قال الدكتور رياض الشعيبي، المستشار السياسي لرئيس حركة النهضة التونسية، إن الربيع العربي جاء على غير منوال وجاء على غير توقع من أية جهة كانت استخباراتية أو جهات تقوم بالدراسات الاستشرافية أو غيرها، لذلك منذ اليوم الأول لتفجر الثورة التونسية لم يكن بمستطاع أي جهة أن تتنبأ بمسار تطور هذه الثورة وبمآلاتها، وكل النخب التونسية بقيت تتابع تطور هذه الأحداث من دون القدرة على تحديد بوصلة لها أو توجيهها على الأقل خلال السنة الأولى.

وأضاف المتحدث خلال مشاركته بالندوة التي نظمها مكتب العلاقات الخارجية لجماعة العدل والإحسان تحت عنوان “قراءة في الحدث التونسي ومآلات الفعل السياسي للحركة الإسلامية” يوم الأربعاء الماضي، أنه بعد عشر سنوات من تفجر الثورة التونسية، وما اصطلح على تسميته بالربيع العربي، تواجه تونس نوعا من الانتكاسة بحكم أنها القلعة الأخيرة التي بقيت من قلاع الثورات العربية، والتي حاولنا تحصينها قدر الإمكان في مواجهة كل أعداء الحرية وكل أعداء الديموقراطية في منطقتنا العربية الإسلامية.

وتابع الحاصل على الدكتوراه في فلسفة السياسة بقوله أن ما حصل يوم الخامس والعشرين من يوليوز محاولة جديدة وفصل جديد لإجهاض المسار الديمقراطي ومسار الحرية في تونس، من خلال الانقلاب التسلطي الذي حصل بإيقاف الدستور، القريب من تعليق غير رسمي للدستور والذهاب في أحكام استثنائية تتعارض مع المبادئ الدنيا للديمقراطية وللحرية.

الربيع العربي وأزمة تونس

المتحدث ذكّر أننا في منطقتنا العربية والإسلامية عانينا على امتداد قرون من التسلط ومن الطغيان، ولم تكن لحظات الحرية في تاريخنا إلا فسحات قليلة وقصيرة في الزمن، لذلك عندما جاء الربيع العربي وبشّر بالحرية والديموقراطية كان ليس فقط إعلانا على مرحلة جديدة يمكن أن تدخلها المنطقة ولكن كان إعلانا أيضا على انبعاث جديد لهذه الشعوب، وقدرتها على أن تلتحق بالأمم الحرة وعلى أن تنتمي للعالم الحر، وعلى أن تتجاوز الميراث الثقيل من الطغيان ومن الاستبداد الذي واجهته طوال تاريخه، ربما هذا الربيع العربي على الأقل في تونس لم يحقق مكاسب اجتماعية واقتصادية كما كان متوقعا، ولكن أولا هذه ليست خاصية تونسية فقط، فكل المنطقة تعيش صعوبات اقتصادية واجتماعية، ومن المفترض أنه عندما تفشل أو يفشل حزب سياسي في تحقيق برنامجه الاقتصادي والاجتماعي وتوافقاً مع القيم الديموقراطية فإننا نذهب إلى انتخابات جديدة لعل موازين القوى تتغير، ولا يمكن أن نبرر الانقلاب بالفشل في البرنامج الاقتصادي والاجتماعي وإلا لما بقيت ديموقراطية في هذا العالم. ما هي الديموقراطية؟ هي في نهاية المطاف تداول على السلطة، وما الذي يبرر هذا التداول؟ هو تقييم الذين يحكمون على أنهم قد يكونوا لم يوفقوا في برنامجهم الذي تقدموا على أساسه للشعب، يذهب الناس للصندوق مرة أخرى ليسحبوا منهم الثقة وليعطوها للحزب الآخر أو للقوة السياسية الأخرى لعلها تنجح فيما فشل فيه الآخرون.

