قال الأستاذ جمال براجع عضو الكتابة الوطنية للنهج الديمقراطي إن التجربة التاريخية للشعب المغربي مع الانتخابات بينت أنها لم تساهم بأي شكل من الأشكال في تحسين أوضاعه، بل على العكس عمقتها، من خلال فرز مؤسسات شكلية وصورية، بأدوات يستخدمها المخزن لتنفيذ سياساته، وذلك أثناء حديثه في الندوة الرقمية التي نظمها حزب النهج الديمقراطي وسيَّرتها الأستاذة عتيقة الطعيف عضو الكتابة الوطنية لذات الحزب مساء يوم السبت 21 غشت 2021، تحت عنوان: “هل من رهان شعبي على انتخابات 8 شتنبر 2021؟”، إلى جانب ثلة من الأساتذة وهم خالد بكاري الأستاذ الجامعي والفاعل الحقوقي، ومحمد منار عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، ومحمد الوافي من اليسار المتعدد.

المتحدث قسم مداخلته إلى ثلاثة محاور: المحور الأول متعلق بأي رهان للشعب المغربي على الانتخابات، المحور الثاني: لماذا يقاطع النهج الديمقراطي الانتخابات؟ وأخيرا تناول البديل، أي البحث في تحويل المقاطعة إلى مضمومن سياسي، أو على الأقل منطلق للفعل المشترك.

بداية أكد المتحدث أن مقاطعة الانتخابات ليس مبدأ، ولكن هو موقف سياسي، يستند على تحليل سياسي للأوضاع القائمة، وخاصة السؤال المتعلق بإلى أي حد تخدم هذه الانتخابات مصالح الشعب المغربي، وتخدم تطلعاته في التغيير الديمقراطي الحقيقي أو العكس، أي أن هذه الانتخابات تكرس الوضع السائد وتخدم  النظام السياسي القائم في المغرب. المسألة الثانية هي أن هذه الانتخابات هي لحظة سياسية، لابد أن نناقشها من جميع الزوايا، من أجل الاستفادة منها، في أفق التطوير والمساهمة بتوضيح الرؤية أمام الشعب المغربي، بما يساهم في تطوير النضال الشعبي الذي يعرف تطورات مهمة.

ومجيبا عن سؤال لماذا يقاطع الشعب المغربي الانتخابات؟ أكد المتحدث بأن مقاطعة هذه الانتخابات تجسد الموقف الشعبي من النظام السياسي القائم وليس فقط من الانتخابات، وبالتالي هي موقف من شرعية هذا النظام السياسي، باعتباره لا يخدم مصالح الشعب المغربي، والدليل على ذلك هو هذه المقاطعة العارمة والمتواصلة التي نراها تتطور كل انتخابات، حيث وصلت في انتخابات 2016 إلى حوالي 80 في المئة باحتساب الأوراق الملغاة… والأكيد أن هذه المقاطعة ستزداد تعمقا في الانتخابات المقبلة، خاصة مع التداعيات الخطيرة لوباء كورونا على الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية وكذلك البيئية للشعب المغربي، فنحن نتابع الآن أكثر من حوالي 22 مليون مغربي يعيشون في الفقر، وأكثر 800 ألف عامل مغربي فقدوا شغلهم من المسجلين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، إضافة إلى الملايين الذين يشتغلون في القطاعات الهشة وغير المهيكلة، إذن هذه المقاطعة هي موقف رفض للنظام السياسي، وبالتالي في العمق تطرح مسألة البديل.

طالع أيضا  معرفة القلب وحقيقة أوصافه هو أصل الدين موضوع الحلقة 8 من "عبودية القلب"  مع ذ. باهشام

وأضاف المتحدث بأنه قد تبدو هذه المقاطعة تلقائية، وهناك من يسميها بأنها سلبية وتعبر عن موقف سلبي انهزامي للجماهير الشعبية، ولكن حقيقة التحليل العميق تبين العكس، وهي أن الشعب المغربي من خلال تجربته التاريخية اكتسب وعي كبيرا، فجزء كبير من الشعب المغربي خاصة بعد عشرين فبراير، ارتفع وعيه السياسي، وأصبح يتخذ المواقف استنادًا إلى معرفة إلى حد ما علمية بالواقع الذي يعيش فيه، وبالتالي بدأ يطرح بدائل، وهذه المسألة تتأكد بالخصوص في الحراكات، التي بدأت تكون أشكال تنظيمية أرقى، وبدأت تهيكل نفسها على المستويات المطلبية، وكذلك على المستويات التنظيمية، في حدود تراكماتها النضالية.

