“فلُوسْ اللبن دَّاهُمْ زعْطُـوطْ” مثل شعبي مغربي بامتياز، يسلط الضوء على مرتكز من المنظومة القيمية؛ إنه الصدق، وما أدراك ما الصدق! عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: “التاجر الصدوق الأمين مع النبيئين والصديقين والشهداء”. منزلة ولا أسمى وأروع من رفقة خير خلق الله في عرسات الجنان، مفتاحُ إدراكها تحرِّي التاجر الصدقَ حتى يُكتب عند الله تعالى صِدِّيقاً، صدُوقاً.

وقبل دلالات هذا المثل، نُعرج على قصته، ذلك أن رجلا لبّانا كان يربي في بيته قردا يدعى “زعطوط”، وكان القرد يرافق سيده ويتابع تصرفاته، حيث يعمد اللبان قبل بيع اللبن لزبنائه على الشاطئ لخلط اللبن بالماء بنفس كمية اللبن، سعيا منه لمضاعفة الأرباح، دون اكتراث أو تأنيب ضمير. وذات يوم، باغت “زعطوط” صديقه اللبان، وسرق منه كيس النقود، وتوجه مسرعا صوب الشاطئ وأخرج النقود من الكيس، وأخذ يضع قطعة نقدية بجانبه ويرمي بالأخرى في الماء، وكأنه يقوم بعملية قسمة عادلة. ودون جدوى، حاول اللبان استرجاع كيس النقود من القرد، ولما رأى أن جهد يومه تبخّر قال والحسرة تعتصر قلبه: “فلُوسْ الماء دَّاهم الماء، وفلُوس اللبن دَّاهم زعطوط”.

الخلاصة واضحة، وما زادها نصاعة هو سلوك القرد زعطوط الذي أدرك بذكائه، ومن خلال مراقبة سلوك سيده اللبان، أنه لا يثبُت إلا الصحيح، فلم يتردد في رمي ما تمّ جنيه من مال مصدره الماء في البحر: “فلُوسْ الماء دّاهم الماء”، واحتفظ بنصف المال الذي اعتقد القرد أن مصدر تحصيله مشروع.

غشٌّ تجاوز خلط اللبن بالماء ليتمأسس ويمارَس بأساليب غاية في الدقة والتعقيد، إلى درجة يُحتاج فيها للخبير لعله يميز بين الجيد والمغشوش من السلع والمنتجات؛ غشٌّ ترعاه دول وتقف وراءه شركات عملاقة تسعى للربح، ولا تعبأ بالعبث بسلامة المستهلك؛ غشٌّ غزا كل المجالات، قطع غيار المركبات ومختلف الآليات واستعمال مفرط للمواد الكيماوية تعجيلا لنضج الخضر والفواكه، مرورا بتصنيع المياه، وانتهاء بصناعة الأدوية ومواد التطعيم واللقاحات؛ صناعات قائمة على الغش تحصد ما لا يعلم عدده من الضحايا إلا الله تعالى؛ غشٌّ لا يُجدي معه تدخل “زعطوط” لمقاومته، إلا يقظة ضمير تبدو من المستحيلات في زمن تشابكت فيه مصالح السياسي بالاقتصادي، حيث تضيع قيمة الإنسان.

طالع أيضا  ندوة تضع التطبيع مع كيان الاحتلال في ميزان القانون الدولي وحقوق الإنسان

غشٌّ مرفوض شرعا وعرفا وطبعا سليما، يقول الحق سبحانه في سورة “الرعد”: كذلك يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ(الآية:18). ويقول عز وجل في سورة “المائدة” مميزا بين الطيب والخبيث مما يتم تحصيله من الأموال والثروات: قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(الآية: 102). ومن السُّنة النبوية حسبُنا قوله صلى الله عليه وسلم من حديـث أبي هريرة رضي الله عنه: “أيها الناس! إنَّ الله طَيِّبٌ لا يقبل إلا طَيِّباً”.

وإذا كان الدين هو المعاملة لأنها تعكس حقيقة الإيمان ومستواه، تبقى التجارة بما تتيحه من إغراء وفرص لكسب الأموال أنسبَ مجال لاختبار المروءة ومعدن الصدق والقناعة، وهذا يحيلنا على الميزان العمري (نسبة لعمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه) في تقييم المروءات قوله لمن يزعم أنه يزكي رجلا ويثق في أمانته: “هَلْ عَامَلْتَهُ فِي الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ الَّذِينَ تُمْتَحَنُ بِهِمَا أَمَانَاتُ النَّاسِ؟”.

إنه لمما يحز في القلب أن ترى أقواما من خارج دائرة الإسلام يتحرّون الصدق في معاملاتهم، فلا غش ولا تدليس، في حين غدا الصدق في معاملات المسلمين اليوم عملة نادرة، ومن التزم الصدق اعتُبر ساذجا، في إشارة ضمنية إلى درجة تطبيعنا مع الغش الذي اعتبره الحديث النبوي محددا للإيمان: “من غشنا فليس منا، والمكر والخداع في النار”.(رواه الطبراني في الكبير والصغير). بل إن الغاش المدلس في تجارته من الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذابٌ عظيم، كما في حديث الشيخين: “… ورجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر فحلف له بالله لَأخذَها بكذا وكذا فصدقه وهو على غير ذلك…”.

هذا في حق الأفراد وبسطاء الناس، ويزداد وزر الغش فداحة وإثما بما يتناسب ورمزية ومكانة المرء، فشتان وزرا بين غش وتدليس عامة الناس، وبين وزر غش العلماء والحكام، فعن معقل بن يسار المزني رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت، وهو غاش لرعيته، إلا حرَّم الله عليه الجنة”.

إنه لا يفلح غير الصدق، وما تُحصل من مكاسب مادية أو غيرها بأساليب ملتوية لا يُعتد بها، وهي خسارة وبوار في الدنيا، وخزي وندامة في الآخرة. وكفى بهذا الحديث النبوي وعيدا وزجرا: “كل لحمٍ نبَت من حرام فالنار أولى به”.

اللهم ارزقنا الحلال وبارك لنا فيه، ويسر لنا صحبة أهل الصدق حتى نتشرب منهم الصدق قولا وسلوكا وعملا ومواقف.

طالع أيضا  ذ. فتحي: منع وقفات يوم الأرض يكشف حقيقة دعم حكام المغرب للقضية الفلسطينية!

والحمد لله رب العالمين.