انفرد الألمان طيلة القرن العشرين بنظرتهم الفينومينولوجية لكل المواضيع والمفاهيم خاصة منها الميتافيزيقية. ولكي يتحقق مثلا الإمساك بمفهوم الحرية، فإن هذه المدرسة لم تسلك مسلك نحت المفهوم والتواضع عليه، بل إنها سلكت طريق تتبع ظاهرة الحرية كفعل هنا والآن، في أفق تجميع صورته المبعثرة في الواقع وفي الممارسة العملية. وبالتالي نجحت هذه المدرسة في تجاوز الهوة التي نتجت بين المفاهيم الميتافيزيقية كالعدالة والحرية والكرامة وبين تمظهراتها في الواقع. وقياسا على هذا الأمر، وتوظيفا لهذه المقاربة سأحاول تقديم فهم وليس مفهوم للسياسة والحكم مستدلا بالوقائع التي تؤسس لهذا الفهم. عندما نتأمل في كل أنماط الدول حالا وتاريخيا على اختلاف أهدافها وغاياتها، سَنَخلُصُ أن الحكم يعني بسط النفوذ والسلطة، وأن السياسة هي الكيفية التي يتم بها التحكم في وضع بلد ما. بالتالي فإن أي غياب للسلطة يعني غياب الحكم، وانظر مثلا وضع المغرب زمن الأمير مولاي حفيظ طويلة عقود ”الحماية“ ستستنتج أن وجود الحاكم لا يعني وجود الحكم. لهذا السبب نجد أن ماكس ڤيبر السوسيولوجي والفيلسوف الألماني قد لخص السياسة قائلا: ”هي ممارسة السلطة وتوزيع السلطة“. بالتالي فإن السياسي (le politique) معناه امتلاك السلطة، وامتلاك القدرة على توزيعها. وبناء عليه نفهم عن ماكس ڤيبر أن أي رجل سياسة لا يمتلك سلطة حقيقية فهو مجرد أداة سياسية تكون رهن إشارة من يمتلك وسائل إنتاج فعل السلطة. وباستحضارنا لهذا الفهم المتميز للسياسة والحكم، سنستشف أن معظم التنظيمات والهيئات الحزبية في الوطن العربي خصوصا، والعالم المتخلف عموما، لا تمارس السياسة البتة كونها لا تمتلك السلطة من أصله. فهي إذن مجرد أدوات سياسية تؤثث المشهد السياسي، وتستعمل كمنظف لخطايا وآثام وجرائم الممارسين الحقيقيين للسياسة، وفي أحسن الأحوال تستعمل كواقي للحاكم والمالكين الحقيقيين للسلطة. لقد كان ماكس ڤيبر يروم من تفكيكه لظاهرة الحكم والسياسة، التأكيد على ضرورة تحرير ”الحكم“ ومن تم تحرير “السياسة”. لقد استعار ڤيبر من كارل ماركس مفهومي وسائل الإنتاج وتوزيع الإنتاج. فأي ثورة لا تصل إلى امتلاك وسائل الإنتاج، ولا تتحكم في توزيع الإنتاج وفائض الإنتاج بطريقة عادلة، لا يمكن أن نعتبرها ثورة وإنما مجرد كارناڤال على حد قول ڤيبر. هكذا فعندما نُسقِط هذا التحليل على السياسة، فإننا ستستنتج أن عدم امتلاك وسائل السلطة من جيش وأمن وقضاء ثم بعد ذلك باقي المؤسسات، يجعل أي حزب خارج الإنتاج الفعلي للسياسة. ولأن هذه المؤسسات حاسمة في إرساء استقرار الحكم والسلطة والسياسة، فإن ڤيبر يدعو إلى جعلها تتبنى عقيدة الحياد، وأن تكون مهمتها الأساسية السهر على حسن تطبيق الدستور والقانون، وأيضا السهر على عدم انزلاق الصراع السياسي إلى حرب داخلية، لهذا نجد أن ڤيبر يدعو إلى تفرد هذه الأجهزة لوسائل العنف المشروعة.

