بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه
تجتاز الأمة الإسلامية مرحلة عصيبة ومحنة حقيقية. فأرضها مستباحة، وخيراتها منهوبة، وكرامتها مدوسة، وقرارها بيد غيرها لابيدها. تكاثرت عليها الأرزاء، وتزاحمت عليها سهام الأعداء، وأنهكتها الأزمات، لا تكاد تخرج من واحدة حتى تحل بساحتها أخرى وثانية وثالثة بل العشرات. وأصبح يهزأ بها القاصي والداني، ويسخر منها الحاضر والبادي، ويتجرأ عليها شذاذ الآفاق والأنذال من كل جنس، ويسفه أحلامها ومقدساتها سقط الناس والسفلة من كل قوم، بالرسم والصورة والكلمة المكتوبة والمسموعة. تتعرض للابتزاز والإهانة في المحافل والمنتديات فلا ينتصر لها أحد، وتكره على اتخاذ مواقف والدخول في معامع دون أن تدري أو تسأل لماذا. أرضها أصبحت ملاذا آمنا للئام وفاسدي الذمم لإقامة مشروعاتهم المشبوهة، ومجالا خصبا يسيل له لعاب الخصوم والأعداء، وحتى الأصدقاء، إن وجدوا، على حد سواء.
ولو كانت هذه المحنة من تدبير أعدائنا وحدهم لما كان هناك من داع للاستغراب. ذلك أن المكر منهم متوقع، والكيد والتآمر من قبلهم هو الأصل، ومن السذاجة أن ننتظر منهم غير ذلك، لاسيما الذين يعتبرون أن الدنيا صدام وصراع، والبقاء فيها للأقوى والأدهى، أما الحديث عن الإخاء والعدل والإنصاف فضلا عن الآخرة والجنة والنار فحديث خرافة ليس إلا.
لكن المؤلم حقا أن يكون ضالعا في هذه المحنة، ومشاركا في صناعتها إلى حد بعيد، شرذمة من الحكام الذين قال فيهم الشاعر:

أغاروا على الحكم في ليلة.. ففر الصباح ولم يرجع
قوم تسلطوا على رقاب المسلمين بغير رضاهم ولامشورة منهم، فساموهم الخسف ومنعوهم النصف، وقربوا المحاسيب والمتملقين، وأقصوا أهل العلم والمشورة والرأي، وبذروا ثروات المسلمين فيما لاطائل وراءه، وأعطوا ولاءهم للمستكبرين، وفتحوا الباب على مصراعيه للصوص الجشع الدولي مقابل منتجات التافه فيها والفاسد أكثر من الصالح المفيد، أو مشروعات الفاشل منها والمفلس أكثر من الناجح النافع. لاعجب أن يطول تخلفنا، ويزداد فقرنا وبؤسنا، ويكثر جوعانا ومرضانا، ويتنامى العاطلون فينا، وتسترخص هجرة الأوطان، وتتفشى السلبية والخمول، وتنشأ القابلية للرضوخ للطغيان، والقبول بالدون، والتأثر بالخرافات والدعايات السخيفة.
ويزداد القلب كمدا وألما حين نعلم أن هذه الأمة قد حباها الله عز وجل بمقومات ومزايا كثيرة لو استثمرتها كما ينبغي، وأحسنت إدارتها كما يجب لكان حالها خيرا مما هو كائن، ولاستطاعت أن تنهض بمسؤوليتها تجاه نفسها والعالم، فتكون خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله. لديها من الخيرات الظاهرة والمذخورة، والموارد الهائلة والمتنوعة، والإمكانات الواسعة، وفوق ذلك معها رسالة الإسلام، ورحمة الإسلام، ومعها القرآن الكريم الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تأتلف به القلوب، وتستنير به العقول، وتزكو به النفوس، وتطمئن به الأفئدة، وتتآخى به الشعوب وإن اختلفت لغاتها وألوانها وأعراقها.
إن أمة بهذه المنح الربانية حري بها أن تكون رأسا لا ذنبا… تتمة المادة على موقع ياسين نت.

طالع أيضا  8 سنوات على رحيل الإمام ياسين.. رجل لا يغيب ومشروع لا يخبو