في مثل هذه الأيام من كل عام… ومباشرة بعد عيد الأضحى كانت تعود قوافل الحجيج… فإذا في كل مدينة مهرجان، وفي كل حي احتفاء ومأدبة.

كانت الاحتفالات تنتقل بسلاسة من مدينة إلى أخرى، وكأنما المدن في سباق بالتناوب. فكلما تسلّمت مدينة العصا بدأت احتفالاتها… فتحتفي المدن في انتظام عجيب وسرّ غريب.

حتى ولو لم يكن لك شوق إلى البيت الحرام… حتى ولو لم تحدث نفسك بزيارة خير الأنام… حتى ولو لم يكن لك علم بموسم الحج ولا همّك شيء من أمر الإسلام… فإن تلك الأسراب من السيارات والشاحنات من مختلف الأحجام، والمزركشة بشرائط من مختلف الألوان والتي يحيّيها الناس بإجلال واحترام… وتلك الزغاريد الشائقة التي تشقّ حجاب الغفلة من نساء كواهنّ جمر الشّوق الحام… تذكرنا جميعا بأن هناك شيئا متميزا وجب به الإعلام.

وإني والله رأيت شبابا من الغارقين في الفتنة، وكهولا من أهل السكر والإدمان، ما إن ينزل الحاج من السيارة التي كانت تقله حتى يسرعوا إليه بالأحضان… يسألونه الدعاء لهم أن يرزقهم الله التوبة وحسن الختام…

كنا في كل عام نذهب على جناح الشوق إلى المطار… ننتظر ضيوف الرحمان من معارفنا وسكان مدينتنا…

كان ذلك يوما مميزا في السنة… كان عرسا لا كباقي الأعراس.
كنا ننطلق قبل هبوط الطائرة بساعات… فنحضّر أجواء استقبال قلّ نظيره… إذ كنّا نعتبر أن هؤلاء الذين طافوا بالبيت العتيق… وزاروا الحبيب المصطفى وسلّموا على الفاروق والصّدّيق… ووقفوا بعرفات… وتعرضوا لتلك النفحات… لهم أفضل من فاز… وأحسنَ الميداليات حاز.

كنا نهتبل بخروج أول حاج… فنسرع إليه بكؤوس حليبنا، وأطباق تمرنا، وابتسامة ثغورنا، ودفئ أحضاننا، واستعدادنا لأي خدمة يطلبها منّا…

كناّ نسأله الدعاء… ملتمسين الخير من أهل الخير… معظمين شعائر الله عز وجلّ.

طالع أيضا  فضل ليلة النصف من شعبان

كانوا بوجوههم المستنيرة، وأجسادهم النحيفة، يلهبون حماسنا، ويزيدون شوقنا… حتى لكأننا نراهم يطيرون ولا يسيرون… فكنا نغبطهم… ونسأل الله أن لا يحرمنا الحج المبرور و السعي المشكور و زيارة الحبيب في قريب.

كان هذا الاحتفاء يستثير فضول الناس… ولقد حدث أننا ذهبنا لاستقبال أحد إخوتنا فلما رأى أهله من مدن أخرى حفاوة استقبالنا، وكثرة أعدادنا، وسمعوا لذيذ أناشيدنا، وترانيم تلبيتنا… انبهروا.
ثمّ سألوا حاجّهم… هل جاء كلّ هؤلاء لاستقبالك؟ قال نعم… قالوا هل قطعوا مسافة 150 كلم ليستقبلوك أنت؟ قال نعم… قالوا لنعم الإخوة هم.

قبل مجيء هذه الجائحة… كنا كالعادة في المطار ننتظر أحبابا لنا من مدينة أخرى. وكنا مستقبلين باب الخروج متيقظين لئلا نضيعهم. التفتُّ خلفي فرأيت شيخا في السبعينات من عمره واقفا بعيدا، يرقب خروج ضيوف الرحمان. فيهتز طربا كلما خرج أحدهم. تشعّ من عينيه إشراقة عجيبة، ثم تمطر العينان فيكفكف الدمع بطرفي جلبابه. يبتسم… يبكي… اختلطت المشاعر… هذه الظواهر والله أعلم بالسرائر.

والله ما أدري كيف ولا متى. لكني وجدت نفسي إلى جانبه. تابعت معه الأحداث من موضعه، ثم هتكت حجاب الصمت بيني وبينه وقلت: هل خرج من تنتظر؟ أجابني في هدوء عجيب: أنا لا أنتظر أحدا. قلت: وما الذي جاء بك إلى المطار؟ قال: يا ولدي… أنا منذ عشر سنين وأنا كلّما جاء موعد رجوع حجّاج مدينة آسفي إلا وسألت الله تعالى ألا يحرمني استقبالهم في المطار. فيسخر الله لي من آت معهم. فأجلس في هذا المكان بالضبط وأراقب ما يجري… والله تعالى وحده يدري ما يتزاحم من الخوالج في صدري. أمنّي النفس بعطاء الكريم الوهاب، أن يجود –سبحانه- بالجواب على سؤال ألححت به عليه سنوات طوال، ألا يقبضني حتى أحجّ وأرى البيت الحرام، وأصلي خلف المقام، وأقف في عرفات، وأرتوي من تلك الرحمات، وأكحلّ عيني برؤية القبة الخضراء، وأقف مسلّما على أبي الزهراء.

طالع أيضا  مثل المؤمن في الدنيا

أمنّي النفس بأن أكون أنا الخارج من ذاك الباب، أضمّ إلى صدري الأهل والأحباب، وأحرض الأصدقاء والأصحاب، حتى يزوروا خير البقاع.

أزّ جوفه، أرعد صدره، ثمّ أمطرت عيناه، وقال: طالت عليّ-يا بني- هذه السنين العجاف… فادع الله لي أن يجود بعام المنح والألطاف، عام أغاث فيه بسعي وطواف، وسقيا زمزم، والتزام الملتزم، وزيارة كامل الأوصاف سيد الأشراف.

بلتني دموعه… أحرقتني نار شوقه… قلت وا أسفي… أين شوقي من شوق هذا الشيخ المحبّ من آسفي؟

أين همّي من همّه… وبغيتي من بغيته… وأمنيتي من أمنيته؟
رحم الله الإمام المجدد سيدي عبد السلام ياسين جاءه أحد الأحباب وقد عاد للتوّ من رحلة الحجّ. فسأله الإمام: كيف قضيتم حجكم وكيف كانت رحلتكم؟ فأجاب الحاج: الأجواء يا سيدي هناك رائعة… فقال الإمام بحكمة الشيخ المربي: يا بني الأجواء هاهنا… وأشار إلى قلبه.

مضى عامان دون أن يحجّ الناس… مضى عامان دون أن نعيش فرحة ذهاب ضيوف الرحمان ولا فرحة عودتهم ولا لذة تلك الأجواء المصاحبة لهم… فهل يميت هذا شوقَنا إلى بيت ربنا؟ وهل يطفئ هذا المنع جذوة حبّ نبينا؟ معاذ الله… الأجواء هاهنا.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وحزبه.