التجربة التاريخية للشعب المغربي مع الانتخابات بينت أنها لم تساهم بأي شكل من الأشكال في تحسين أوضاعه، بل على العكس عمقتها، من خلال فرز مؤسسات شكلية وصورية، بأدوات يستخدمها المخزن لتنفيذ سياساته سواء على المستويات المحلية أو الوطنية، والشعب المغربي فهم أن هذه الانتخابات ما هي إلا وسيلة للإغناء غير مشروع، وللفساد والحصول على الامتيازات إلى غير ذلك، وبالتالي هي أداة للوصولية، وهذا ما نعبر به على مستوى اللغة النظرية عندما نقول أن هذه الانتخابات، وقد أثبت التاريخ ذلك، ما هي إلا آلية من الآليات ووسيلة من وسائل استقطاب وتجديد النخب، وتوسيع القاعدة الاجتماعية للنظام وتجديدها، بما يخدم استمراره وتكريس سلطته، وكذلك ضمان ديمومة مصالح الكتلة الطبقية السائدة، المتكونة من البرجوازية الكمبرادورية الطفيلية الوكيلة للرأسمال الأجنبي، وكذلك من ملاك الأراضي الكبار، وهي كتلة متراصة، والنظام المخزني هو من يشكل حزبها السياسي الحقيقة، أما الأخرى فهي مجرد توابع متحكم فيها، معظمها من إنتاج المخزن، وبالتالي الحزب السياسي للكتلة الطبقية السائدة هو النظام المخزني.

براجع أكد أن هذا الرفض الجماعي الشعبي شبه الشامل لكي يتحول إلى فعل سياسي يجعل الدور قائما على القوى المناضلة والقوى التي تقف إلى جانب الشعب المغربي، والمؤمنة بالتغيير الحقيقي، لهذا فمسؤوليتها أساسية في الرفع من الوعي السياسي للشعب المغربي لتوضح له الرؤية أكثر، ويجعل المقاطعة تندرج في سياق التغيير.

طالع أيضا  فضل شهر الله المحرم ويوم عاشوراء

أما بخصوص المحور الثاني وهو لماذا يقاطع حزب النهج الديموقراطي الانتخابات، فقد أكد المتحدث بأن هذه الانتخابات هي انتخابات مخزنية تكرس النظام السياسي القائم، وأنها تتم في غياب أبسط شروط الديمقراطية، حتى بالمضمون الديمقراطي الليبرالي، أو الديمقراطية التمثيلية، حيث أن الانتخابات تتم في ظل شروط سياسية تتميز بتغول الدولة المخزنية والدولة البوليسية، وذلك بإغلاقها للحقل السياسي، وأضيف له إغلاق أيضا الحقل الاعلامي من خلال القمع، وطبخ الملفات، والمحاكمات الصورية، وكذلك قمع الحراكات الشعبية والعمالية المتنامية على الصعيد الوطني، والصحفيين ونشطاء التواصل الاجتماعي. فكيف يعقل المشاركة في الانتخابات في ظل وجود معتقلين سياسيين.

