شكل ربط الإصلاح بما يعنيه من اعتراف بما هو كائن وموجود، والإضافة إليه في إطار عملية التراكم في البناء الحضاري، وكذا بمفاهيم الإتمام التي جاءت على لسان رواد الإصلاح من مفكرين وقادة وسياسيين، وفي المقام الأول، كل الرسل والأنبياء، قال تعالى على لسان نبيه شعيب عليه السلام: إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب (هود الآية 88)، وعن أنس بن مالك قال: قال عليه الصلاة والسلام “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.

ثم في الوقت الحاضر، وفي السياق السياسي كمجال للدلالة على معنى “الإصلاح”: شكل كل ذلك نقطة تحول كبيرة في رسم تمثل قاصر – من وجهة نظرنا – لهذه الكلمة، التي باتت لصيقة بتوجه، واختيار حركي معين، جعل من الإصلاح، والإصلاح السياسي على وجه الخصوص، عملية ترميم للنظام السياسي، مع بقاء أساسه ثابتا، أو بمعنى من المعاني وضع لمسات، تصغر أو تكبر، لا يهم، لكنها تكتفي بالحفاظ على الموجود، دونما مساس بهويته.

ونحن هنا إذ نقر بإمكانية اكتساب أي مصطلح لمعان متعددة بتعدد السياقات التي يتم استخدامه فيها، الأمر الذي قرره علماء اللغة وهم يتحدثون عما سموها “حركيّة الدليل اللغوي”، فإننا في الوقت نفسه نقول بجناية ربط “الإصلاح” ربطا صارما بذلك العمل الجزئي الذي يروم الإبقاء على البناء، والبحث مليا عن تقويمه، مهما تعددت واتسعت أوجه ومجالات فساده.

فماذا تعني كلمة الإصلاح، والإصلاح السياسي على وجه الخصوص، وماهي مدلولاتها؟ وهل لها حدود ثابتة للاستعمال؟

لغة نجد “الإصلاح” كلمة مشتقة من “ص ل ح “. جاء في لسان العرب: الصَّلاح: ضدّ الفساد؛ صَلَح يَصْلَحُ ويَصْلُح صَلاحاً وصُلُوحاً والمَصْلَحة: الصَّلاحُ. والمَصلَحة واحدة المصالح. والاسْتِصْلاح: نقيض الاستفساد…

طالع أيضا  نظر ونظر

والإصلاح مصدر للفعل الرباعي أصلح، نقول: أصلح في أمره إذا أتى عملا حسنا، وعمل عملا صالحا إذا قام بعمل مفيد، والإصلاح جعل الشيء صالحا، أي ذا صلاح، والإصلاح: إزالة الخطأ، والإصلاح إزالة الخلاف. وبهذا تكون الدلالة اللغوية للكلمة على ثلاثة أوجه:

الإصلاح الذي يأتي ضدا على الفساد وفي مقابله.

الإصلاح الذي يروم تصحيح مسار الشيء بعد انحرافه، جزءا أو كلا.

 ثم إصلاح ما بين شخصين وتقريب ما بينهما من تباعد.

وإذا استثنينا المعنى الثالث باعتبار وضوحه، ومزايلته للمعنيين الأولين، فإن كلمة الإصلاح ليس لها حدود، بل تتحدد بمقدار وعلة ضروراتها ضيقا وشساعة.

أما اصطلاحا فإن ضبط دلالة ومفهوم “الإصلاح” يمر عبر اتخاذ طريق أهل اللغة أيضا، بوضعه ضمن ثنائية تصورية، يمكن من خلالها ليس فقط بيانه بل أيضا تلمس حدوده.

الإصلاح اصطلاحا قابل لأن يوضع في إطار ثنائيتين:

الأولــى: إصلاح /فساد، قال تعالى في محكم كتابه ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون (الشعراء الآية 151 ).

أما الثنائية الثانية فهي: إصلاح/تغيير، وقد تبناها الفلاسفة والمفكرون الغربيون في القرن الثامن عشر، حيث سعوا خلال دعواتهم الإصلاحية إلى تغيير النظم الاجتماعية والسياسية بشكل جذري، وقطع الصلة مع كل ما كان سائدا، حتى وإن كان فيه ما هو صالح، الأمر الذي سيتطور فيما بعد، جاعلا للتغيير معنى مغايرا تماما للإصلاح، وهو ما يفسر نعتهم – أي المفكرون – دعاة المحافظة على الواقع وإصلاح ما فسد منه بالرجعية والجمود، خاصة بعد نجاح الثورة الفرنسية.

