أولا: منطلقات بين المؤامرة والابتلاء

✴ لا خطأ يبرر الانقلاب والاضطهاد:

تجربة الحركة الاسلامية خاصة المدرسة الإخوانية بما لها من انتشار وتأثير لا تخلو من أخطاء، والخطأ طبيعة ملازمة للاجتهاد البشري، لكن ليس هناك خطأ يبرر ما تعرض له الإسلاميون من اضطهاد في مختلف المراحل والبلدان، ولا يمكن حصر ما تعانيه الحركة اليوم من اضطهاد وانقلابات في أخطاء في التدبير والاجتهاد، وإن الجرائم التي ارتكبها الانقلابيون بمصر في حق الإخوان وبمباركة خصومهم وأعدائهم لا سبيل لتبريرها ولا تشفع لها أخطاء الإخوان مهما عظمت، وستبقى وصمة عار في جبين أدعياء الديمقراطة وتجار الثورات.

✴ بين الاجتهاد والممارسة:

إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، هو هل المشكل في الاجتهاد حتى نلوم الحركة؟ أم في الاستهداف حتى نلوم المتربصين بها؟ أم هما معا؟
هل المشكل بسيط يسهل تقويمه ونقده، أم هو مركب ومعقد ويقتضي التوغل فيه برفق؟.
هل قوة النظرية حاسمة في تحقيق الأهداف حتى نستخف بإكراهات الميدان؟ وهل امتلاك وصفة الدواء يعني القدرة على شفاء الداء؟. أم أن تحقيق الأهداف والغايات رهين بحكمة وكفاءة في تنزيل النظرية والقدرة على تدبير وإدارة المرحلة الانتقالية؟، والتي دونها إكراهات وتموجات ومطبات وفخاخ ومؤامرات وكيد بالليل وبالنهار وعوائق وعقبات كبيرة، لكن الله أكبر.

تعتبر المدرسة الإخوانية التونسية أكثر انفتاحا وتنازلا، رغم ذلك لم تسلم من الانقلاب عليها، وقد يعتبر البعض أن تنازلها هو نقطة ضعفها. كما لم تسلم التجربة المصرية بدعوى هيمنتها وإقصائها، وقد يعتقد البعض أن عدم مرونتها وتدرجها سبب فشلها.

✴ من أجل الانصاف:

تؤلمني تعليقات بعض الإخوة الحادة، والتي تلقي اللوم على الاجتهاد وتبخس الناس أشياءهم. لا يعني هذا ألا نُقوّم التجارب لأخذ الدروس والعبر، بل ذلك فرض وواجب لتطوير وصقل المنهاج. لكن جلد الذات وممارسة الأستاذية والاستخفاف بالآخر والشماتة، أمر لا يليق بمسلم.

طالع أيضا  فقه الرحمة عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله (1)

هناك إرادة خارجية وداخلية تستهدف إفشال أي مشروع تغيير تحريري للأمة، خاصة إن كان من رواده الحركة الإسلامية، ومما يسهل هذه الثورات المضادة هو عدم تحلي خصوم الحركة الإسلامية بالشرف والمروءة، فيضحون بالديمقراطية وينحازون للاستبداد، ولو كان ذلك بنصب المشانق وملئ السجون بأبناء الحركة بل بحرق الجثت كما وقع في رابعة، وتلك سقطة أخلاقية وانتهازية سياسية وردة حقوقية، يسجل أبطالها أسماءهم في مزبلة التاريخ مهما تبجحوا بادعاء الديمقراطية.

✴ لا خوف على المشروع الإسلامي:

لكن رغم الكيد والمكر والاضطهاد، فلا خوف على المشروع الإسلامي ولا خوف على الدعوات الصادقة، فكم من محن واضطهادات تعرضت لها الحركة الإسلامية، لكن لم يستطع أعداؤها اجتثاثها والقضاء عليها بل ازداد أنصارها ومدعموها، كلما فتح المجال للشعوب لتعبر عن إرادتها بحرية. وإن كان من حسنة للإخوان فيكفي صمودهم وثباتهم في وجه المحن منذ العبد الخاسر إلى انقلاب الخسيس فما استسلموا ولا جنحوا للتطرف والعنف، وهذه مزية تحسب لهم، وبالطبع لا تجعلهم معصومين من الخطأ ولا بمنئى عن النقد والتقويم.

✴ الابتلاء سنة إلهية:

أما الابتلاء فسنة إلهية سرت على الأنبياء والرسل والصحابة الكرام، وفي وسطهم سيد الخلق أجمعين عليه أفضل الصلاة والسلام، فكان منهم الشهداء والأسرى وقد ابتلوا في أرزاقهم وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيل الله كثيرا، فما ضعفوا ولا استكانوا.
ولم يكن الابتلاء يوما عنوانا للفشل والهزيمة، بل سنة إلهية تقضي بتداول الأيام والعاقبة للمتقين. كما أن إيثار السلامة والعافية ليس عنوانا لصحة الطريق وصواب الاختيار. قال الله تعالى: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) سورة آل عمران.

