ميز الدكتور محمد منار باسك بين أهمية الانتخابات كما تجري في سياقها الطبيعي باعتبارها وسيلة أساسية بل تأسيسية في أي بناء ديمقراطي حيث لا وجود لديمقراطية بدون أحزاب وانتخابات، وبين واقع الممارسة الانتخابية بالمغرب الذي جعل منار يفترض، تفاعلا مع سؤال الندوة، أن لا رهان شعبي على انتخابات 8 شتنبر 2021.

وحاول عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان إثبات هذا الافتراض أثناء حديثه في الندوة الرقمية التي نظمها حزب النهج الديمقراطي وسيَّرتها الأستاذة عتيقة الطعيف عضو الكتابة الوطنية لذات الحزب مساء يوم السبت 21غشت 2021، تحت عنوان: “هل من رهان شعبي على انتخابات 8 شتنبر 2021؟”، إلى جانب ثلة من الأساتذة وهم خالد بكاري الأستاذ الجامعي والفاعل الحقوقي، وجمال براجع عضو الكتابة الوطنية للنهج الديمقراطي، ومحمد الوافي من اليسار المتعدد.

ومن أبرز ما استدل به الدكتور منار على عدم رهان الطيف الواسع من المغاربة على الانتخابات التشريعية والجماعية التي من المرتقب أن تنظم في 8 شتنبر 2021 دفعة واحدة نذكر ما يلي:

–         لأن تجربة ستة عقود أكدت حسب منار أن الانتخابات في المغرب لم تؤدي قطعا لأي تداول على السلطة طيلة هذه المدة؛

–         لأنها انتخابات أيضا لا تؤدي إلى امتلاك القرارات الاقتصادية والاجتماعية التي لها علاقة بالمواطنين؛

–         وهي كذلك، يضيف الأستاذ في جامعة القاضي عياض، انتخابات لا تفرز المدبرين الحقيقيين للسياسات العمومية التي رأى أنها “تطبخ” بعيدا عن المؤسسات المنتخبة؛

–         هي زيادة على ذلك كرست في نظره انعدام الثقة والهوة بين كثير من الأحزاب السياسية والشعب المغربي، مما حولها، من منظور جزء كبير من المشاركين فيها وليس كلهم طبعا، إلى سوق للبحث عن النفوذ والمصالح الخاصة عوض أن تكون مجالا للتنافس خدمة للصالح العام مما يُكرس في نظره محدودية هذه الانتخابات حتى بعد دستور 2011.

طالع أيضا  الورع والزهد في زمن الفتنة (2)

بعد هذا الكشف السريع تساءل أستاذ القانون العام وعلم السياسة عن أي بديل يمكن أن تحمله انتخابات 8 شتنبر لهذا الواقع الانتخابي؟ ليجيب أن هناك إجماعا من جل المتتبعين أن ليس هناك أي أمر يمكن أن يشكل قطيعة مع المسار السابق، بل هناك، يُعقِّب، تراجعا في ظل تراجع مع استمرار نفس الأعطاب الانتخابية منذ أول انتخابات سنة 1960 وهي في نظره خمسة أعطاب رئيسية وهي:

1-    محدودية الدور الانتقالي للعملية الانتخابية في المغرب؛

2-    الفساد الانتخابي؛

3-    هشاشة التمثيل؛

4-    صورية البرامج الانتخابية؛

5-    ضعف المشاركة الانتخابية.

هاته الأعطاب جعلت القيادي في العدل والإحسان يسم الانتخابات في المغرب “بالانتخابات السلطوية”؛ أي أن وظيفتها هي إعادة انتاج السلطوية لأنها انتخابات على هامش الحكم وعلى هامش السلطة الحقيقية، وتخضع لأنواع من التحكم والضبط أورد منها الدكتور منار ثلاثة أنواع وهي:

أ‌-     ضبط وظيفي: أي أن الانتخابات محكومة بوظيفة تجعلها لا تؤدي إلى تداول حقيقي على السلطة، بل تقتصر على وظائف أخرى منها: وظيفة تأكيدية (تأكيد سمو المؤسسة الملكية)؛ وظيفة إضفائية (اضفاء طابع ديمقراطي على نظام سياسي غير ديمقراطي في الجوهر)؛ وظيفة إدماجية (الانتخابات مجال لإدماج النخب تحت سقف محدد وهذا ما جسده القاسم الانتخابي لإتاحة الفرصة للجميع للوجود في البرلمان)؛ ثم أخيرا وظيفة قياسية (أي تعطي فرصة للنظام السياسي فرصة لقياس حجم القوى السياسية وضبطها).