وتابع بقوله إنه إذا كانت كل ديمقراطية تواجه صعوبة اقتصادية واجتماعية نذهب إلى انقلاب لتغيير النظام السياسي ولتغيير قوانين اللعبة فحينها لن تبقى ديمقراطية في هذا العالم، لأن كل الديمقراطيات تمر بأزمات، ورأينا أزمات أشد حتى من الأزمات التي مرت بها تونس في هذه المرحلة، رأيناها في اليونان مثلاً أزمة اجتماعية حادة، رأيناها في اسبانيا أيضاً وفي كثير من الدول الأوروبية، ولكن في نهاية المطاف لم تنقلب هذه الدول على مبادئ الديموقراطية ولم تتساءل يوما عن جدوى الديموقراطية ولم تطرح هذا الحوار فيما بينها، وإنما ذهبت لصناديق الاقتراع وصوتت للقوى السياسية التي كانت تعتقد أنها تستطيع أن تحل المشاكل الاقتصادية التي  يمر بها البلد. وما حصل في تونس هو انقلاب كامل الأركان بتدخلات خارجية مفضوحة وأيضا بأسباب داخلية موضوعية لا يمكن إنكارها.

الانقلاب وتفاعل الشارع التونسي

ومتفاعلا مع أسئلة المسير حول الثورة المضادة وتفاعل الشارع التونسي قال شعيبي إنه لا شك أن الثورة المضادة قوية، وتعبئ كل إمكانياتها من أجل زرع اليأس في الشعوب العربية والشعوب المسلمة، ومشروعهم هو زرع الإحباط وزرع اليأس وتيئيس المواطنين من أن الحرية يمكن أن تحقق لهم انتظاراتهم. لكن عند النظر إلى كيفية تفاعل الواقع التونسي مع حدث الانقلاب، فعندما استبد بن علي في النظام السابق كانت النخبة السياسية والنخبة الثقافية التونسية تعي خطورة السياسة الاستفزازية لذلك النظام، اليوم، ومنذ الأسبوع الأول، ارتفعت أصوات القضاة، والمحامون يحتجون، والنخب السياسية أيضا تطالب بالعودة للمسار الديموقراطي، من الواضح أنه هناك شبكة مناعة ديموقراطية أصبحت موجودة في الواقع التونسي.

العشر سنوات التي مضت في بناء هذا النظام السياسي المنفتح، وهذا النظام السياسي الديمقراطي لم تنته بلا شيء، بالعكس الحصاد اليوم والحمد لله حصاد وفير، سواء من خلال المؤسسات الدستورية التي وقع تأسيسها وإنشاؤها، أو من خلال شبكة المجتمع المدني القوية في تونس، أو حتى الأحزاب السياسية رغم الصعوبات التي تعانيها ولكن كل هذا اليوم يقف في موقف واحد ينادي بأنه لا تخلي ولا تراجع عن الديموقراطية، ولا يمكن للتونسيين أن يعودوا إلى نموذج الاستبداد الذي كان سائدا قبل 2011 بل حتى رئيس الجمهورية، الذي في تقديرنا تجاوز الدستور واخترق الدستور لتوظيف أجهزة الدولة لفرض الأمر الواقع، حتى هو يخرج للإعلام ويؤكد في أكثر من مرة أن هذا الظرف الاستثنائي سينتهي ولن يطول، ولكن ما نطالب به اليوم هو ضمانات حقيقية وضمانات قانونية ومؤسساتية للأحكام الاستثنائية في أقرب فرصة، وأن يعود المسار الديمقراطي إلى مسلكه الطبيعي، وأن يقع رفع الحصار على البرلمان والسماح لرئيسه وهياكله وأعضائه بالعمل، ويُفتح حوار حقيقي حول الإصلاحات الضرورية التي يمكن أن نذهب فيها، سواء فيما يتعلق بالنظام السياسي أو القانون الانتخابي أو الخارطة الاقتصادية الاجتماعية، ولا يمكن أن تبقى تونس دون حكومة بالشكل الذي نعيشه الآن.