طالع أيضا  الإصلاح السياسي.. بين ضبابية الفهم وجناية الممارسة

نسأل الله السلامة والعافية كما نسأله أن يختار لنا ويدبر لنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ثانيا: خيار للتأمل: ثنائية الدعوة والدولة والميثاق:

إن الدرس البليغ من هذه التجارب، أن موروث حكم الاستبداد ثقيل لا تقوى على حمله قوة سياسية بمفردها، مهما كان وزنها وقدرها، وأن حجم المؤامرات الداخلية والخارجية لا يسمح بنجاح تغيير تقوده حركة إسلامية، وأن المكان الطبيعي للدعوة وسط الشعب، تعبر عن همومه وآماله وتقود خطواته، فلا تذوب في دواليب الدولة فتفشل بالفشل في تدبيرها، بل تبقى حاضرة في ميادين التربية والتعليم والتأثير، وعينها على الأخرى مراقبة وموجهة، هذا لا يعني الانعزال عن السياسة والشأن العام ولا فصل الدعوي عن السياسي، وإنما هي ثنائية الدعوة والدولة، كم حري بنا أن نتأمل تلك الخلاصة التي خرج بها الدكتور حسن الترابي رحمه الله تعالى بعد تجربة طويلة أننا أخطأنا عندما تركنا المساجد وانشغلنا كلنا بالدولة.

✴ ثنائية الدعوة والدولة:

إن هذه التجارب المريرة تفرض علينا اليوم التأمل في هذه الثنائية التي طرحها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله أكثر من ربع قرن وأعاد التفصيل فيها في كتاب العدل: الاسلاميون والحكم. لعلنا نجد صيغة للعمل حتى لا تنعكس الظروف التي يصل فيها الإسلاميون إلى الحكم على مسار الدعوة، ولكيلا تثبِّط الظروف الطارئة بعد الوصول عزائِم كانت معقد الآمال.

نعم نحن في حاجة إلى النظر في ثنائية تقضي وقوف رجال الدعوة وعلماء الأمة بجانب مطالب العدل والاستقامة والخلق والدين عينا رقيبة على الحكم ليشتغل أهل الحكم التنفيذي مديرو دواليب الدولة بتسيير دواليب الدولة وإدارة مؤسساتها تحت مراقبة يمارسها الشعب وتنطق بها الدعوة وتراقب وتحاسب.

ثنائية لا تضع الدعوة في أسنان دولاب الدولة فتجرها جرا وتطحنها طحنا. ثنائية تحمي رجال الدعوة من دخول حلبة الصراع على السلطة الحكومية حتى لا يصبحوا منتوجا من منتوجاتها فتفسدهم إفسادا.

طالع أيضا  الهيئة المغربة للنصرة تدعو الأمة إلى "فتح واجهة الدعاء" نصرة للأهالي في فلسطين والأقصى (بلاغ)

ثنائية لا تعني قطيعة وفصلا بين الدعوي والسياسي ولا تعفي رجال الدعوة من التهمم بأمر الأمة ومطلب العدل لأن السياسة جزء من شأنها لا كل شأنها، بل قد تضحي الدعوة ببعض رجالها للتصدي للشأن العام لا كل رجالها، بما فيه الحضور على مستوى الحكومة حين تقتضي الحكمة ذلك.
إن شأن الدعوة أوسع وأشمل من أن يختزل في الشأن السياسي وإن فضاء حضور رجال الدعوة أوسع وأرحب من الغرف المظلمة لمؤسسات الدولة، وهذا لا ينقص من أهمية السياسة في شيء ولا من قدر رجالها.

✴ الميثاق والمرحلة الانتقالية:

كما أن هذه التجارب المريرة تفرض علينا التأمل في ضرورة تأسيس المرحلة الانتقالية بميثاق يشارك فيه الجميع ويتوافق حوله الجميع على مرأى ومسمع من الشعب لبناء الثقة قبل الاحتكام لصناديق الاقتراع والقوة العددية التي قد تغيب موازين القوة الأخرى، سواء أثناء صياغة الدستور أو في معركة الاستحقاقات الانتخابية.

ميثاق يحدد طبيعة المجتمع والدولة التي نريد جميعا ويؤسس لتعددية لا تقصي أحدا من أبناء الوطن، ويؤكد على مزايا آليات الديمقراطية في التداول وفصل السلط…

ميثاق يناقش طويلا أمام الشعب ويحضى بمباركته ليخرجنا من الغموض والإبهام والنـزاع في الظلام إلى الوضوح والمسؤولية.

لكن تحقيق هذه المعادلة والثنائية ليس بالأمر السهل، ودونه تحديات في الاجتهاد وفي التنزيل تتطلب منا جهدا فكريا وجهدا ميدانيا يدعمه التوفيق الإلهي، فلله الأمر من قبل ومن بعد.