ب‌-   ضبط قانوني وتنظيمي: من خلال إدخال تعديلات قانونية وتنظيمية عند كل محطة انتخابية، والغريب يضيف منار أنها تعديلات تكون في الأمور الجوهرية التي تهم صلب العملية الانتخابية وليس فقط تعديلات تقنية، أي أن هذه التعديلات الغرض الحقيقي منها هو الضبط القبلي للانتخابات أو ما سماه “التزوير غير المباشر” واستدل على ذلك باستفاضة بوقوفه عند مسألتين أساسيتين لهذا الضبط القانوني والتنظيمي وهما: نمط الاقتراع (توسيع التمثيل الفردي على حساب اللائحي، حذف العتبة، القاسم الانتخابي…) والتقطيع الانتخابي (خاصة في الانتخابات الجماعية حيث تمنح مثلا % 80 من المقاعد للعالم القروي رغم أنه يمثل أقل من % 40 من الساكنة…).

طالع أيضا  الصيام والتغيير

ت‌-   ضبط سياسي: ويرى الباحث في القانون الدستوري وعلم السياسة أنه ضبط يتم من خلال الأحزاب السياسية المشاركة في هذه الانتخابات، التي أصبح جلها، وليس كلها، يُسَلم بالطبيعة السلطوية للانتخابات عوض الترافع من أجل جعلها انتخابات ديمقراطية تنافسية وحرة. كما تُسهم التحالفات الحزبية بعد انتهاء العملية الانتخابية في إفقاد الانتخابات لدورها التمثيلي من خلال جعلها وسيلة لضبط مخرجات العملية على هوى السلطوية.

وهذا الضبط المتنوع كاف في نظر منار للجزم بعدم رهان جزء كبير من الشعب المغربي على الانتخابات وعيا لا عزوفا كما تروج بعض القراءات، بل الأدهى أن النظام السياسي نفسه لم يعد يراهن على المشاركة الانتخابية للشعب التي هي أساس المشاركة السياسية التي تمثل بدورها أساس أي تنمية، ويرجح المتحدث أن يكون ذلك تسليما من الحاكمين بحتمية المقاطعة، بل تخوف منار من إمكانية العودة للأساليب القديمة خاصة “النفخ في نسبة المشاركة” عوضا عن الاستثمار في تحفيز المواطنين للذهاب لصناديق الاقتراع.

وختم مداخلته بالتعقيب على أسئلة موقف العدل والإحسان من هذه الانتخابات، حيث أكد أن التوصيف السابق للانتخابات بكونها سلطوية سيجعل من العبث البحث عن موقف آخر للجماعة غير عدم المشاركة بل دعوة الناس بوعي وإرادة لعدم المشاركة. وهو موقف ناتج، يزيد توضيحا، من موقف وحساب موضوعيين لواقع الانتخابات بالمغرب وليس موقفا مبدئيا من العملية الانتخابية التي تراها الجماعة، في نظره، ضرورة ديمقراطية يغيب الحد الأدنى من شروطها في السياق المغربي الذي يجعل من الانتخابات حلقة مفرغة يضيع فيها الوقت وتبدد فيها الجهود وتصرف الأموال لتسوق الوهم، لأن المسلسل الانتخابي برمته، يراه منار، على هامش السلطة والقرار الحقيقي الذي يوجد خارج المساءلة الانتخابية، ولعل وسائل الايضاح التي كانت منذ انتخابات 2016 إلى اليوم كاف في نظره بالاقتناع بأن الرهان على الانتخابات بالمغرب رهان على الوهم.

طالع أيضا  قرارات الإعفاءات في ميزان المواثيق الدولية والتشريع المغربي

وعن سؤال البديل التي تقترحه الجماعة أكد الدكتور منار أن العمل الوحودي وتجميع الجهود والعمل الميداني والحضور وسط الشعب هي المخارج الحقيقية لمشاكل المغرب، التي هي أعتى أن يتصدى لها تيار سياسي وحده أو تحلها عملية انتخابية شكلية. وقد رأى أن أمثال هذه الندوة، شاكرا القيمين عليها، وغيرها من الوسائل رهين بتبديد سوء الفهم والتفاهم التي تشوش على هذا العمل الوحودي.