“ما قَدّو فيل، زادوه فيلة” مثل شعبي قد يكون من أكثر الأمثال تداولا تعبيرا عن سوء الحكامة وتدبير الشأن العام للعباد والبلاد. ولهذا المثل قصص تتفق في المضمون وإن اختلفت في بعض التفاصيل، ومنها أن حاكما ترك فيلا في قرية وأوصاهم بالعناية به، وحيث إن الفيل فيل الحاكم لم يذخر أهل القرية جهدا في توفير حاجيات الفيل. ومع توالي الأيام والشهور أصبح فيل الحاكم عبئا على أهل القرية، ليس بحاجياته الغذائية فقط، بل بتصرفاته الرعناء، حيث يتلف الحرث والزرع، فاتفق أهل القرية على أن يلتمسوا من الحاكم تخليصهم من فيله، وانتدبوا جماعة من أهل القرية يتقدمهم شيخها لرفع شكواهم من طيش الفيل.

ولما مثُلوا بين يدي الحاكم تقدم شيخ القرية، فباغثه الحاكم غاضبا: علمتُ أنكم تشتكون من الفيل، والتفت شيخ القرية ليستمد السند والدعم المعنوي من ممثلي القرية، فلم يجد أحدا وراءه، وشعر بالحرج، ووجد نفسه في وضع حرج لا يُحسد عليه، وجمع قواه، وخاطب الحاكم متوسلا: لا، لا، يا سيدي، رعاياك في القرية ممتنون لكم بأن شرفتهم برعاية فيلكم، وإنما هم مُشفقون عليه من الحياة وحيدا، ولذلك جئنا نلتمس أن تتكرم عليه بفيلة تؤنس وحدته.

انبسطت أسارير الحاكم مما سمع، وتفضل بقَبول طلب أهل القرية، وأعطى الأوامر أنِ ابعثوا إلى القرية فيلة.

مدلول المثل يؤكده وبشكل معكوس المثل الشعبي “للي ما يَرضى بخبزة يقبل نِصّْها”، فأهل القرية تضرروا من وجود فيل لتنضاف إليه فيلة، وهو ما يعني مضاعفة معاناتهم ومشاكلهم. لكن ما هي الأسباب التي أدت إلى هذه الوضعية الكارثية؟

إن قصة المثل تحيل إلى نظام حكم شمولي ينفرد فيه الحاكم بسلطة القرار، فلا حسيب ولا رقيب. والقرية أنموذج لرعية مستسلمة لإرادة الحاكم ونزواته السلطوية، وأهل القرية بخنوعهم لم يقوَوْا على دعم شيخهم لرفع شكواهم، ومن جهته، شيخ القرية لم يخطر بباله أن يسجل موقفا رجوليا، فمهّد الطريق ليزداد الحاكم إمعانا في إذلالهم وتكريس تسلطه، ربما عقابا لهم على مجرد التفكير في التحرر والانعتاق من العبودية. إنه لا تخلص من الاستبداد دون امتلاك إرادة مقاومة ومقتحمة، وإنما يستقوي الاستبداد بمقدار ما تنجح ماكينته السلطوية في إشاعة الترهيب والتخويف في النفوس.

طالع أيضا  صيام يوم عاشوراء.. السياق التربوي

أما مجالات الاستدلال بالمثل فأكثر من أن تحصى، ويبقى أبرزها ما يُتخذ من قرارات إدارية لا تراعي ظروف الناس ومعاناتهم، فما مسوغ اتخاذ قرار بتصفية مستحقات قطاعات خدْماتية كالماء والكهرباء بعيد عطلة صيفية تستنزف ميزانية الأسر وتزامنا مع الدخول المدرسي وما يتطلبه من مصاريف؟

وفي المجال السياسي، وفي التجربة المغربية حيث لا تحظى التجربة البرلمانية بالثقة المطلوبة لمجلس يُفترض فيه الذود على مصالح الشعب وتحصين المال العام من التبذير، ناهيك عن تفعيل دور المؤسسات والحيلولة دون تغول السلطة؛ في ظل هذا الواقع، وتوسيعا لوعاء احتواء النخب المجتمعية، اتُّخِذ القرار بإضافة غرفة ثانية، هي بمنطوق المثل “الفيلة”.

وفي ذات السياق، يأتي التهافت على إحداث مجالس عليا تحقيقا لهدفين اثنين: صرف النظر عن المشاكل القطاعية، واستيعاب المزيد من النخب شراءً لولائها للنظام؛ مجالس أشبه بلجان تقنية لا تغير من واقع قطاعها شيئا، مقابل ما تستنزفه من أجور وتعويضات ذات الأرقام الفلكية، في ظل هشاشة مخجلة لمرافق قطاعات حيوية.

“زِدُوهُم فيلة” نهج ومنهج يقوم على قاعدة الاستخفاف بالشعب واستغبائه. يقول الحق سبحانه متحدثا عن نهج فرعون في سورة “الزخرف”: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ(54)، جاء في تفسير هذه الآية، “إن طريقة كل الحكومات الجبارة الفاسدة من أجل الاستمرار في تحقيق أهدافها وأنانياتها، هي الإبقاء على الناس في مستوى مترد من الفكر والثقافة والوعي … فتجعلهم غرقى في حالة من الغفلة عن الوقائع والأحداث والحقائق، وتنصب لهم قيما وموازين كاذبة منحطة بدلا من الموازين الحقيقية، كما تمارس عملية غسل دماغ تام متواصل لهذه الشعوب، وذلك لأن يقظتها ووعيها، وتنامي رشدها الفكري يشكل أعظم خطر على الحكومات، ويعتبر أكبر عدو للحكومات المستبدة، فهذا الوعي بمثابة مارد يجب أن تحاربه بكل ما أوتيت من قوة…”.

طالع أيضا  ذ. مساعف: إعفاء أطر العدل والإحسان "جريمة" ستظل وصمة عار على الحكومة وعلى صناع القرار

 إنه لا سبيل لكبح هذا النهج المخدر للعقول بفزاعة الاستقرار، والمكرس لاستبداد نظام حكم، إلا بدينامية مجتمعية تتبوأ فيها النخب الفكرية والهيئات المدنية دور الريادة نشرا للوعي السليم، وسيرا في الناس بالموقف الحر بناء ليقظة عامة ترفض الظلم والاستبداد، وتأبى الاستخفاف بذكاء الشعب.

والحمد لله رب العالمين.