الانتخابات رهان مهم في الديمقراطيات ولاشك. لكنها في بلدنا تصنع وتطبخ بنكهة مخزنية رسمية. معها يخوض الإعلام المخزني بكل تلاوينه حملة يومية لحث المقاطعين لتغيير موقفهم، وتغيير حالة انعدام الثقة والفشل مع واقع البؤس والفقر والقهر والتراجع المهول في الحقوق والحريات ومصادرة الحق في إبداء من خلال فبركة الملفات لتكميم الصحفيين وإعدام مساحات الرأي والتعبير. ماكينة تتحرك كل موعد لتنفيذ حملة مؤقتة توهم وتعد وتوزع الأوهام. مشهد يتكرر منذ 65 سنة دون أن تكون للشعب كلمته، والذي لازال يعامل كقاصر لا حق له في اختيار من يمكن محاسبتهم. إن من يريد القفز على كل حقائق المحطات السابقة بكل ما عرفته وما أفرزته وما أحدثته قبل وبعد دستور 2011، ولا يريد الوقوف عليها وقراءتها بكل موضوعية وتجرد لن يقتنع أن المخزن هو هو، كما قال الصحفي الجامعي رحمه الله، ولسان حاله يردد: “من يراهن على تغيير المخزن يصبح مخزنيا أكثر من المخزن نفسه”.

فهل من جديد ومن آمال حقيقية يمكن تعليقها على هذه المحطة؟

أكثر من ثلاثين استحقاقا، كان أبرزها تجربتان تكادان تتشابهان من حيث السماح بأحزاب وطنية لترؤس الحكومة، انتهت بالاستمرار بالحكومة لولاية ثانية دون أن تكمل ما سمته الأوراش الكبرى لجهات لا تفرزها الانتخابات. عدم امتلاك قرار في الملفات الكبرى والسياسة العامة كان ولا زال السمة الغالبة. وهو ما يجعل الحكومة ديكورا يؤثث المشهد ويزور الحقيقة ويبعد الفاعلين الحقيقيين من الصورة ويضبب الساحة. ويستحيل الوزراء حفنة موظفين بأجور سمينة يطبقون تعليمات وتوجهات جهات عليا ويتصرفون في الهامش.

والبرلمان غرفة تسجيل في أحسن الأحوال.

الخطوط الكبرى لميزانية الدولة حيث الحديث عن توسيع أو تقليص الوعاء الضريبي تتحدد في المجلس الوزاري، وكل القرارات والقطاعات السيادية مثل الدين والدبلوماسية وما هو استراتيجي خارج اختصاصات الحكومة.

طالع أيضا  المنع يطال الوقفة التضامنية مع منجب (صور)

وبالرغم من الصلاحيات الجديدة التي أفردت لرئيس الحكومة والتي جاءت نتيجة ضغط الشارع في شهور، بدل العمل من الداخل الذي امتد لسنوات دون أن يغير من موازين القوى شيئا؛ صلاحيات سحبت بنفس الدهاء المخزني الذي التف على الحراك ووجد حزبا يتنازل بسخاء قل نظيره لتعليمات حكومة الظل. كان آخره تقنين القنب وما وقع فيه.

هل سمح للأحزاب الوطنية بحجمها وما ناضلت لسنوات بتنفيذ برنامج خارج الخطوط المرسومة؟ لا، طبعا.

موقفنا والحمد لله في جماعة العدل والإحسان ومعنا كل الشرفاء والعقلاء، وفي احترام تام لاختيارات الآخرين حتى يقتنعوا بعدم جدوى الرهان على منطق ومسار جربه آخرون وفشلوا فيه بل فقدوا رمزيتهم ورصيدهم، لا تزيده الأحداث والوقائع إلا صحة ووضوحا ونصاعة منسجما مع فئات واسعة من الشعب المغربي فقدت الثقة في سياسة تسويق الوهم، وبالتالي فهي غير مستعدة للانخراط في مسرحية مبتذلة نصا وحوارا وأداء وإخراجا، والمؤمن الكيس لا يلدغ من الحجر مرتين.

ربما الجديد هو إجراء هذه المحطة في ظل الطوارئ وأجواء الوباء مع مزيد من مقص التقزيم والتقسيم وترتيب الأوراق لتحجيم جهة على حساب أخرى للتمهيد لائتلاف آخر يحد من أي محاولة تغيير داخلية، ربما باتت معالمه واضحة إلى أن تتغير السياقات أو تغلب أحداث أو مفاجآت، مع تسجيل عودة نفس الممارسات من استعمال المال والنفوذ وتوزيع التزكيات. وما بلاغات الحزب الأغلبي وشكاواه المبكرة إلا شاهد حي على ما ذكر وما يجري.

مطمئنون جدا لموقفنا ومنسجمون مع شعبنا في مقاطعة هذه المهزلة إلى أن تتوفر الإرادة السياسية الحقيقية والحد الأدنى من الشروط المتعارف عليها كونيا. عندها لن نتردد لنكون من المساهمين في خدمة شعبنا حين يقول كلمته في ظل ديمقراطية حقيقية لا صورية. إلى ذلك الحين، المقاطعة جواب المرحلة تجاه العبث واللعب وتبذير المال العام في مؤسسات لا سلطة ولا قرار لها، وفي ظل التراجعات الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية المخجلة.

طالع أيضا  النظام التعليمي المغربي وإعادة إنتاج التبعية والتسلط