القيم الإحسانية

ذكرنا للإسلام قيما إسلامية تجمع بين العبادات والمعاملات، وذكرنا للإيمان قيما إيمانية تجمع بين الآداب والأخلاق، الآن نذكر للإحسان كذلك قيما إحسانية تؤسس لقضية السلوك. وقد ذُكرت هذه القيم في سورة الفرقان من الآية 63 إلى الآية 74. تعرف عند العلماء بصفات عباد الرحمان، يقول الله تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا * وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا * وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا * أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا 1.

هذه القيم الإحسانية السلوكية محددة في اثنتي عشرة صفة، وهي:

1 – الاتصاف بخلق التواضع.

2 – الاتصاف بخلق الحلم.

3 – الاتصاف بقيام الليل والتهجد.

4 – الاتصاف بالخوف من الله تعالى.

5 – الاتصاف بالاقتصاد والاعتدال في النفقة وترك الإسراف والإقتار.

6 – الاتصاف بالتوحيد والبعد عن الشرك.

7 – الاتصاف بالرحمة واجتناب القتل.

طالع أيضا  العلاقة بين حافظية المرأة المسلمة ومقاصد الشريعة.. المرأة ومقصد حفظ النسل

8 – الاتصاف بالعفة والطهارة والبعد عن الفواحش.

9 – الاتصاف بالتوبة والاستغفار.

10 – الاتصاف بالصدق وتجنب الكذب.

11 – الاتصاف بالتدبر في آيات الله تعالى.

12 – الاتصاف بالدعاء طلبا للإمامة في الدين.

يعتبر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى هذه الصفات بأنها تمثل طريق السعادة بالنسبة للمؤمن والمؤمنة على حدّ سواء. يقول رحمه الله تعالى: “ونتأمل هنا طريق السعادة التي يسلكها المتقون عباد الرحمن. إنها طريق شاقة.

إنها عقبة. إنها امتحان وابتلاء. إنها بكل المعنى الثقيل ثقلا بليغا لكلمة “صبر”. إنها مسؤولية. إنها قوة. إنها إرادة. إنها اقتحام. وكلمة اقتحام تحمل معان جِساماً. قال أهل اللغة رحمهم الله: “الاقتحام توسُّط شدة مخيفة” 2.

فإذاً رأينا أن القيم الإسلامية تهدف في مجموعها إلى تحقيق مجتمع مسلم أفراده متخلقون بخلق التقوى، والقيم الإيمانية زيادة على خلق التقوى تهدف إلى تحقيق مجتمع أفراده متخلقون بخلق الرحمة، أما القيم الإحسانية التي هي عبارة عن السلوك فتهدف في مجموعها زيادة على خلقي التقوى والرحمة إلى تحقيق مجتمع فيه أفراد هم أئمة للمتقين. يقول المفكر محمد شحرور رحمه الله: “فعندما يلتزم الإنسان بالفرقان العام (الوصايا العشر) يصبح من المتقين، ولكن إذا أراد زيادة على ذلك، فهل هناك وصايا إضافية إن هو اتبعها يصبح من أئمة المتقين؟ ويأتي الجواب في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا..﴾ (الأنفال:29). حيث نلاحظ في هذه الآية كيف وضع التقوى شرطا لهذا الفرقان، وكيف جعله فرقانا خاصا بالمتقين (صفات عباد الرحمان)، أي إنه غير ملزم لكل الناس كالفرقان العام، ولكن من أراد أن يستزيد فعليه باتباع هذا الفرقان، ومن يتبع هذا الفرقان فهو من أئمة المتقين. هذا الفرقان ورد في سورة الفرقان” 3.

طالع أيضا  فضيلة الأمين العام: تنزيل مشروع العدل والإحسان يستلزم أن تكون أقدام الأعضاء راسخة في أرض العبودية

منظومة القيم

فالقيم الدينية بمراتبها الثلاث تشكل سلّما قيمِيّا له أبعاد فردية وجماعية. لكل مرتبة منها ما يميزها عن غيرها.

فالمرتبة الأولى: القيم الإسلامية عبارة عن وصايا في العبادات والمعاملات.

والمرتبة الثانية: القيم الإيمانية عبارة عن آداب وأخلاق إيمانية.

أما المرتبة الثالثة: القيم الإحسانية عبارة عن صفات في السلوك والسير إلى الله تعالى.

وهذه المراتب الثلاث يرتقي من خلالها المسلم من قيم دنيا، إلى قيم وسطى، ثم إلى قيم عليا تُبوِّئه مكانة الإمامة في الدين. ومن مجموعها تتكون المنظومة القِيّمية التي تحدد نظرة الإنسان المسلم الإيجابية إلى الدين والعلم والعمل والوقت والإنسان والطبيعة، في سياق بناء العمران الأخوي الذي تنشده الأمة. وإضافة إلى كونها منظومةَ قيم فهي تمثل المرجعية التي تحدد سلوكيات الأفراد داخل المجتمع وتنظمها. تحدد إطار الحريات، الأخلاق، الثقافة، العلاقات، المعاملات.

وهذا الجدول أسفله يبين هذه القيم الدينية حسب كل مرتبة:

إذا تأملنا وتدبرنا هذه الآيات مجتمعة، نجدها تتميز بخطاب متنوع يتطور من قيم لأخرى. في الآيات الأولى من سورة الأنعام يخاطب الله تعالى الناس من خلال نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة (قل لهم يا محمد). في الآيات الثانية من سورة الحجرات يخاطب الله تعالى المؤمنين خاصة بخطاب مباشر بواسطة (يا أيها الذين آمنوا). في الآيات الثالثة من سورة الفرقان بدل أن يخاطب سبحانه وتعالى عباده تحدث عنهم في معرض المدح بذكر صفاتهم. فنستنتج أن القيم الإسلامية يُخاطَب بها الناس لأنها موضوعة لهم، والقيم الإيمانية يُخاطَب بها المؤمنون لأنها موضوعة لهم، والقيم الإحسانية هي موضوعة للتنافس بين الهمم العالية.  

خاتمة

يبقى في الأخير أن نشير أولا إلى أن تثبيت هذه القيم بمجموعها داخل المجتمع يحتاج إلى مجهود تربوي كبير يُراعى فيه استعدادات الأفراد وطبيعة الواقع وقضية التدرج وأساليب التربية ووسائلها. فإن من الأفراد من يكون استعداده لا يتجاوز القيم الإسلامية، ومنهم من يتجاوز استعداده القيم الإسلامية إلى القيم الإيمانية ولا يتجاوز ذلك. ومنهم من يتطلع إلى القيم الإحسانية لمؤهلاته التربوية العالية. وبهذا نكون أمام مجتمع بمكونات كما تتفاوت في الاستعدادات تتفاوت في القيم من حيث الحظ من مجموعها.

طالع أيضا  التربية على الرفق وأهميتها في التغيير

ونشير ثانيا إلى أن الصراع القائم بين الجاهلية والإسلام كما لا يخفى على الجميع هو صراع القيم. أيّ قيمٍ ستسود العالم، هل هي القيم الدينية الإسلامية والإيمانية والإحسانية، أم هي القيم السوقية والحداثية واللائكية؟ ولكل قيم جنود وإمكانيات. ويبقى في النهاية الحكم على نتيجة الصراع من حيث السيادة والانتشار، مرتبطا بقوة الدعوة إلى هذه القيم والدفاع عنها والانتصار لها.

 


[1] الفرقان: 63 – 77
[2] تنوير المؤمنات ج1، ص:45.
[3] محمد شحرور، الكتاب والقرآن، ص:608.