بقلم: سمير زردة

تتضارب آراء المفكرين والمنظرين لمشاريع التغيير حول الحوافز والدوافع المحركة للأحداث، وطبيعة الوعي الذي يحررنا ويمكننا من صناعة التغيير، هل هو الوعي السياسي، أم الوعي الاقتصادي، أم الوعي الاجتماعي، أو الوعي التاريخي، أم كل هذه الأبعاد مجتمعة؟

لا شك أن قادة التغيير في حاجة إلى كل هذه الأنماط من الوعي – على تفاوت أهميتها وفاعليتها – لصناعة التغيير التاريخي المنشود. لكن لا ينتبه البعض أن اختلاف هؤلاء في التدليل على الوعي الأنجع والأكثر فاعلية لتحقيق المطلوب وإنجاز مهمة التحرير والتغيير نابع من اختلاف نظرتهم للوجود وللحياة والمصير. فطبيعي جدا أن تختلف نظرة من يعتقد أن الحياة الدنيا هي الحياة الوحيدة وأن الموت نهاية الوجود أو حتى من يؤمن بحياة أخرى بعد الموت، لكنه يفصل أعمال الدنيا عن الحياة الأخرى، مع من ينظر إلى الحياة الدنيا أنها محطة عابرة من محطات الوجود الإنساني، وأنها مزرعة الآخرة، فيها يكتب الإنسان بأفعاله وأقواله ونياته مصيره في كتاب يلقاه منشورا يوم القيامة.

لذلك من المقبول جدا ما يصدر عن الفئة الأولى – وهم أصحاب الفكر المهين اليوم – من تصورات ورؤى تنسجم مع معتقداتهم، لكن من غير المقبول من مثقفي الفئة الثانية – ونعني بهم المسلمين – أن يجتروا تلك مقولات باعتبارها وصفة صالحة لجميع الناس وكأن البشرية على قلب رجل واحد في نظرتها للوجود والحياة والمصير. نعم قد تشتمل هذه التصورات على الكثير من الحكم التي يمكن الاستفادة منها، لكن نحتاج الى تبيئتها وتلقيحها بتصورنا نحن للحياة، مع العلم أن المرجعية التي نستقي منها كمسلمين فيها غنية، لو تخلص مثقفونا من عقدة النقص التي يشعرون بها بسبب الهزيمة الحضارية التي يعيشها المسلمون وتخلصوا من داء “العلمنة المقنعة” التي تتلبس بعقولهم – بوعي أو بغير وعي- وركزوا جهودهم لاكتشاف ما يزخر به الوحي من كنوز معرفية -مستعصية على من جف معين قلبه من الإيمان الحق- تربط صلاح الدنيا بصلاح آخرة الفرد والجماعة وتحدد منهاج الإصلاح وسننه ومداخله وحوافزه.

طالع أيضا  عندما بكى النبي صلى الله عليه وسلم

وبالعودة إلى موضوعنا، فالمحدد في وضوح الرؤية وإعطاء الحافزية لاقتحام العقبات أفرادا وجماعات انطلاقا من تصورنا المنهاجي هو “الوعي بالمصير” وهو تلك اللحظة الفارقة التي أرتفع بها عن مدلهمات الحياة وخطوبها، وعن هموم الضياع والحيرة “لكي يرتاح قلبي إلى ومضة من نور الإيمان بالله وباليوم الآخر حتّى تتم ليّ وفيّ يقظة القلب إلى أسرار الكون، ويقظة الروح إلى جلال الخالق سبحانه، وإلى سبحات كلمة الحق تجيبني عن أسئلة وجودي: من أنا؟ وما أنا؟ وإلى أين؟” 1 إنها ولادة ثانية حيث الارتباط الدائم بالمهمة الوجودية للإنسان وبوظيفته في هذه الحياة باعتبارها مزرعة للآخرة، حيث لا تنفصل فيها نتائج وآثار كل الحركات والسكنات عن مصيري الأزلي في الحياة الثانية.