إلى جانب هذا تتم هذه الانتخابات في إطار الدستور الممنوح ل2011، وهو الدستور الذي يكرس الحكم الفردي المطلق، ويعطي صلاحيات والسلطة الأساسية والسلطات الرئيسية للملك، بحيث أن الملك يستحوذ على سلطات واسعة، فهو يشرف على السياسة العامة للدولة، إما عن طريق ترؤسه للمجلس الوزاري الذي يحدد الاختيارات السياسات المصيرية للدولة حسب الفصل 49 من الدستور، أو كذلك ترؤسه للمؤسسات والمفاصل الأساسية للدولة، مثل الجيش، وكذلك الأمن من خلال المجلس الأعلى للأمن، ثم المجلس الأعلى للسلطة القضائية، والمجلس العلمي الأعلى، كذلك من خلال التحكم في تعيين المسؤولين العسكريين والأمنيين، ووزراء السيادة والسفراء ومدراء المؤسسات العمومية ذات الطابع الإستراتيجي، ثم كذلك الدستور يخول للملك تشكيل مجالس وكذلك لجان، كما تابعنا مؤخرا لجنة النموذج التنموي الجديد، التي أعطتها صلاحية وسلطة ووظيفة وضع نموذج تنموي يحدد الاختيارات السياسية وكذلك الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للدولة في أفق 2035، وهنا بالضبط تطرح مسألة الجدوى من هذه الانتخابات، والجدوى من برامج الأحزاب السياسية، وما الجدوى من هذه الأحزاب السياسية نفسها، خاصة وأن القرارات تؤخذ خارج هذه المؤسسات، فهذا النموذج المعلن سيزيد من تكريس حكم الفرد المطلق، وكذلك سيكرس سياسة الخوصصة في مجموعة من المؤسسات التي ستخوصص في الأفق، وكذلك رفع الدعم عن ما تبقى من المواد الأساسية التي يدعمها صندوق المقاصة، متمثلة في السكر والدقيق وكذلك غاز البوتان، مما سيزيد من تعميق معاناة الشعب المغربي في الزيادة الكبيرة المرتقبة، التي ستتضرر منها جميع المكونات، بما في ذلك ما تبقى من الطبقة الوسطى التي ستغرق أكثر. بالإضافة إلى أن هذه الانتخابات تشرف عليها وزارة الداخلية، وتحكم الداخلية هو ما يجعل أن النتائج تكون معروفة سلفا، والخريطة السياسية المتعلقة بالانتخابات يكون متحكم فيها سابقا، فهذه بعض الجوانب أو  الاعتبارات اللي تجعل النهج الديمقراطي يقاطع الانتخابات.

طالع أيضا  باحث: تبعیة القرار التربوي للقرار السیاسي أحد أعطاب المنظومة التربویة المغربية

وعن السؤال المطروح: ما البديل؟ فقد أجاب جمال براجع بأن هذا السؤال يطرح على القوى المناضلة المرتبطة بالشعب المغربي، والمؤمنة بالتغيير، التي تتعدد المهام المطروحة عليها في هذه المرحلة، وفي هذا الإطار أكد المتحدث على مجموعة من المبادئ، أولها المبدأ الأساسي العمل الوحدوي حيث لا يمكن أن يتحقق التغيير في غياب عمل وحدوي فيما بين جميع المكونات المناهضة للمخزن، والتي تعتبر أن المخزن هو العائق الأساسي أمام تقدم الشعب المغربي وتحرره، وبالتالي فأول شرط هو الإيمان بهذا العمل الوحدوي، والتخلص والتحرر من الاشتراطات والمواقف المسبقة، وترك المجال لنقاش جماعي من أجل بلورة بديل وطني ديمقراطي شعبي، قائم على برنامج تغيير ديمقراطي وطني شعبي متفق عليه، ويشمل جميع الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية إلى غير ذلك، ويتمحور أساسا حول تغيير الدستور، لأن هذه مهمة أساسية، فلا يمكن تحقيق الديمقراطية في غياب دستور يقر بسلطة وسيادة الشعب المغربي، ويضمن حقوق الشعب المغربي، ويتمحور حول السيادة والسلطة للشعب، ثم كذلك النقطة الثانية إلى جانب الدستور وهو نضال من أجل اقتصاد وطني متمحور حول الذات وفئات الشعب المغربي المختلفة، ويقطع مع التبعية الإمبريالية، واقتصاد الريع والرشوة ونهب ثروات الشعب، وتكون قاطرته القطاع العمومي.