نلاحظ أننا منذ حوالي عشرين يوماً الحكومة دون رئيس حكومة، وهذا غير مقبول يقول السياسي التونسي، ولا يمكن أيضا أن نتوج هذه السنوات العشر من الديموقراطية والمسار الديمقراطي بإغلاق البرلمان لذلك نحن نعتبر أن الديموقراطية هي البرلمان، والعالم كله يعتبر أن الديموقراطية هي البرلمان، وليس أصعب من تعطل وتوقف المسار الديمقراطي في تونس من عملية إغلاق البرلمان بدبابة عسكرية ومنع رئيس البرلمان، ومنع أعضاء البرلمان من الدخول ومزاولة نشاطهم وتجميد نشاطه، ليس أدل على هذا من خطورة الاوضاع السياسية التي نعيشها في هذه المرحلة، وليس أدل أيضا على ذلك عدم وجود حكومة، فرئيس الجمهورية اليوم يجمع السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية وهذا غير معقول، حتى في بن علي لم يتجرأ على أن يجمع في يده كل هذه السلطات، والذهاب في جمع كل هذه السلطات في يد واحدة يثير مخاوف حقيقية لدى كل التونسيين، خاصة عندما نرى بعض الاجراءات في الواقع غير مفهومة من قبيل وضع شخصيات وطنية وشخصيات عامة وشخصيات قضائية تحت الإقامة الجبرية، من دون أن يكون هناك أمر قضائي يسمح بذلك، فقط بقرار من وزير الداخلية، هذا إجرام، وأعتقد بأنه يعتمد على قانون غير دستوري لإعلان حالة الطوارئ لسنة 1978، وهذا القانون رئيس الجمهورية نفسه في مناسبات سابقة انتقده وقال هذا القانون غير دستوري، ولا يمكن اعتماده، ثم يعود رئيس الجمهورية لاعتماد هذا القانون لوضع أشخاص تحت الاقامة الجبرية، وهناك أيضا المنع من السفر، الآلاف اليوم من التونسيين يمنعون من السفر ليس لأنهم أذنبوا، وليس لأن عندهم قضايا أو متهمون، فكل قاض يريد أن يسافر فإنه يجد اسمه موضوع في المعابر، ويمكن في أغلب الأحيان ألا يسمح له بالسفر كما حصل لبعض القضاة، كل محام يكفي أن يحمل صفة محامي لكي يمنع من السفر، وكل ناشط سياسي يكفي أنه يكون وجه إعلامي أو معروف على أنه ناشط سياسي يمنع من السفر، وكل رجل أعمال يمنع من السفر، كل ناشط في مجال حقوق الانسان أو ناشط مدني يمنع من السفر، عشرات الآلاف من التونسيين اليوم يعيشون في سجن كبير يمنعون من السفر وتتعطل مصالحهم لا لشيء إلا بدعوى هذه الإجراءات الاستثنائية، أعتقد أنه ليس هناك عاقل في هذا العالم سيقبل بمثل هذه الإجراءات الاستثنائية.

