أجرى موقع الجماعة حوارا مع الباحث في الدراسات الإسلامية الأستاذ عبد القادر فرطوطي حول الأيام العشر من ذي الحجة، تطرق فيه لفضل هذه الأيام والأعمال المستحبة فيها، كما فصل في التمييز الذي خصها الله تعالى به، وقد انطلق الضيف من قول الله عز وجل: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ 1

ووضح أن من هذه الأربعة التي عظُم زمانها عند رب العالمين وشرُفت بركاتها ونفحاتها؛ ذي الحجة الذي أودع المولى فيه عشرا جعلها أفضل الأيام برحماتها وفضلها ومكرماتها ونفحاتها.

واستند فرطوطي في تبيان فضل مثل هاته المحطات الربانية إلى أحاديث كثيرة منها قول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: “إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها لعل أحدكم أن يصيبه منها نفحة لا يشقى بعدها أبدا” 2.

وإليكم نص الحوار:

1.   هل لهذه الأيام العشر من ذي الحجة فضل على سائر الأيام؟

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه.

في البداية، أستثمر هذه المناسبة التي قلما تتاح، لأتقدم بالشكر الجزيل لموقع “الجماعة نت” بكل أطقمه على الجهد الذي يبذلونه في خدمة الإسلام والمسلمين، ثم، خاصة، على هذا اللقاء المتميز والذي يجدد الإيمان وبواعثه، ويحثنا حثا على الإخلاص والصواب في العمل ترقيا في مدارج الإحسان ومراقيه.

وبخصوص السؤال أقول وبالله التوفيق: لقد فضل الله بعض الأمكنة على أمكنة أخرى، كما فضل أزمنة على أخرى، وهكذا فضل الله سبحانه مكة والمدينة وبيت المقدس على سائر الأمكنة، كما فضل رمضان والأشهر الحرم والأيام الفاضلة، وضمنها الأيام العشر من ذي الحجة التي لها فضل على سائر الأيام، وهو تفضيل ثابت بعدة نصوص من كتاب الله وأحاديث نبيه صلى الله عليه وسلم، منها قوله تعالى مقسما بها: والفجر وليال عشر 3، والقسم بالليالي العشر هو قسم، ضمنا، بالأيام بمعنى النهار، وهو تعظيم لها وتفضيل، لأنها “أَزْمَانٌ تَتَضَمَّنُ أَفْعَالًا مُعَظَّمَةً مِنَ الْمَنَاسِكِ وَشَعَائِرِ الْحَجِّ الَّتِي هِيَ عُبُودِيَّةٌ مَحْضَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَذَلٌّ وَخُضُوعٌ لِعَظَمَتِهِ وَفِي ذَلِكَ تَعْظِيمُ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ وَإِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ” 4.

ومنها، كذلك، قوله تعالى: وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات 5، والأيام المعلومات هي الأيام العشر كما ورد عند الشافعي رضي الله عنه إلى أنها هي العشر من ذي الحجة آخرها يوم النحر 6.

أما الحديث النبوي الشريف، فيكفينا في هذا الباب ما ورد “في رواية الترمذي وأبي داود: أن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ اْلأيَّامِ الْعَشْرِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ.” 7.

هذه النصوص، وغيرها كثير، تبين بجلاء عظمة هذه الأيام وفضل الأعمال الصالحة فيها، وحرمة ظلم النفس فيها لأنها جزء من الأشهر الحرم التي قال فيها سبحانه: فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ 8، ولعظمتها وفضلها جعل فيها يوم التروية ويوم عرفة ويوم النحر ورمي الجمرات ثم إفاضة الحجيج. والله أعلم.

2.        بماذا ميزها الله عن باقي أيام السنة؟

كما ورد في ختام السؤال السالف، فإن الله سبحانه، لفضل هذه الأيام، ميزها عن باقي أيام السنة بأن جعل فيها يوم التروية ويوم عرفة ويوم النحر ورمي الجمرات ثم إفاضة الحجيج، وهذا ما أقره صاحب الفتح الباري بقوله: “والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره” 9.

