قد لا يختلف اثنان في أن ما حدث ويحدث في دول الخط الثالث، كتونس والسودان، وقبلهما مصر وسوريا وليبيا… يؤشر إلى مدى الصعوبة التي تحملها فكرة التغيير التي باتت تلهث وراءها الشعوب بعد كل نفحة أمل.

لكن هل تستطيع أيام معدودات – على مستوى الزمن وأحداث بعينها حتى وإن كانت سقوط رأس النظام – قلب صفحة ماض راكم آليات، ووعيا، وأقواما، وأشكالا من الاستبداد الممتد في المكان والزمان، حتى صار يخالط أنفاس العباد، ولعل ما يطفح من خلافات مميتة بين فرقاء التغيير من بناته، علاوة على الهبات التي كان يقدمها – ونعني هنا الاستبداد – عبر السنين لقوى الداخل والخارج والتي صارت بعد تطاول العمر، من الحقوق/ المكاسب التي يقاتل عليها هذا وذاك مهلكا الأخضر واليابس.

إن الإيمان بقوة الشعب وإمكانياته يمكن أن يعطينا الأمل بل اليقين في النجاح، لكن كل ذلك لا يلغي ضرورة الوعي بحجم وكتلة وسعة الأنظمة المستبدة وارتباطاتها الخارجية، ثم ما راكمته من أجهزة ظاهرة وباطنة، تستطيع الوقوف في وجه هذا التغيير أو زيادة حجم خسائره بل وانتكاسته حتى.

إن ما حدث من “إغلاق” للبرلمان التونسي في وجه البرلمانيين كان حافلا بالرمزية، بل ويذكرنا بفض اعتصام عاصمة السودان بالقوة، وقبلها رابعة مصر وحوارات ليبيا التي لا تنتهي – طبعا مع وجود الفارق – لكن لا يمكن النظر إليه لا من زاوية أخطاء هذه الهيئة أو تلك، ولا من زاوية الدعم الخارجي للرئيس قيس، أو أنه جاء بعد زيارة لهذا البلد أو ذاك، بل أيضا لتاريخ أفراد ومكونات “الساحة” (السياسية، والاقتصادية، والأمنية، والعسكرية…) الداخلية تماما مثل ما كان أمر قوة التدخل السريع الذي نفذ عملية -فض الاعتصام بالقوة – في السودان، وكيف تكون من عصابات الجنجويد، ثم قوات السيسي ومدى تغلغل مثل هذه الأجهزة داخل المنظومة الأمنية للبلد والجهات المتحكمة فيها… وهذا من جهة، ثم ماذا يشكل بلد أو بلدان كتونس والسودان ومصر والجزائر والمغرب أيضا لدول الشمال والجيران وآل البترودولار سياسيا وحضاريا، وفي المقام الأول اقتصاديا، وهل من توقعات غير مرغوب فيها تفرض تحرك هذه الجهة أو تلك.

يمكن القول بكل بساطة إن انتصار معركة الربيع يجب ألا تنسي هذه الشعوب وهيئاتها أنها تدخل حربا حضارية مثقلة حتى الثمالة بالخيانة والخونة.

 لكنها حتما حربا لها كر وفر وأسلحة وجولات….

كنا قد أكدنا سابقا على أن معركة التغيير، معركة حضارية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، أي وبتعبير آخر معركة “بناء”: بناء الإنسان والثقافة والأخلاق والسياسية… بناء “وطن”.

دون ذلك:

يتناسى الفاعلون السياسيون أن الأنظمة المستبدة، وقبل “سقوطها” (إن سقطت) بكثير، أسقطت المجتمع وأفرغت المؤسسات، ودجنت الإعلام، وأفسدت التعليم، وأفرغت المواطن من كل إحساس بالانتماء… إلا الإحساس بالجوع والمرارة والمرض.

طالع أيضا  العلماء ومسؤولية تحرير الأمة

في هذا الواقع، ومباشرة بعد صعود أول درج في التغيير تبدأ الكيانات السياسية في رسم آفاق مستقبلها السياسي الخاص “البراق”، مصورة اختيارها الأيديولوجي اختيار الازدهار والتقدم، والمستقبل، حدث ذلك مع إخوان ونشطاء مصر، وشيوعيي السودان وفرقاء تونس أيضا… فهل الحاجة وفي هذه المرحلة الدقيقة، إلى بناء دولة الخيارات السياسية، أم إلى إعادة تشكيل مؤسسات الدولة التي ليس لها من المأسسة إلا الاسم، بل مؤسسات المجتمع والوطن والاقتصاد التي لا يختلف اثنان حول ضرورتها لتصريف كل مشروع مجتمعي مهما كانت صلابة حجته.