طالع أيضا  جوده وكرمه صلى الله عليه وسلم

سياق الانقلاب ودور العوامل الداخلية والخارجية

شعيبي رجع إلى السياقات التي أسهمت في وقوع الانقلاب التونسي حيث أوضح أن الديمقراطية تقوم على التوازنات فعندما تختل التوازنات السياسية في أي بلد تصبح الديموقراطية مهددة، هذا ما حصل في انتخابات 2019 بعد أن كان هناك حزب كبير باسم حزب نداء تونس وكان هذا الحزب هو عنصر توازن في الساحة السياسية مع حركة النهضة، بعد أن تفكك هذا الحزب بعد أن فاز بالانتخابات في 2014 وهو الذي فاز بالانتخابات الرئاسية وفاز بالانتخابات التشريعية، سيطر على الرئاسات الثلاث رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان، هذا الحزب لم يستطع أن يصمد لأكثر من خمس سنوات، وقبل انتخابات 2019 الأخيرة تقريبا أصبح هذا الحزب غير موجود، وحصل اختلال في التوازنات السياسية في الانتخابات التشريعية، وهناك بعض القوى حاولت تلافي الامر والاستفادة من اضمحلال حزب نداء تونس والبروز كوريث لهذا الحزب الذي فاز بانتخابات 2014، ولكن في الانتخابات الرئاسية حصل اختلال كبير استطاعت الشعبوية أن تسلك من خلاله طريقا للسلطة، لذلك فاز الرئيس قيس سعيد الذي كان من خارج المنظومة السياسية التقليدية بشكل مفاجئ بالانتخابات الرئاسية، ومنذ فوزه بالانتخابات الرئاسية كان من الواضح أن هناك خلل على مستوى التوازنات السياسية، هناك أغلبية أوصلت رئيس الجمهورية إلى موقعه، ولكن هناك أغلبية أخرى هي الموجودة في البرلمان، بل حتى الأحزاب التي كانت أحزاب أقلية في البرلمان كانت في غالبها وكأنها معارضة لرئيس الجمهورية، أو كان رئيس الجمهورية غير قابل بها.

المتحدث أضاف أن الاختلال في التوازن ظهر من خلال احتكاكات سياسية وتوترات سياسية حصلت في تشكيل الحكومة الأولى وفي تشكيل الحكومة الثانية وفي تشكيل الحكومة الثالث، وخلال سنتين فقط رأينا ثلاث حكومات، وحكومة وقع إسقاطها في البرلمان، وحكومة استمرت ستة أشهر، وحكومة أخرى استمرت تقريبا عشرة أشهر أو تقريبا سنة، وبالتالي هذا كان تعبير عن الأزمة السياسية الحادة التي تعيشها البلاد، وكانت حركة النهضة تدعو باستمرار، بأسلوبها التقليدي وبمنطلقاتها السياسية التي ارتسمت في هويتها وخطابها خلال السنوات الأخيرة، كانت تدعو باستمرار إلى الحوار وتقول هناك أزمة سياسية موجودة في البلاد، ولابد لتجاوز هذه الأزمة السياسية من الجلوس على طاولة الحوار، ورغم النداءات العديدة، على الأقل منذ شهر يناير 2021 من هذه السنة للجلوس على طاولة الحوار، إلا أن رئيس الجمهورية خاصة، وبعض القوى السياسية التي تحاول أن تستفيد من وجوده في موقعه لتسجيل نقاط سياسية ضد حركة النهضة، كانت ترفض هذا المطلب وتتحجج بحجج عديدة. إذاً نحن كنا نعي أن هناك أزمة سياسية، وأن هذه الأزمة السياسية لا يمكن حلها إلا من خلال الحوار.

الفاعل السياسي التونسي أكد أن تونس لديها أزمة اقتصادية هيكلية، هذه الأزمة جاءت بسبب تغير المنوال الاقتصادي، لأنه بعد الثورة كان مطلب من مطالبها هو مزيد من ضخ للعدالة الاجتماعية، وتقريب وتقليص الفوارق الطبقية داخل المجتمع التونسي، وكان هذا يفترض إصلاحات اقتصادية على مستوى الدولة وعلى مستوى المنوال الاقتصادي، وبالتالي كان هناك مرحلة انتقالية هشة على المستوى الاقتصادي لم تستطع البلاد أن تخرج منها لشهور، زاد كل ذلك الأزمة الوبائية وجائحة كورونا التي أوقفت تقريبا العجلة الاقتصادية والعجلة الانتاجية، وفرضت علينا حالة من الإغلاق التام، هذه الأزمات الثلاث متكاثفة هي التي أدت إلى حالة الإحباط وحالة اليأس التي رأيناها في الشارع.