طالع أيضا  هيئة النصرة: تنامي أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني ضرب لهوية الشعب المغربي (بـيـان)

وقد يتساءل القارئ لماذا كل هذه المقدمة الطويلة والمفصلة؟ والجواب هو التأكيد على أن الثورات التي وقعت في الوطن العربي، لم يصل روادها إلى الحكم ولم يشموا رائحته، صحيح أنه منهم من تقلد الرئاسة، ومنهم من تقلد الحكومة، ومنهم من تقلد البرلمان، لكن لا أحد منهم مارس السلطة، أو امتلك حرية القرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. ولهذا فالأحزاب والهيئات التي نجمت عن الثورة وُضِعَتْ في الواجهة كي تتحمل كل أوزار ”ما بعد الثورة“. إن الجماهير لم يكن هدفها الإطاحة بالحاكم، بل كان هدفها الإطاحة لمنظمة الحكم التي أنتجته البؤس والفقر والفساد والتسلط والحرمان… لكن التخلي والتنازل عن النَّفَسِ الثوري، وتبني خطاب التدرج والإصلاح بعد أي ثورة، يسمح لأصحاب السلطة القديمة لالتقاط أنفسهم وإعادة تموقهم في المشهد السياسي، سيما وأنهم يعرفون جيدا دواليب الحكم وسراديب السياسة، كما أنهم على دراية بالواقع الإقليمي والدولي، ويمكنهم استثمار الإرث الدبلوماسي لحشد التأكيد والعودة إلى الحكم والسلطة. لا شك أن السياسيين الجدد الذين أفرزتهم ثورة الشارع، أو ثورة صناديق الاقتراع، يكونون مشبعين بالطوباوية والمثالية المفرطة، إذ يعتقدون أن الجماهير معهم وأنها مستعدة الصبر معهم، وأن قيم الثورة فوق مطالب الخبز والشغل والتعليم… فهؤلاء لا يدركون أن فيالق النظام القديم لن تسلمهم مفاتيح السلطة، ولن تسمح لهم بأي إنجاز، لأنهم يراهنون على إفشال التجربة وتكوين موجة غضب عارمة تسقط رواد الثورة خاصة الحزب الذي كان يترأس المشهد. ولننظر مثلا إلى واقع تونس، أليس رئيس الدولة هو من يختار رئيس الوزراء، وهو من يختار وزراء حكومات السيادة؟ بالتالي فالمنطق يقول أن الرئيس هو المسؤول عن فشل أداء الحكومة. لكن المضحك في مثل هذا المشهد أن الرئيس يتهم من اختاره بالفساد المالي والإداري، بل يدعو إلى محاكمتهم ومتابعتهم. وهذ يدل أننا أمام مشهد محبوك متفق عليه مسبقا، مفاده تعطيل المؤسسات وعدم الإنجاز، حتى لا تكتسب الثورة شعبيا مشروعية الإنجاز. وبناء على ما سبق، فإن إشراك فلول النظام السابق في ركوب قارب الحكم وتمكينه من أدوات التجذيف، هو خطأ استراتيجي، وهو انتحار سياسي ساذج.

طالع أيضا  لماذا تقاطع العدل والإحسان الانتخابات؟ شاهد لتعرف (فيديو)

وختاما نقول أن أي مكون سياسي أيا كان توجهه علماني، لبرالي، إسلامي، يساري، قومي، وطني… إذا لم يستوعب ماهية الحكم وماهية السياسة في كونهما يتجسدان في امتلاك السلطة، سلطة القرار وسلطة الموقف، وسلطة تنزيل البرامج والمشاريع، وسلطة التصدي للفساد والظلم، وسلطة الإنجاز… فإن هؤلاء سيضلون مجرد أدوات سياسية، ومجرد كراكيز ودمى في مسرح العرائس. فإما أن يمتلك الحزب وسائل السلطة والقدرة على توزيع السلطة وممارسة السلطة، وإما أن يترك المركب للفاسدين حتى يتبين الشعب فسادهم ولا يُستعمَل كمساحيق سياسية لتلميع صورة الاستبداد والفساد السياسي.

إن ما نعيشه خلال هذا العقد من انقلابات هو نتيجة طبيعية لسوء فهم الدولة والحكم والسلطة والسياسة.