فيحصل أن يتوارى الشعب وقد أعياه الأنين قبل الحراك. ويتقدم السياسيون وقد أظماهم الانتظار، ليجلسوا على الكراسي القديمة “المتحركة” في كل اتجاه، وقد ألصق بين قوائمها جهاز تحكم ذو جنسيات غربية وشرقية وحتى زنجية، فتنقلب الأحداث مسرحية في حلقات درامية بطعم الديمقراطية، كل حلقة توصل حتما إلى التي تليها في انتظار ساعة الختم، وقد نزع المجرم ثوب الخيانة ليلبس قميص البطل.

إن الحاجة في هذه المرحلة الحساسة وحسب رأينا هي أشد ما يكون إلى بناء الإنسان الحر القادر على الاختيار، القادر على ممارسة النقد الذاتي والموضوعي، القادر على التمييز، وقبل كل هذا وذاك القادر على تلمس مصلحة الوطن.

من هذا المنطلق تأتي راهنية الميثاق الجامع الذي يذوب فيه كل لون إلا لون الوطن، تنتظم فيه التعددية التنظيمية في تآلف وتعاون جامع لبناء المؤسسات لتسطير الخطوات والطريق الموصل إلى الديمقراطية التي ستسمح آن ذاك بانتخابات حقيقية لا تضيع فيها الأخلاق باسم المنافسة ولا تتهاوى المصلحة باسم المعارضة ولا تسفه الآراء باسم الإيديولوجيا، ولا يباع النصر بدعوى الاختلاف.

يركز المتتبعون لما يحدث الآن على الخطوات القادمة للرئيس قيس، بغرض تأكيد صفتها الانقلابية، ومدى موافقتها لخطوات من سبقها من انقلابات على الشرعية والدستور خاصة في مصر وإلى حد ما السودان.

انتظار بقدر ما يحمل في طياته من تسليم بالمصير المحتوم لإحدى أكثر تجارب التغيير مقاومة لاستكبار الداخل والخارج، بقدر ما يعبر عن الصدمة أمام ما وصلت إليه الأمور في بلدان بات من المؤكد، وأكثر من أي وقت مضى، أنها لا تملك مصيرها ولا سيادتها.

لكن ألم تكن لكل هذه الأحداث إرهاصات ومقدمات منذرة، أم أن الأمر كان ضربة لازب؟

لقد أوضحنا وفي أكثر من مناسبة خطأ تلك النظرة التي كانت تميز التجربة التونسية عن باقي تجارب الربيع العربي، وبالتالي ضلال ما ينبني عليها من نتائج:

إذ لم يكن فشل حكومتين بقيادة النهضة، ثم تولي رجل الحرس القديم القايد السبسي رئاسة البلاد، وما عرفته فترة رئاسته من أحداث دالة، وصولا إلى أكثر خطوة -في نظر السياسيين- إيذانا بالانتقال الديمقراطي والتغيير في البلاد، وهي صدور الدستور الجديد بعد مخاض عسير، دام قرابة سنتين، إلا لتؤكد تغلغل ما نستطيع نعته بالدولة العميقة في بلاد الزيتون، ومسكها بدواليب القرار والسياسة، علاوة على القدرة على تحريك الشارع، وتأليب المجتمع، أنى شاءت.

طالع أيضا  الشعب يريد إسقاط الجواز.. الاحتجاجات تتسع والسلطات لا تقدم غير القمع

وإذا كانت النقطتين الأولى والثانية لا تحتاج منا أي توضيح، فقط التذكير بالقدرة الهائلة التي تملكتها هذه الأيادي الخفية، لإنسائها – إن صح هذا التعبير – خاصة من خلال “الإخراج الرائع” للانتخابات الرئاسية والتي فاز بها الرئيس قيس سعيد نفسه، فإن الدستور الجديد يحتاج منا بعض بيان.

بخلاف ما يراه الكثيرون فيما يخص الوثيقة الدستورية، فقد عكست فصول دستور 2014 الصراع العلماني الإسلامي الذي طبع اللجنة التأسيسية. فقد كان يأتي بالفكرة وما يقابلها لدى الطرف الآخر، فبعد “أن رام الفصل الأول التأكيد على إسلامية الدولة، فإن الفصل الثاني توخّى التأكيد على أن: تونس دولة مدنية، تقوم على المواطنة، وإرادة الشعب، وعلوية القانون، كما أغلق المشرّع الباب أمام أي محاولة لتعديل الفصلين الأوّليْن وذلك بتنصيصه على عدم جواز تعديل هذين الفصلين، وكأن كل طرف من الأطراف المشاركة في وضع الدستور قد خشي أن يَضيعَ ما دافع عنه خلال اللّحظة التأسيسية”.

ليتجلى هذا المسلك التوافقي بين أطراف العملية السياسية في تونس، أكثر في الفصل السادس من الدستور، الذي جعل من “الدولة راعية للدين، وكافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، وضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي”.

ففي الوقت الذي أكّد فيه التأسيسيون على أن تتكفّل الدولة بالدين وترعاه، فإنهم في الآن ذاته قد نصّوا على حرية المعتقد، ومنعوا أي توظيف للدين في المجال السياسي من خلال المساجد.

أما في مجال الحقوق والحريات فيعد عدم قرن التنصيص على حق الإضراب بصدور قانون ينظم هذا الحق على غرار تشريعات الدول المجاورة، علامة فارقة في فسح المجال للتلاعب باسم الأغلبية البرلمانية، في أحد أهم بنود الحقوق والحريات.

فيما يمكن القول إن أحد أهم تجليات الخلاف التأسيسي هو إخراج السلطة التنفيذية برأسين، الرئيس من جهة، والحكومة ورئيسها من جهة أخرى (وهو ما يفسر لجوء الرئيس قيس إلى شل الرأس الثاني في أول خطواته الانقلابية…).

هذا طبعا دون الحديث عما تحمله فصول أخرى من دلالة ظنية، تفتح الباب على مصراعيه للتأويلات والقراءات المختلفة، لعل منها تأويلات الفصل 80.

 قد لا يسعنا المقام للغور أكثر في الفصول الدستورية بغرض تلمس مشوشات صورتها الديمقراطية.

لكن يمكن القول إن الوثيقة الدستورية لم تكن بالسلامة والعلو الذي صورت به من طرف العديد من المتتبعين الذين كانوا يتحدثون في المأمول أكثر منه في الواقع.

طالع أيضا  الفئات التعليمية والطلبة المهندسون يواصلون الاحتجاج في الرباط.. والمنع والقمع يطالهم

في كل مرة تدور دائرة الاستبداد على قوى التغيير، خاصة من كان منها في مصاف الإسلام السياسي المعتدل، تتراءى لنا في الساحة الإعلامية العربية خاصة، سمتان:

 الأولى: انطلاق الأقلام والبحوث والدراسات والتحاليل… ومن كل الجهات: أكاديمية، وإسلامية وعلمانية وحتى يسارية، تتوحد في بحث وتوصيف الأخطاء… “القاتلة”، “الاستراتيجية”، “المحورية” وبكل النعوت، والتي جعلت الانقلابيين يباشرون عملية الإزاحة الكلية لهذه الحركة وقيادييها عن الساحة السياسية، بكل قوة، وحزم، وحتى دموية، متناسين أن السياسة والممارسة السياسية لم ولن تخلو من أخطاء، وأن خيارات المناورة تكاد تكون منعدمة..

وقبل كل ذلك وفيه وبعده أيضا: أن قوى الخارج قبل الداخل لم تعد تستسيغ أي وجود للمكون الإسلامي في الساحة السياسية، قل ذلك أو كثر، بمعنى حتى وإن لم تخطئ (وهذا من المحال)، فستعمل أجهزة التدخل السريع على إيقاعها في موجبات الشجب والتأليب والتدخل…

وتذكروا معي ما حدث للإسلاميين في الجزائر الذين قتلوا تقتيلا، مباشرة بعد فوزهم بالانتخابات البرلمانية.

وللإشارة والبيان، فنحن هنا لا نقول بعدم احتمالية خطأ هذه الهيئات في تقدير واجب المرحلة، وترتيب سلم أولوياتها بالنظر إلى الواقع والممكن، بل ننتقد ذاك الربط الصارم لهذه الأخطاء بالانقلاب، ربط علة بمعلول، وهذا من جهة، ثم توقيت هذا النقد الذي سيصب حتما في مصلحة الانقلابيين من جهة ثانية.

أما السمة الثانية، وهي مما يتميز به المستقلون ورواد صفحات ومواقع التواصل الاجتماعي، وكذا بعض الإسلاميين، فهي مقارنة خطوات الحركة الإسلامية لبلد الانقلاب بخطوات حزب العدالة والتنمية التركي ورئيسه طيب رجب أردوغان، وهي مقارنة يكفينا فيها القول بأن لا تركيا النظام (ما قبل أردوغان وحزبه)، ولا الشعب، ولا التاريخ والجغرافيا، ولا علاقات هذا البلد بجيرانه الأوروبيين، تشبه الشرق والغرب العربي وأنظمته السياسية، وعلاقاته هو الآخر بمستعمريه السابقين، إضافة إلى اختلاف السياقات الجيوسياسية المتحكمة في المنطقة، ومن ثم سنكون مباشرة أمام القاعدة الفقهية التي تقول: “لا قياس مع وجود الفارق”.