طبعا كل هذا يحصل في كل الديمقراطيات ويحصل في كل الدول، وهناك دائما وسائل ديموقراطية ووسائل دستورية لحل هذه الأزمات وحل هذه المشاكل، ولكن دخول عامل آخر هو عامل التحريض والتأجيج الخارجي، وتوجيه الحملات الاعلامية ضد التجربة الديموقراطية وضد المسار الديمقراطي وضد حركة النهضة باعتبارها هي عمود هذا الانتقال الديمقراطي، كل ذلك أدى إلى ما سميناه بانفجار 25 يوليوز، ناهيك عن شن حملة غير مسبوقة على مواقع التواصل الاجتماعي، وهناك هجوم سيبراني قوي جدا على هذه الشبكة استهدف المجتمع التونسي، واستطاع أن يوجه الرأي العام وأن يخلق رأي عام معادي تماما للمنظومة السياسية الموجودة حاليا، رئيس الجمهورية استفاد من هذه الوضعية من وضعية التأزيم، بل لعله كان يدفع بشكل مباشر من خلال خطابه التحريضي والمتوتر لتأزيم الأوضاع واستفاد من كل هذا ليعلن الاجراءات الاستثنائية يوم عيد الجمهورية، اليوم الذي أعلنت فيه تونس في تاريخها أن دولتها دولة مدنية، في هذا اليوم يتحول يوم العيد إلى يوم حزن ويوم كابوس، في اليوم الذي تحتفل فيه تونس بدولتها المدنية التي انضافت لها قيمة الديموقراطية. في هذا اليوم بالتحديد يقع هذا الحدث الذي ينقلب على مكاسب الدولة المدنية وعلى مكاسب الدولة الديموقراطية وحركة النهضة طبعا لم تجد من توصيف آخر لما حدث إلا أنه محاولة للانقلاب على الدستور.

طالع أيضا  الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله أديبا وشاعرا

المتحدث أكد أن توصيف الانقلاب صحيح لأن الفصول القانونية التي اعتمد عليها رئيس الجمهورية لإعلان الاجراءات الاستثنائية لم تكن متطابقة مع ما ينص عليه الدستور، والفصل 80 الذي اعتمد عليه رئيس الجمهورية يقدم ضمانات قوية لإعلان الحالة الاستثنائية، منهم ضمانين اثنين لا يمكن التنازل: إذا التجأ رئيس الجمهورية لأي سبب من الأسباب لإعلان الحالة الاستثنائية فإن الفصل 80 من الدستور يفرض على رئيس الجمهورية أولا ألا يقيل الحكومة، وليس من حقه أن يقيل الحكومة، وثانيا أن البرلمان يبقى في حالة اجتماع دائم حتى انتهاء هذه المرحلة، ورئيس الجمهورية أول ما فعله أقال الحكومة وجمد البرلمان، وأرسل بفرقة عسكرية لمنع النواب من الدخول للبرلمان ولمنع أعضاء الحكومة ورئيس الحكومة وموظفي رئاسة الحكومة من الدخول إلى مقر رئاسة الحكومة، وإلى اليوم والبرلمان محاصر ورئاسة الحكومة محاصرة، حتى الموظفون لا يستطيعون الدخول إلى مؤسساتهم لمزاولة عملهم اليومي وهم في عطلة مفتوحة لا نعرف متى ستنتهي.

