“لَحْمار حْماري، وأنا راكب من اللَّـــوْر”، مثل شعبي مغاربـي مرة أخرى تأكيدا على التقارب الثقافـي بين شعوب المنطقة المغاربية؛ وهو من أكثر الأمثال تداولا بين الفئات الشعبية البسيطة، وهو كغيره من الأمثال يتميز بحمولة دلالية عميقة، مع الإشارة إلـى رواية جزائرية للمثل استُبدل فيها لفظ الحمار بــ”العَوْد”/الحصان.

لقد جرت العادة أن يقود مالك الحمار أو الحصان دابته، لا أن يكون الرديف أي الراكب خلف القائد والذي هو في هذه الحالة غير مالك الدابة؛ في إشارة إلـى وجوب تصرف المالك فيما يملك، لا أن يصبح مجرد شريك وربما الأقل حظا ونصيبا من عائدات ثروته أو مما يملك عموما. لذلك، جاء المثل ليفضح هذا الاختلال قصد تصحيحه.

وإذا كان الأمر واضحا بهذه البساطة على مستوى الأفراد، فإن إسقاط المثل علـى ثروات الشعب ومقدراته يكشف هول ظلم كبير؛ ثروات تُدر مداخيل بملايير تكفي لاستئصال الحرمان والهشاشة والفاقة والخصاص وما شئت من قاموس البؤس والتخلف، لو كان العدل مقياسا وآلية لتوزيعها، لكن منطق “الراكب الرديف” حَرَمَ الشعبَ من ثرواته بمقتضى قِسمةٍ جائرة وضِيزى.

وإذا كان حراك الربيع العربي ذا مطلبي اجتماعي بالدرجة الأولى، فقد شجب الحراك الفبرايري (2011) اختلال عمليات توزيع ثروات الشعب ومقدراته، ومن أبلغ ما رُفع يومها من شعارات شعار: “الفوسفاط وزُوج بحورا.. والعيشة عيشة مقهورة”. وقياسا على المثل نقول بلسان حال الشعب: الثروات السمكية ثروتي، فأين نصيبي منها تغذية وعائدا؟ فهل يُعقل وأنا أملك كل هذه الثروات السمكية، أن يكون ثمنها أرخص في البلدان المستوردة مما عليه عندنا؟ ومع الثروة السمكية الفوسفاط وما أدراك ما الفوسفاط، لا يكاد يعرف المواطن في المدن المجاورة لمواقع الإنتاج إلا التلال من الأحجار والأتربة المتراكمة وغيوم الغبار المتصاعد بعد عمليات الحفر والغربلة، أما عائداته فعلمها عند الله تعالى أولا، وعند المتصرفين فيها حصرا. وبعد الفوسفاط معادن نفيسة تتركز مناجمها في جنوب المغرب الشرقي يلفها التكتم مقدراتٍ وحجمَ إنتاج وعائداتٍ، بالمقابل تعتبر هذه المناطق بؤر الفقر والحرمان والهشاشة، إلـى درجة تفرض تعديل صيغة المثل إلـى “لحمار حماري وأنا غادي على رجْلي”.

طالع أيضا  في عز الحملة الانتخابية.. زيادات صادمة في مجموعة من المواد الاستهلاكية الأساسية

ومع هذا الحجم من الثروات تنضاف ثروة جديدة، حيث تفيد التقارير خلال السنة الجارية (2021) بأن المياه البحرية المغربية المحاذية للأقاليم الجنوبية تتوفر على احتياطيات هائلة من المعادن والغازات الأساسية في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية واللوائح الشمسية والهواتف الذكية؛ ثرواتٌ دفعت القوى العالمية لتتسابق على من يستفرد بمقدرات الشعب.

هي إذن ثروات ومقدرات الشعب لو توفرت شروط حكامة راشدة استثمارا لعائداتها في مشاريع تنموية لكانت كافية لتحقيق عدالة وكرامة وحرية تؤسس لاستقرار وسلم اجتماعيين؛ سلم واستقرار يرسخ الشعور بالثقة فـي نظام الحكم قعّد له أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب بالقسمة العادلة لا الضيزى، فقد دأب رضي الله عنه أن يخطب في الناس يوم الجمعة بعد الحروب والفتوحات، وحدث أن قام يوما خطيبا بعد توزيع الغنائم فقال: “أيها المسلمون، اسمعوا وأطيعوا”، فإذا رجل من الحاضرين يقف صارخا: يا عمرُ، لا سمعَ ولا طاعة، لقد قسمت بيننا الأموال والأثواب بالعدل وآثرت نفسك بثوبين. فنادى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولده عبد الله ليقوم واقفا، ثم توجه إلى المعترض قائلا: “هذا ثوب عبد الله أهداني إياه لطول قامتي وآثرني على نفسه”. فرد الرجل: إذن، نسمعك يا عمرُ!

والحمد لله رب العالمين.