فكرة الدستور في نشأتها وجوهرها تقوم على وضع حد للحكم الفردي والفصل بين السلط وضمان الحقوق الحريات، لذلك فالابتعاد عن هذه الأسس هو ابتعاد عن فكرة الدستور في أصلها وجوهرها.
وعند الابتعاد عن تلك الأسس، أو استبعادها، يكون الحديث عن التشبث بالدستور وبالقانون مجرد ادعاء، ولا يكون الحديث عن تأويل الدستور تأويلا سلطويا فحسب، ولا حتى تأويلا دكتاتوريا، ولكنه خروج عن الدستور وعن قواعد التأويل نفسها. إنه الدكتاتورية بعينها.
اللحظة هي لحظة السياسيين والمثقفين، الذين ينبغي أن يتحملوا مسؤوليتهم في حماية الديمقراطية، وتحقيق قوة دفع لحمايتها…أما كلمة الشعب فهي كلمة هلامية….والجميع يتلاعب بها الٱن…في مصر تحدث السيسي عن التفويض الشعبي….وقيس يتحدث عن الشعب وأعداء الشعب ومحاكمة من ينهبون خيرات الشعب…..موسوليني وهتلر استعملا أيضا ورقة الشعب والنتيجة : النازية والفاشية….الشعب يقاس بقواه الحية ومؤسساته ووعيه وسلوكه المدني، ومتى كان الشعب أفرادا كان في ذلك دعم للحكم الفردي…
في حوار خاص مع أكاديمية تونسية، أحترمها كثيرا، قالت: “الكثير من المثقفين والأكاديميين مع ما حصل البارحة”. الذي أخشاه، ويخشاه الكثير من المتتبعين لتجربة الأمل التونسية، أن تكرر نفس تجربة مصر، إذ كانت الخصومة مع الإخوان المسلمين مبررا للتحلل من الديمقراطية والعهد الدستوري والانسياق وراء الدكتاتورية التي اكتوى الجميع بقمعها في ٱخر المطاف.
لا شك أن للنهضة أخطاؤها…لكن من الخطأ جعلها المسؤول الأول والأخير عن حالة الانحباس السياسي والهشاشة الإقتصادية والاجتماعية التي عرفتها وتعرفها تونس…والخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأن الحل لمشاكل تونس يكمن في القضاء على النهضة أو عزلها بهذا الذبح للديمقراطية والخروج عن الشرعية الدستورية.
الذي يطلب من السياسيين والمثقفين ليس الاصطفاف مع النهضة أو عدم مخاصمتها ومدافعتها…ولكن يطلب منهم رفض استعمال ورقة النهضة لتحقيق انتكاسة في المسار الثوري والديمقراطي…إن خصومة مع وجود الدستور والالتزام بالاحتكام إليه أفضل بكثير من تحالفات واصطفافات في سياق الانقلاب عليه والتحلل منه..
قالت الأكاديمية التونسية: “هذا أمر مؤقت”…قلت هذه لعبة أخرى من ألاعيب التمكين السلطوي…ولننظر ما حدث في مصر….ماذا كان يقال في البداية وماذا كانت النهاية!؟

طالع أيضا  إسهام الإمام عبد السلام ياسين في ترشيد العمل الإسلامي بالمغرب (1)