبة ومقرراتها يكرس منطق الهيمنة والتحكم.

·        اختصاصات فضفاضة وغير محددة، وتداخل الاختصاصات بين الجماعات الترابية.

·        ضعف الموارد المالية والمستوى المتدني للدخل، بسبب التوزيع غير المتكافئ في الثروات (المغرب النافع وغير النافع).

عود على بدء

الديمقراطية التمثيلية التي ينحصر فيها دور المواطن على الحق في التصويت أو الترشح والولوج إلى مجالس فاقدة للإرادة، أصبحت متجاوزة ولا تنتج سوى نخب فاسدة.

فلا معنى للتصويت أو الترشح في انتخابات تفضي لمجالس جماعية لا تمتلك حق إعداد السياسات العمومية، وتساهم في تنشيط الحركة الاقتصادية وخلق الثروة والاستثمار في البنية التحتية وتأهيل المجال….

طالع أيضا  #راحتي_في_صلاتي.. حملة عن مكانة الصلاة وأهميتها تُنِير وسائل التواصل الاجتماعي

لا معنى للتصويت أو الترشح في انتخابات جماعية مادام التقسيم الترابي الحالي لا ينطلق من منظور شمولي ولا يأخذ بعين الاعتبار البعد الجغرافي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والمجالي، ولا يرتكز على معايير موضوعية أو مقاربة تنموية، بل تحكمه هواجس أمنية ضبطية.

لا معنى للتصويت أو الترشح في انتخابات جماعية مادام هناك غموض في توزيع الاختصاصات بين الدولة والوحدات الترابية ووحدات عدم التركيز، فليس المطلوب هو تغير قوالب الاختصاصات وتنميقها بمصطلحات جذابة، بل الواجب هو إعادة النظر بشكل عميق في مفهوم ومضمون وخصائص مبدأ التفريع.

لا معنى للتصويت أو الترشح في انتخابات جماعية مادام أن الدولة لم تعد النظر في التوزيع غير المتكافئ للثروات، فنجاح اللامركزية الترابية لا يتوقف فقط على تخويل مجالسها اختصاصات متعددة، بل تمكينها أيضا من الوسائل المادية والبشرية اللازمة لتسييرها.

لا معنى للتصويت أو الترشح في انتخابات جماعية مادام أن الوصاية (المراقبة) كآلية للتحكم في حركية الممارسة المحلية لازالت مفروضة بقوة، ومنها مراقبة الملاءمة والتي تحجر على مخططات وأعمال المجالس الجماعية وتشعرها بالدونية والتبعية للمركز، ويمكن القول إنها فيتو دائم الاحتمال لمعارضة تنفيذ قرارات السلطات اللامركزية.

لا معنى للتصويت أو الترشح في انتخابات جماعية ما لم ترفع المؤسسة المخزنية يدها عن الجماعات الترابية وتكف عن تكريس مفهوم الخضوع والخنوع والتبعية الذليلة. فلا تنمية اقتصادية ولا اجتماعية ولا ثقافية حقيقية، إلا بالقطع مع الاستبداد والكف عن جعل المجالس الجماعية مجرد أدوات لتسييد المؤسسة المخزنية.

لا معنى للتصويت أو الترشح في انتخابات جماعية إلا بالقطع مع المنطق الاستبدادي الذي ساهم بشكل كبير في جعل الجماعات الترابية مصدرا للثراء الفاحش واستغلال النفوذ وسوقا مفتوحا للنخاسة وبيع الذمم يعج بالمفسدين والمرتشين…

لا معنى للتصويت أو الترشح في انتخابات جماعية إلا بإنهاء عقود من الفساد والإفساد الممنهج الذي همّ بالأساس الحياة السياسية، ابتداء من تفريخ أحزاب وصناعتها على المقاس المطلوب، إلى محاصرة كل التكتلات الجادة وقمعها وحرمان الشعب المغربي من خدماتها ونقاء أياديها.