مقدمة

لفظ القيمة وهي مفرد القيم، اسم هيئة مِن قام الشيءُ بكذا، يعني كان ثمنه المقابل له كذا، ثم استُعمل بمعنى القدر والمنزلة، ومن هنا كانت النشأة الفلسفية لهذه الكلمة، فهو انتقال من دلالة مادية معروفة في علم الحساب وعلم الاقتصاد السياسي، إلى دلالة معنوية عما يكون في الأشياء من خير أو جمال أو صواب.

والقيمة بوجه عام هي مجموعة من الخصائص الثابتة للشيء الذي يُقدر بها، ويُرغب فيها من أجلها، ويتكون سلم القيم للأشياء من جهة تفاوتها فيما يقتضي لها التقدير، أو ما يبحث على الرغبة فيها، وقد يكون ذلك ثابتا للشيء باعتبار ذاته أو باعتباره وسيلة لتحقيق معنى في غيره، وهذا هو أساس الرغبة. وقيل: القيم هي مجموعة معايير واتجاهات ومُثل عُليا تتوافق مع عقيدة الفرد التي يؤمن بها عن قناعة بما لا يتعارض مع السلوك الاجتماعي، بحيث تصبح هذه القيم ظاهرة في سلوكه ونشاطه. وقيل: القيم (وخاصة الإسلامية): إنها مجموعة المعايير والمبادئ الموجهة لسلوك المسلم الظاهري والباطني بما يحقق له غايات الدنيا والآخرة التي قصدها الإسلام.

القيــــــــم الإسلامية

ذكر القرآن الكريم لكل مرتبة من مراتب الدين الثلاثة قيما تناسبها، فنجد قِيمَ الإسلام تجمعها ما يسميه العلماء والدعاة بالوصايا العشر التي ذُكرت في سورة الأنعام من الآية 151 إلى الآية 153، يقول الله تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.

هذه الآيات قال عنها سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: من سرّه أن ينظر إلى الصحيفة التي عليها خاتم محمد فليقرأ هذه الآيات. كما اعتبرها سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنه آيات محكمات. وسميت بالوصايا العشر لأنها احتوت على كلمة (وصاكم) ثلاث مرات.

طالع أيضا  حتى لا ننسى...

إذا تدبرنا هذه الآيات الثلاث سنجد أن الله تعالى ختم الآية الأولى بقوله: ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وختم الآية الثانية بقوله: ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وختم الآية الثالثة بقوله: ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، وذلك ليؤكد لنا على المقاصد الأولى من هذه الوصايا، وهي ثلاثة: التعقل والتذكر والتقوى.

وأيضا إذا تدبرناها سنجدها قيما أو وصايا تنقسم إلى تكاليف في العبادات والمعاملات تجمع بين خمسِ منهيات، وخمسة أوامر. وهي مُرتبة حسب الوصايا الواردة على الشكل التالي:

1- النهي عن الإشراك بالله تعالى.

2- الأمر بالإحسان إلى الوالدين.

3- النهي عن قتل الأولاد بسبب وجود الفقر.

4- النهي عن الاقتراب من الفواحش الظاهرة والباطنة.

5- النهي عن قتل النفس بغير حق.

6- النهي عن الاقتراب من مال اليتيم بغير وجه حق.

7- الوفاء بالكيل والميزان بالقسط.

8- العدل في القول ولو كان ذا قربى.

9- الوفاء بالعهد.

10- الاتباع الكامل للصراط المستقيم.

وهذه الوصايا التي تمثل القيم الإسلامية في الأقوال والأفعال الهدف منها هو تحقيق الإتباع الكامل على الصراط المستقيم كما وصى بذلك سبحانه وتعالى في الوصية الأخيرة. وهي قيمٌ مشتركة بين كل الشرائع السماوية خاصة أهل الكتاب. فهم أيضا لهم في كتبهم ما يطلقون عليه الوصايا العشر. هي قيم مشتركة إنسانية، لأن الصراط المستقيم لم يقتصر اتباعه على أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقط، بل أمر الله به جميع من أنعم عليهم من النبيئين والرسل عليهم الصلاة والسلام كما ورد في سورة الفاتحة. وكما ورد أيضا في قوله تعالى: ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم، واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم(الأنعام:87).

 القيــــــــــــم الإيمانية

كما ذكرنا للإسلام قيما ترتبط به وهي عشرة سميت بالوصايا العشر، فكذلك ترتبط بالإيمان قيمٌ عشر اعتبرت آدابا وأخلاقا للمؤمنين جاء ذكرها في سورة الحجرات من الآية 1 إلى الآية 12. يقول الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ. وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.

طالع أيضا  ذكرى جديدة على الإعفاءات المخزنية شاهدة

وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ.

وهذه القيم الإيمانية مُرتبة حسب ورودها في السورة على الشكل التالي:

1- النهي عن سوء الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في القول أو العمل.

2- الأمر بالتبين من صحة الخبر.

3- الأمر بإصلاح ذات البين.

4- الأمر بتقدير الأخوة الإيمانية.

5- النهي عن السخرية بين المؤمنين والمؤمنات.

6- النهي عن اللمز بالطعن في الناس.

7- النهي عن التنابز بالألقاب.

8- النهي عن سوء الظن بالله وبعباد الله تعالى.

9- النهي عن التجسس باتباع عورات الناس.

10- النهي عن الغيبة.

والهدف من تمثل المؤمن لهذه القيم الإيمانية التي تجمع بين الآداب والأخلاق هو تحقيق مجتمع الرحمة لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. مجتمع كما يُحترم فيه الدين ومن يمثل الدين يُحترم فيه أيضا الإنسان وكرامة الإنسان وحقوق الإنسان.

يعلق الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى عن هذه الآيات في كتابه “تنوير المؤمنات” الجزء الثاني، فيقول: “خاطب الله عز وجل المؤمنين والمؤمنات في سورة الحجرات يعلمهم الآداب العامة بين المؤمنين والمسلمين. علمهم أولا أن لا يُقدموا بين يدي الله ورسوله، أي أن لا يشترعوا من الدين ما لم يأذنْ به الله ورسوله، وعلمهم أن يتقوا الله، وأن يغضوا أصواتهم عند النبي توقيرا وتعظيما. وأن يُراعوا حُرمته وحرمة بيته، لأن من الأعراب الجفاة الغلاظ من كان يناديه من وراء الحجرات: اخرج إلينا يا محمد. آداب مع الله ورسوله هي القاعدة والأساس. وعن هذه القاعدة تتفرع الآداب بين المؤمنين والمسلمين فصلتها السورة تفصيلا، وكملها التعليم النبوي والتربية النبوية” 1.

طالع أيضا  د. الزاوي عن الاستعداد لرمضان: أفضل الشهور "ما كان قريبا من رمضان قبله وبعده"

[1] ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات ج2، ص:46.