أي دور لحركة النهضة فيما وقع؟

وتساءل مدير الندوة عن الأخطاء التي بالإمكان أن تكون حركة النهضة قد وقعت فيها أو مختلف الكتل السياسية لكي لا يصل الأمر إلى أزمة أدت إلى انقلاب، فأجاب المتحدث بالإشارة إلى ثلاث قضايا في هذا الإطار، أولا حركة النهضة على الرغم من أنها الحزب الأول في انتخابات 2019 إلا أنها كانت تحوز أقل من 25 بالمائة تقريبا من أعضاء البرلمان، وبالتالي لم يكن بمستطاعها أن تشكل الحكومة بل رغم أنها الحزب الأول إلا أنها أضاعت فرصة ترؤّس الحكومة عندما لم تستطع أن تجمع تحالفا يوفر الأغلبية المطلقة الداعمة لمرشحها حبيب الجملي الذي تقدم لرئاسة الحكومة فسقط، منذ ذلك الحين فقدت حركة النهضة قدرتها على المبادرة وترشيح من تراه مناسبا لرئاسة الحكومة، وتولى رئيس الجمهورية بما يقتضيه الدستور ترشيح الشخصية الأكبر ورغم ملاحظاتنا حول الشخصيات التي رشحها ولكن في نهاية المطاف رشح شخصية سياسية هي إلياس الفخفاخ لتشكيل الحكومة الجديدة ولم تكن حركة النهضة إلا مشاركة في هذه الحكومة لا أكثر ولا أقل، ثم لما حصلت الأزمة السياسية استقال رئيس الحكومة، وكلف رئيس الجمهورية شخصية ثانية وهي السيد هشام المشيشي لتشكيل الحكومة الجديدة، ولم يكن لحركة النهضة أي حضور في هذه الحكومة واكتفت بدعمها من الخارج، وتوفير الأغلبية لها داخل البرلمان حتى لا يحسم فراغ سياسي، وبالتالي حركة النهضة لم تكن إلا قوة داعمة للحكومات التي تشكلت على امتداد السنوات الأخيرة، ولم تكن هذه الحكومات هي حكومات حركة النهضة.

ثانيا هناك تعطل لمسار تشكيل المحكمة الدستورية، والنقاش الحاد والاختلافات السياسية بين الفرقاء السياسيين، والشروط الضرورية لتشكيل هذه المحكمة بما في ذلك أن ينال ثقة ثلثي أعضاء مجلس النواب وفي ظل تشتت الكتل البرلمانية لم يكن بالإمكان في أكثر من ثلاث محاولات تشكيل هذه المحكمة، كان هناك خلاف سياسي حاد، ورغم أن حركة النهضة قالت لن أرشح أي طرف أو أي شخص ولكن بامكانكم أنتم أن ترشحوا الأعضاء الذين تريدون وأنا ساكتفي بتزكيتهم، ولكن مع ذلك لم يحصل أي اتفاق على أعضاء المحكمة الدستورية، وهي المؤسسة والضمانة الأساسية لعدم وقوع مثل ما وقع يوم 25 يوليوز وبالتالي هذا كان مشكلا كبير جداً وإلى الآن ما زالت المحكمة الدستورية معلقة.

ثالثا على المستوى الدولي تونس دخلت نادي الدول الديموقراطية سنوات منذ إعلان دستورها في سنة 2014، واليوم العالم الحر لديه مسؤولية أخلاقية ومسؤولية سياسية في أن يدافع عن أعضائه، أن يتضامن مع هذه الديموقراطية المغدورة، لذلك عندما نرى بعض المواقف التي تصدر هنا وهناك في أوروبا وفي أمريكا وحتى لدى بعض الأشقاء في المنطقة إننا لا نستطيع إلا أن نرحب بهذه المواقف الداعمة للتجربة الديموقراطية، ليس على أساس أنها تدخل خارجي في الشؤون الداخلية التونسية ولكن على أساس أنها مطالبة بالتزام القيم الكونية والقيم الإنسانية التي جاءت في دستور 2014، وجاء التنصيص عليها في هذا الدستور باعتبار تونس جزءا من العالم الحر وجزءا من العالم الديموقراطي. وما الحملة القوية التي نراها اليوم في المجتمع الدولي من أجل العودة للمسار الديمقراطي في تقديري إلا نتاج لنجاح تونس في إقناع العالم بأنها ديمقراطية حقيقية، وبأنها ديمقراطية يمكن أن تنجح ويمكن أن تستمر.

