“لفقيه للّي نتسناو براكتو دخل للجامع ببلغتو”، أو  “لفْقِيهْ الِّلي نَتـرْجَاوْ بَرَاكْتُو صَبْنَاهْ فـِي الجَّامْعْ يَشْطَحْ بِبَلْغْتُو”، مثل شعبـي مغربـي بامتياز يرصد انحرافا فـي سلوك وانزياحا عـن الـمتوقع من “لفقيه”.  وتسهيلا لفهم الـمثل، نقف عند ألفاظه الـمفاتيح:
ü      “لَفْقيه” أو الفقيه من الفقه والتفقه وهو الإحاطة بأمور الدين، يؤم الناس فـي الصلاة والجُمع، يؤطر الـمناسبات الاجتماعية أعراسا ومآتم وغيرها، ويُفتـي فيما يشْكل علـى الناس، ويصلح ذات البين، وهو بهذه الصفات والوظائف نموذج للاستقامة وصلاح السلوك.
ü      “نتسنّاو أو نَتـرْجَاوْ” بمعنى واحد: نرجو ونأمُل وننتظر.
ü      “صَبْنَاهْ”: وجدناه، عثرنا عليه.
ü      “يَشْطَحْ”: هــي كلمة فصيحة، والـمراد بها هنا: يرقص، يلهو. 
ü      “براكتُـو” أي بركته والـمقصود هو صلاحه واستقامته قولا وسلوكا وعملا.
ü      “بلغتُو” أي نعله.
ü      الجامع: التسمية العامية للـمسجد، وهـي الأصح والأنسب اعتبارا لوظائفه: فيه يجتمع الـمسلون لأداء الصلوات الخمس والجُمع، وفيه يجتمعون للتداول فـي القضايا الاجتماعية. هو إذن مكان الاجتماع والانجماع على الله تعالـى. وبهذه الوظائف كانت الـمساجد بيوت الله، لها حُرمتها ومكانتها الاعتبارية، ولذلك صُنف ولوج الفقيه إلــى الـمسجد بنعله سلوكا مشينا.
وحيث إن الفقيه هو رمز للصلاح والاستقامة، اعتبر سلوكُه انحرافا يخدش فـي نموذجيته ومكانته لدى الناس؛ انحراف أشبه بانفصام في شخصيته، وسقط فـي نوع من “الشيزوفرينيا” أفقدته هيبته ووقاره. وهو ما ينطبق علـى كل انحراف أو انزياح عن الوظيفة والرمزية فـي سلوك الشخصيات العامة حيث تُسلط عليه الأضواء، وتُرصد تفاصيل خصوصيات حياته، انبهارا واقتداء من الـمعجبين، أو تتبعا للسقطات والعثرات من الخصوم والـمنافسين التماسا لذرائع التشهير والنيل منه، حسدا أو تصفية لحسابات.
الرمزية والنموذجية كالشهرة فـي عالَـمـيْ الرياضة والفن لها ضريبتها يقظة دائمة وتحرّياً لـما تقتضيه الشهرة والتميز، فكما شُجب سلوك الفقيه بولوجه الـمسجد بنعله، يواجه كل ذي رمزية بحملات الشجب والاستنكار، فالفقيه ليس مقبولا أو مستساغا منه أي سلوك غير قويم، مثله مثل من ينتسب لهيئة أمنية أو قانونية مثلا، تستهدفه سهام الاستنكار والشجب لأنه انزاح عن مقتضيات وظيفته أو مهنته عموما. فليس مقبولا ممّن يملأ الدنيا ويشغل الناس بمرافعاته منددا بالريع واستغلال النفوذ والسعي للغنى غير الـمشروع أن يُكتشف بعد حين أنه فـي قائمة الـمستفيدين من ريع الدولة وأعطيات السلطان. كما لا يقبل من فنان أو رياضي مثلا أن يشارك فـي حملات التوعية بأضرار التدخين والـمخدرات عموما، والحال أنه من “الـمستثمرين” فـي هذه البلاوي.
وإذا كان الأخذ بالرخص فـي العبادات مطلوبا شرعا، لأن “الله تعالـى يحب أن تؤتى رخصُه، كما يكره أن تؤتى معصيته”، كما فـي الحديث، فإن مقام الرمزية والقدوة يفرض علـى صاحبه اختيار معالـي الأمور سلوكا وعملا وموقفا، ولذلك قيل: “الـمُقتدى به لا يأخُذُ بالرخص”، وخلال محاكمة سيد قطب رحمه الله سأله أحد رفقاء الدرب: لـماذا كنت صريحا فـي الـمحكمة ولم تسع لتفادي عقوبة الإعدام نجاة برقبتك؟ فرد عليه قائلا: “إن التَّورِيَّــة(*) لا تجوز فـي العقيدة، وليس للقائد أن يأخذ بالرخص”.
والحمد لله رب العالـمين.

طالع أيضا  ذ. العلمي: الأنظمة اليوم أعلنت خيانة الأقصى.. وكلمة الشعوب ستعلو فوق المآذن وفي كل الشوارع

* فائدة: التورية بلاغيا هـي استعمال لفظ يفيد معنيين: أحدهما مُتبادر للذهنِ يَسهلُ إدراكه من سياق الكلام وهو غير مقصود، والثانـي خفيّ بعيد عن الإدراك، وهو الـمقصود. يقولُ تباركَ وتعالى: حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون، فكلمة “يـد” فـي هذه الآية لا تعني العضو الـمعروف من جسم الإنسان، وإنما الـمراد هو الصَّغار والذُّل، يؤكده السياق: وَهُمْ صَاغِرُون، أي أذِلَّاء،