إن الوعي بالمصير يمكن الإنسان من الرؤية الواضحة والشاملة لسائر محطات الوجود الإنساني في ترابطها وتكاملها، ولا يكتفي برؤية تجزيئية كما هو حال باقي أنماط الوعي السائدة التي تركز على محطة عابرة تنتهي بالموت كأنه نهاية الوجود، فكان من الطبيعي أن لا تخرج عن كونها دوافع لتحقيق مصلحة لحظية – مادية أو معنوية- ما يجعل منها مصدرا للصراع المؤدي للعنف بين نفوس لا وازع لها للحد من إشباع رغباتها اللامتناهية. بينما يعتبر الوعي بالمصير المحرك الأساس لسلوك الرحمة ومحبة الخير للناس، ومدخل يؤهلك لوراثة سلوك الأنبياء الذين أرسلهم الله رحمة للعالمين، والسير على منهاجهم الذي حدده الوحي.

لا تكاد تجد في القرآن الكريم صفحة تخلو من حديث عن المصير، والتذكير بالمصير، والتحذير من عدم التفكير في المصير والغفلة عنه. ليس معنى ذلك أن باقي أنواع الوعي التي تحدث عنها القرآن الكريم غير مهمة، كالوعي التاريخي والسنني والسياسي والاجتماعي الذي عبر عنه القصص في القرآن الكريم، بل تتكامل فيما بينها لتصبح خادمة للوعي بالمصير الذي يحدد ماهية وجودنا الأزلي.

طالع أيضا  بعد دخول طالبان العاصمة كابول.. ذ. حمداوي: نأمل أن يدشن هذا الحدث لمرحلة جديدة تتميز بوحدة الشعب الأفغاني

قد يستدرك العقل المخاصم للفطرة ابتداء، المتأثر ببضاعة الجاهلية التي تسيج نفسها بأحزمة المصطلحات الرنانة كالنقاش العلمي والموضوعي والمنطقي، أن هذا الكلام غير علمي ويندرج ضمن مجال الغيبيات التي تنبني على الإيمان، وبالتالي لا يمكن أن نؤسس عليها علما حقيقيا. نقول له أن مصدر المعرفة المتمثل في الوحي، وحده القادر بعدما عجز العلم العقلي على سبر أغوار هذا الكون المستغلق، “الوحي وحده يمكننا من طرح الأسئلة الوجودية الصائبة والإجابة عنها: لماذا وجدت؟ ما مصيري بعد الموت؟ ما واجبي؟ كيف أستعد للحياة الأخرى؟ بأية أخلاق أسير في المجتمع؟” 2.

يريد هؤلاء إيهامنا أن المعرفة ليست إلا نتاج لآلة العقل المحايدة المستغنية بمنطقها عن الشريك، العقل المتأله الجبار!!! والحقيقة خلاف ذلك، فالأفكار والمعرفة ليست إلا ثمار عملية تفكير لعقل مستنير بنور الهداية والرحمة أثبت قدرته على تقديم إجابات مقنعة لأسئلة شائكة، أو عقل مشاكس مرتكس في ظلام الضلال والغفلة والهوى أثبت عجزه عن إيجاد إجابات لهذه الأسئلة. وهذا ما يؤكد على ضرورة المفاصلة بين العقلين وما ينتج عنهما من تصورات.

إن الوعي بالمصير وما يستتبعه من توبة انقلابية تطلب منا منهاجا واضحا للسير، ليس إلا منهاج الأنبياء في التربية والجهاد والتغيير والتبليغ، يعد مدخلا أساسيا لبناء الإنسان باعتباره محور الأمر كله، وربطه بمهمته الاستخلافية في الأرض وفق علم دقيق يرسم قواعده ووجهته علم الغاية أو علم المصير الذي جاء مبثوثا في ثنايا الوحي.


[1] رسالة إلى الطالب والطالبة، عبد السلام ياسين، ص، 08.
[2] الإسلام والحداثة، عبد السلام ياسين، ص، 182.