وعن مسئولية حركة النهضة فيما وقع، ذكّر المتحدث بالقول بأننا قلناها في أكثر من مرة، قلنا نحن لا نتهرب من المسؤولية، لا شك أننا لدينا مسؤولية في ما آلت إليه الأمور، ولكن لدينا جزء فقط من هذه المسؤولية، فحركة النهضة خلال السنتين الأخيرتين لم تتول الحكم ولم تحكم، وكانت في أحسن الأحوال شريكة في حكومة استمر تواجدها ست أشهر، وفي البقية كانت مجرد قوة برلمانية داعمة للسلطة التنفيذية وداعمة للحكومات التي تشكلت خلال المرحلة الأخيرة، ولكن حالة العبث التي شاهدناها خاصة في البرلمان ومحاولة ترهيل البرلمان وترهيل العمل البرلماني وترهيل الديموقراطية هي التي تتحمل المسؤولية الأكبر على الصورة السيئة التي ظهرت عن الديموقراطية التونسية، كما أنها ديمقراطية فوضوية، أيضاً حالة التنمر التي رأيناها في كثير من المواقف سواء في البرلمان أو الإعلام ضد رموز الدولة، وضد الطبقة السياسية وضد القيم الديموقراطية، كانت مقصودة وموجهة ومدفوعة عن وعي من جهات داخلية، ومدعومة أيضا بوضوح من جهات خارجية، وهذه الجهات تعبر باستمرار عن عدائها للحالة الديموقراطية في تونس، وبالتالي النهضة تتحمل الجزء الذي يخصها من المسؤولية، وهذا ستترتب عنه مراجعات في السياسات وفي المواقف التي اتخذتها حركة النهضة خلال السنوات الأخيرة، ولكن نعتقد أن هذا مهما كان لا يبرر الانقلاب على الديموقراطية كما قلت، لأن الديمقراطيات عندما تتعرض لأزمة فدائما هناك وسائل ديمقراطية تستطيع من خلالها أن تستمر، المهم ليس استمرار الأحزاب والجماعات، المهم هو استمرار المسار الديموقراطي، أما الأحزاب والجماعات فهي ليست إلا أدوات عمل يمكن أن تتطور ويمكن أن تتشكل من جديد بحسب تجربتها في العمل.

طالع أيضا  ذ. بارشي: لتغنم رمضان "أنظر إليه بصدق فقد يكون الأخير" (فيديو)

شعيبي أكد مجددا أن ما يحصل الآن في تونس هو تذرع واستغلال للأزمة المركبة التي تعيشها البلاد من أجل إجهاض المسار الديموقراطي، لذلك نحن معركتنا اليوم هي معركة إعادة المسار الديمقراطي، هذه هي المعركة الأساسية، وعندما يأتي وقت التقييم ووقت المراجعات فإن حركة النهضة كانت باستمرار تتقدم من خلال النقد الذاتي، ومن خلال المراجعات، ولن يحرجها أن تقف مع نفسها في مرحلة من المراحل من أجل القيام بالمراجعات الضرورية والنقد الذاتي الضروري، الذي يمكنها من تجديد العقد الاجتماعي الذي يربطها بحاضنتها الاجتماعية وحاضنتها الشعبية.

تقييم المسار التوافقي الحواري لإنجاح الثورة التونسية

كان على الثورة التونسية أن تسلك أحد مسارين، إما مسار التغيير الجذري الراديكالي، أو المسار التوافقي، وبالذهاب لانتخابات المجلس التأسيسي وبداية تشكل المشهد بعد انتخاب المجلس التأسيسي في 2011، كأن الثورة التونسية سلكت مسلكا انتقاليا، حتى أنه لم يعد استعمال مصطلح الثورة بما يعنيه من تغيير راديكالي دارج في الأدب السياسي وفي الخطاب السياسي التونسي، وأصبح يعوض بمفهوم الانتقال الديمقراطي، وهو ما يعني أن القوى السياسية الجديدة التي جاءت بعد الثورة تقوم بعملية مرافقة للقوى السياسية القديمة، ومن هنا جاءت فكرة التوافق، ومن إيجابياتها هي أنها تحافظ على الاستقرار وتحافظ على السلم الأهلي، فكرة التوافق التي نشأت في 2013 و2014 تحافظ على المكاسب الحاصلة، وتقود عملية تغيير طويلة المدى، عكس فكرة التغيير الجذري التي يمكن أن تحدث تغيرات سريعة في الواقع، ولكن ربما يمكن كلفتها تكون عالية نوعا ما، مشكلة التوافق أو الديموقراطية التوافقية لا تسمح كما قلت بالتغيير، هي ديمقراطية محافظة، لأنها مبنية على تسويات، مبنية على تفاهمات، الإشكال هو أنه إما أن نجد غطاء قانونيا لعملية التغيير فيحصل التغيير من خلال القوانين، أو أن يحصل التغيير من خلال التوازنات في الشارع.

