“للـّي بْـغَـا الگراب فـي السمايم يتصاحب معاه فـي الليالـي” مثل شعبي مغاربـي رائج مع بعض التغييرات اللفظية فرضها اختلاف اللهجات، وإلا فالـمضمون واحد. وقبل الخوض فـي الدلالات نقف عند ألفاظه الـمفاتيح، ومنها:

الگرّاب: أو القرّاب نسبة إلـى قِرْبة  الـماء، وهو بائع الـماء فـي الأسواق القروية تحديدا، وفـي الساحات العامة عموما، يتجول بزيه التقليدي الـمزخرف متبطئا قِربة لافتا انتباه الناس بصوت جرسه مصحوبا بعبارته الـمشهورة “آآآبَرّدْ أعطشان”. والگرّاب فـي الذاكرة الشعبـي رجل بشوش خدوم يراهن علـى كرم الزبون اعتقادا منه أن الـماء لله، وتقديمه للناس هو مساعدة أكثر منه “عملا” يستحق الـمقابل.

السمايم: هــي أربعينية فصل الصيف شديدة الحرارة، ورياح “الشرگـي” اللافحة. تبدأ من الخامس والعشرين من  يوليوز، وتنتهـي فـي اليوم الثانـي من شهر شتنبر، تقابلها “الليالـي” وهــي أربعينية فصل الشتاء شديدة البرودة، تبدأ من الخامس والعشرين من دجنبـر، وتنتهـي فـي اليوم الثانـي من شهر فبراير. ونظرا لشدة حرارتها وشدة الحاجة للماء فيها، ارتبط اسم “الگرّاب” بالسمايم.

منطوق الـمثل واضح، أي أن من أراد كسب وضمان خدمة بائع الـماء، حين يشتد الحر، ويكثر الازدحام على طلب الـماء فـي الأسواق، فلْيصحبه، أي لِيحسن إليه فـي عز الشتاء، حيث يقل الطلب علـى الـماء، فـي إشارة إلـى البعد التضامني بعيدا عن المنطق النفعي؛ بعدٌ يرتكز على الاستشعار بظروف الغير وحاجته إلـى الدعم والـمساندة؛ بعدٌ تضامني يسعف فـي ضمان استمرار جميع الخِدْمات تلبية للحاجيات المجتمعية، فتجاهلُ معاناة “الگرّاب” مثلا عند تراجع الطلب علـى الماء شتاءً، من شأنه أن يدفعه لترك هذه “الحرفة” التي تتوقف عليها حياة مرتادي الأسواق في البوادي صيفا، لا سيما مع ندرة المياه، وقبل مرحلة تصنيع المياه وتوفيره فـي قنينات من مختلف الأحجام. وما قيل عن معاناة بائع الماء ينسحب على جميع الخدمات الإنتاجية: بائعو الخضر والفواكه واللحوم مثلا.

طالع أيضا  دة. اجغالف: فكر الأستاذ ياسين منفتح ومعتدل يروم إسماع فطرة الإنسان ونبذ كل أنواع العنف

ومن أكثر المجالات استعمالا لهذا المثل الاستحقاقات الانتخابية، حيث يواجه به المرشحون للانتخابات الذين يتظاهرون بحمل هموم المواطنين والتهمم بقضاياهم سعيا لكسب تعاطفهم والفوز بأصواتهم الانتخابية، والحال أنه كان يجب تفقد أحوالهم والسعي لتوفير حاجياتهم خلال الولاية الانتخابية، وليس خلال الحملة الانتخابية فقط.

دلالة ثانية لهذا المثل الشعبي تتجلـى فـي البعد الاستشرافـي لما يُقبل عليه الناس، فما يُرجـى إنجازه أو تحقيقه خلال فصل الصيف، يجب الإعداد له وتوفير شروط إنجازه أو تحقيقه قبل ثلاثة أشهر علـى الأقل، أي خلال فصل الشتاء. بعدٌ استشرافـي يختلف مداه الزمني بحسب طبيعة الأعمال طولا أو قصرا، وفـي نفس السياق يقول الـمثل الشعبي: “دجاج الخميس كيْـتكتّف الأربعاء”، أي أن الدجاج الـمرادُ عرضه للبيع يوم الخميس يجب أن يجري تجميعه وتجهيزه وتقييده مساء يوم الأربعاء. وفي نفس السياق يقال: “سْبقْ الوقت جِـي فيه”.

إن التخطيط وفق معاييره العلمية أضحـى عنوانا للنجاح، حتى قيل: “من لا يخطط فإنه يخطط للفشل”. فإنه أكثر ملحاحية فـي حياة الشعوب والأمم، وعلـى ضوء نجاعته تشخيصا للواقع وتوفيرا لشروط التنزيل ومنها توفر الإرادة الجماعية فـي إطار مشروع تحرري تَتَحقّق النتائج المرجوة. ومتى كان الارتجال والتخبط سمة التدبير أهدرت فرص النجاح وتكرس الإخفاق والتخلف وتفاقمت الأزمات وهُدد الاستقرار والسلم المجتمعيان.

وإذا كان التخطيط والاستشراف مطلوبا استثمارا للإمكانيات، وحشدا للتعبئة، وشحذا للهمم، يبقـى توفر الإرادة والقرار السياسي العامل الحاسم فـي تحويل المشاريع والرؤى منجزات وواقعا ينعم فيه الـشعب كل الشعب بالكرامة والحرية والعدالة فيتعزز الولاء للوطن، أو تغدو الـمشاريع وما يسمى رؤى استراتيجية فـي غياب الإرادة والقرار السياسي للإصلاح أداة لتسويق الوهم والالتفاف علـى المطالب التنموية والانتظارات الشعبية، فتتوالـى المشاريع وتتغير العناوين ويهدر الزمن التنموي ولا تنمية.

طالع أيضا  حب الله ورسوله.. محبة رسول الله هي العروة الوثقى -2/2-

وختاما، وإذا كان السبيل لتأمين خدمة “الگراب” فـي الصيف حيث يكثر الطلب علـى الـماء هو تفقد بائع الـماء والإحسان إليه في فصل الشتاء، أي هاته بتلك، مصلحة متبادلة ضابطها هو اعتبار ظروف  كل طرف؛ فإن ضابط تأمين حفظ الله ورعايته وتسديده عند الشدائد يتطلب طرق باب الـمولى الكريم تضرعا وافتقارا وسؤالا فـي أوقات الرخاء. عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سـرّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب، فليكثر الدعاء في الرخاء”، وقوله صلى الله عليه وسلم: “تـــعــرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة”.

والحمد لله رب العالمين.