وتظهر الثنائيتان: إصلاح/تغيير وإصلاح/إفساد أو فساد، في القرآن الكريم بمعنى واحد، مع الإشارة إلى أن التغيير يمكن أن يكون القصد منه الانتقال من الأسوأ إلى الأحسن، كما يمكن أن يكون القصد عكس ذلك، قال تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم،(الرعد الآية 11). قال المفسرون: تدل الآية الكريمة على أن الله تبارك وتعالى بكمال عدله وكمال حكمته لا يُغير ما بقوم من خير إلى شر، ومن شر إلى خير، ومن رخاء إلى شدة، ومن شدة إلى رخاء، حتى يغيروا ما بأنفسهم.

طالع أيضا  ذ. عبادي: صلة الرحم لمن قطعك لا من وصلك (فيديو)

 في حين يحتفظ الإصلاح بالمسار التصاعدي الإيجابي من الأسوأ إلى الأحسن، ولذلك قيل: بأن كل إصلاح هو تغيير، لكن ليس كل تغيير بالضرورة إصلاحا.

أما استخدام المصطلح في السياق السياسي، فقد تم (كما تمت الإشارة إليه في الفقرة أعلاه) في أواخر القرن السابع عشر، من قبل حركة “كريستوفر ويفل” التي سعت للإصلاح البرلماني، ليتم بعد ذلك تمييزه عن الثورة بعدما ارتبطت هذه الأخيرة بالسعي للتغيير الشامل والجذري، في حين اكتفى الإصلاح بالمعالجة الجزئية للمشاكل والأخطاء، دون المساس بأساسيات النظام السياسي القائم وبنيته.

شيئا فشيئا: صارت تسمية الإصلاح السياسي لصيقة بدول المعسكر الليبرالي الرأسمالي، ومدعومة من المؤسسات المالية الدولية ووكالات المعونة، خاصة لدى البلدان المسماة “نامية”، والتي تسعى بالدرجة الأولى، لتحسين مستوى المعيشة، مع إمكانية أن تتضمن خطة الإصلاح فيها السياسات الاقتصادية، والخدمات المدنية، والإدارة المالية العامة أيضا، لكن بعيدا عن المؤسسات السياسية والأنظمة.

هذا الفهم الملتبس أو لنقل هذا التأطير القصري/التراكمي لمعنى الإصلاح سينتج عنه لدى الفاعلين السياسيين، خاصة في دول العالم العربي، صورتان:

الأولى، وتمثلها: الحركات السياسية التي تبنت مقولة “الإصلاح من الداخل”.

والثانية صورة الأنظمة نفسها، والتي حولت مفردة الإصلاح في ذهنية الشعوب إلى مفردة لعمليات ترميم قاصرة، وفي جانب دون آخر.

ففي الوقت الذي كان فيه العامل الموضوعي في الصورة الأولى (الحركات السياسية)، حاسما في تقزيم عملية الإصلاح، إذ أن تلك الحركات وهي تروم الإصلاح الداخلي: وجدت نفسها أمام واقع مخالف… (حينما تبدأ في الممارسة العملية لتطبيق مقولاتها)، مما جعل بعضها يستجيب للضغوط ويصبح جزءا من النظم الماثلة، وبعضها يغير طرق عمله وحتى تفكيره، بل منها من وصل إلى الباب المسدود فتحول إلى اليأس، والثورة على كل شيء.

طالع أيضا  ومضات تدبرية (5).. الأسرة لبنة بناء الأمة

في الوقت نفسه كان العامل الذاتي لدى الصورة الأولى (الأنظمة)، عامل إحياء ومناورة، حيث إن السلطة عندما تنادي بالإصلاح، فهي تنأى بنفسها عنه، أي أن الإصلاح يقع على الجهة المقابلة، وليس عليها وفيها، ليكون الإصلاح في هذه الحالة: إصلاحا للنظام، ولمصلحته مهما كان فاسدا ومستبدا.

إن هذا الانتقال بمصطلح “الإصلاح” نحو درك الصورتين أعلاه، ومع قتامة ما أصبح يقابل به من ثورة /فتنة، جعل منه اختيارا إيديولوجيا محدد المعالم، ضيق الأفق، ضعيف الشكيمة، متهما في إرادة صاحبه ونيته.

بل جعل الكلمة، في الميزان السياسي، ذات نفس قدحي محبط.

 بالمقابل بات البحث حثيثا عن مصطلح وفهم مغاير، للتعبير عن نية الإصلاح الجدي وأداته.