وأضاف المتحدث بأنه عندما وقع الاستغناء عن عملية التغيير من خلال التوازنات في الشارع، وسلوك مسلك التغيير عبر القوانين وعبر التشريعات في ظل الانقسام السياسي، وعدم وجود قوة سياسية مركزية كبيرة، تستطيع أن تترجم فلسفتها ورؤيتها في التغيير من خلال التشريعات والقوانين، في ظل غياب هذا تحولت الديموقراطية التوافقية إلى نوع من الجمود. لذلك بعد سنوات عديدة المواطن التونسي معذور في إحباطه وفي غضبه وفي توتره على مجمل الطبقة السياسية بما في ذلك حركة النهضة، لأنه بعد عشر سنوات لم ير التغيير الذي طالب به، ما زال الخلل على مستوى توزيع الثروة في البلاد كما هو، بل ربما زاد أكثر سلبية، ما زال منسوب الفساد تقريبا كما هو، ولم يقع تفعيل المؤسسات الدستورية واتخاذ سياسة حكومية واضحة في مقاومة الفساد، يعني كثير من الأمور حافظت على نفس المشهد وعلى نفس الصور في الواقع، والمواطن بعد عشر سنوات لم يلاحظ تغييرا حقيقيا لا في معاشه اليومي ولا في قدرته الشرائية، ولا في الوضع الاقتصاد العام ولا حتى في مقاومة الفساد الذي كان أحد أهم الأسباب التي قامت من أجلها ثورة 2010، ولو وقع وضع آليات مرافقة للتغيير الديموقراطي تقوم على عملية التغيير، ربما لما وصلنا اليوم إلى الوضع الذي نعيشه في البلاد.

مآلات المشهد التونسي

وختم المتحدث مداخلته بالقول إننا متفائلون، رغم الظرف الصعب الذي نعيشه في تونس، فهذا اختبار للديمقراطية، ولمكانة البناء الديمقراطي، وهو أيضا تهديد وتهديد جدي للمسار الديمقراطي إلى حد الآن في تونس في العشر سنوات الأخيرة، وما ظهر في الأيام الأخيرة هو أن هذا البناء الديمقراطي بناء متين، ويستطيع أن يصمد أمام مثل هذه التهديدات، فنحن لذلك متفائلون، رغم الحذر من إمكانية الانزلاق في اتجاهات خطيرة، يمكن أن تدفع البلاد إلى أوضاع سيئة، ولكن ليس هناك أفق للانقلاب، لأنه لا يستطيع أن يطوي بصفة نهائية الديمقراطية في تونس، لأن هناك مؤسسات وهناك مجتمع مدني وهناك سياق إقليمي، وهناك ثقافة ديمقراطية متينة داخل المجتمع التونسي، وكل هذه ضمانات لعدم إيغال الانقلاب في إجراءاته التعسفية، ولذلك لا يمكن أن يستمر هذا الوضع طويلا، ونأمل أن نرى قريبا عودة حقيقية للمسار الديمقراطي، والسماح بعودة البرلمان أو الذهاب إلى انتخابات جديدة مبكرة، المهم هو احترام الإرادة الشعبية والالتزام بما يفرزه الصندوق.

لمشاهدة الندوة كاملة بإمكانكم زيارة الرابط الآتي: