من علامات البؤس المخيّم على هذا الوطن، أن يمرّ موت العديد من الأرواح في مستشفيات البلد، بسبب غياب الأوكسجين، مرور الكرام، بل في صمت مطبق، بدون فتح تحقيقات ولا تحديد مسؤوليات ولا اتخاذ تدابير وإجراءات، ولا حتى توضيحات أو اعتذارات ولا هم يحزنون.

لم يحدث شيء سوى وفاة مواطنين. ماذا تريد أيها الجمهور العزيز؟

– نريد انتخابات نملأ بها الوقت الميّت في الوطن الجريح، نريد فرجة جديدة توهمنا أننا فعلا سعداء، ونتداول شيئا ما، لا يهم ما هو.

انتخابات بلا لون ولا طعم ولا رائحة، تشبه كورونا تماما، وتفتقد بدورها لأوكسجين الصلاحيات الحقيقية، كما ينعدم فيها سرير الأفق السياسي، وتغيب عنها المشاريع الكفيلة بالإنقاذ الجاد، الذي يتجاوز النظر الكليل للمقاربة البدائية التي ينهجها “عشّابو الحومة” الطاعنون في الدّجل.

انتخابات بلا رهانات سياسية كبرى، سوى رغبة ملحّة في إزاحة بعض الخصوم المزاحمين عن “طاولة الفتات” التي يحاولون إقناعنا بأنها فعلا “امتلاك لزمام السلطة” الذي يمكنك أن تغيّر به الأرضَ غير الأرض، فإذا بها “سلطة” لا تمكّنك حتى من الذهاب إلى المرحاض وقتما تشاء، شرّف الله قدركم.

“سلطة” تجعلك خادما وديعا في حضن “المعيّنين” الكرام، والذين لن يدعوك تضع لَبِنَةً واحدة دون أن يربطوا يديك ورجليك، ويلفوا عنقك بحبل متين، ثم يطلبون منك أن تبتسم أمام الكاميرا وأن تثني على “المساحة الشاسعة للحرية”، و”عبقرية الاستثناء” الذي جعلك تسهم في تنفيذ ما خططوه أو “لخبطوه” فَرِحًا مسرورا، بل تحمد الله على أن وفّقك لتكون ليّنا مطيعا، بل مجتهدا قاصدا.

ألم يكن الأجدى والأنفع، ونحن نودّع يوميا عشرات المغاربة إلى مثواهم الأخير، جراء كورونا، وجراء ضعف بنيتنا الصحية، أن نلغي “الفرجة” مؤقتا، ونعلّق “اللعبة”، ونخصّص ملايير الدعم والحملات لبناء المستشفيات، وتوظيف ما يلزم من الأطر الطبية وتحسين أوضاعهم؟ ألم تكن طرق البوادي المعزولة أولى بالإصلاح المباشر، ومدارس البلد المتعب أدعى إلى إعطائها حقنة العافية، والعناية برجالها ونسائها وأطفالها، بدل تدوير الفراغ عبر انتخابات متحكّم فيها بشكل مسبق، ولا فائض معنى من إجرائها في هذه الظروف الكئيبة، سوى أن تكون أداة للتنويم وتشجيع الكذب؟؟؟

طالع أيضا  حسب مؤشر السعادة العالمي: المغرب أحد أتعس البلدان

انتخابات، تفتقد البواعث العليا، وتعاني من ضعف الحوافز، سوى حافز تغيير الأحوال الفردية، والتجارة بأحلام المغاربة البسطاء.

انتخابات بلا شهيّة، وتتحرك خارج مدار الإرادة الشعبية التي استكانت في موقف الإهمال واللامبالاة، أو ابتعدت عن تلوّث البركة الآسنة، بقرار المقاطعة.

انتخابات لا ترقى أن تكون عرسا، لأن نية الزواج يلزمها الصفاء، وإرادة الزواج ينبغي أن تقوم على الحب والاختيار الحر، لا المصلحة أو الارتهان السياسي “القَبَلِي”، إن لم يكن الإجبار “الجاهلي”..

انتخابات تتسابق فيها نفس الوجوه لنيل التزكيات والفوز برأس اللائحة، وتفتقد صفاء الألوان وأصالتها. وتساهم الأيدي الخفية في العبث باللوحة السريالية، الكل يمزج و”يجلّط”، ويغيّر لونا بلون، ويقفز بسرعة كيفما شاء، فتختلط الألوان، ليهيمن في النهاية الأسود الكالح والرمادي الفاقد للهوية، وتختلط الأصوات المتواضعة لبعض الصادقين من كل الألوان، مع أصوات “الشنّاقة” المتخصّصين، فترتفع الجلبة، ويعمّ الضجيج، وتنتصر اللازمة القرونية المزمنة ويفوز زعيقها الفظيع.

وطن يتمطّى فيه البؤس، ومع ذلك ينتفش رغم امتلاء جوفه بالمرضى والجوعى والغرقى، وسقوطه في الذيلية الشاملة، وتهجّيه المخجل المتعثّر لحروف الديمقراطية في أبجديتها البديهية.

وطن يتأبّد فيه البؤس كقدر قاهر، ومع ذلك يأبى إلا أن يرفع عقيرته في تحدّ للخواء، “توعّدا لأطماع الحساد وأوهام الأعداء”. والحل الناجز المجرّب: دعم مركزية الفكر والقرار وتمجيد “القبضة” الخبيرة.

نريد للوطن العزيز أن يغادر بؤس التصلّب وإرادة القهر، ليغلّب منطق العدل والحق، ويمجّد إرادة الحياة..

نريده أن يغادر بؤس العبث السياسي لينتصر للعقل والبصيرة..

نريده أن يغادر بؤس المركزية والشمولية، ليعرف كيف يقرأ حروف الحرية.