ذُكر سابقا أن الله أقسم بها لمكانتها وعظمتها، وهو قسم، لا شك، ينبئ عن شرفها وفضلها، وذُكر أيضا بالحديث الذي أكد أن الأعمال الصالحة في هذه الأيام أحب إلى الله تعالى منها في غيرها، ولعل من أهم مميزاتها:

أ‌.          يوم التروية: اليوم الثامن من ذي الحجة حيث تبدأ أعمال الحج بالمبيت في منى ويستعد الحجاج للنفير العام إلى صعيد عرفات.

ب‌.       يوم عرفة: وما أدراك ما يوم عرفة، يوم ليس كسائر الأيام، يوم الإسلام وظهوره على الدين كله، فيه تغفر الذنوب، وتسكب العبرات، ويكون الرب قريبا من عباده ويمحو السيئات، بل هو يوم العتق من النار، يوم يباهي فيه الله بعباده الذين أتوه من بلاد بعيدة، تركوا المال والولد، غبرا شعثا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من يوم أكثر من أن يعتق الله عز وجل فيع عبدا من النار، من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟” 10، ولعلنا نرجع، خلال هذا الحوار، إلى هذه النقطة للتفصيل فيها أكثر.

ت‌.       ويشاء الله أن يرفع من فضل هذه الأيام، فيجعل فيها ليلة يصدق عليها وصف: “ليلة الجمع”، إنها ليلة المزدلفة، ليلة العاشر، ليلة الشكر، شكر نعمة المنعم بعد أن غفر الذنوب وخفف الأحمال والأثقال، حينها يبيت الحجاج ليلتهم بعد إفاضتهم من عرفة.

ث‌.       ويكفيها شرفا أنها وعاء الركن الخامس من أركان الإسلام، الحج، والحج يجُب ما قبله، ولا جزاء للحج المبرور إلا الجنة.

ج‌.        وقد زاد الله في تشريفها وتعظيمها بيومها العاشر، يوم النحر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن أعظم الأيام عند الله تبارك وتعالى يوم النحر، ثم يوم القر” 11.

3.        كيف يمكننا اغتنام فضل هذه الأيام؟

هذا السؤال يحيلنا إلى كل ما ذكر حول فضلها والأعمال المستحبة فيها جميعا، فلا سبيل لاغتنامها إلا عن طريق شغل أوقاتها بالطاعات والعبادات، وإلزام النفس ببرنامج يومي، ولو في حده الأدنى تربية وتنظيما وزحفا.

طالع أيضا  وهلّ رمضان

الوقت له أهمية عظيمة في ديننا، لذلك وجب استثماره في الطاعات، وتنظيمه يجب أن يكون من أولى الأولويات، وقد عرفنا في السيرة أن لنفسك عليك حق ولأهلك عليك حق ولربك عليك حق فأعط كل ذي حق حقه، وتعلمنا جميعا أن البدء بنصيب الآخرة يمر على نصيب الدنيا فينظمه تنظيما.

فإذا علمنا جميعا هذا، وعلمنا أن بالموت تنقطع الحياة إلا من الثلاثة المرجوة، فإنه يجب اغتنام هذه العشر فيما ذكر، وهو قليل، من الطاعات والقربات، خاصة الأعمال المتعدية إلى الغير، كتنفيس الكرب ونصرة المظلوم…

ولا ننس أن الذئب يأكل من الغنم القاصية، فلنبحث لنا عمن يعيننا ويساعدنا على فعل الطاعات، ولنتجنب التسويف.

وفي هذا يقول الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله تعالى -: “ما أصدَقَ ما رواه الشافعي -رحمه الله تعالى -في أسس التربية، هذه الكلمة الرائعة: “وإذا لم تشغَلْ نفسك بالحق، شغلَتْك بالباطل”، وهذا صحيحٌ؛ فإن النفسَ لا تهدأ، إذا لم تَدُرْ في حركة سريعة من مشروعات الخير والجهاد والإنتاج المنظَّم لم تلبَثْ أن تنهَبَها الأفكارُ الطائشة، وأن تلُفَّها في دوامة مِن التُّرَّهات والمهازل” 12.

ويقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: “إن التعبئة الدائمة والتحكم في الوقت لازمان للْفرد الـمُنْجمع وللمجتمع اليقظ” 13.

لذلك، كيف لا يعقل أن نعلم جميعا قيمة وفضل هذه الأيام العظيمة ويوم عرفة ولا يكون لدينا خطة لاستثمارها أفضل استثمار.

ولا يعقل أن أعرف يقينا أن يوم عرفة يعتق الله فيه عباده من النار، ويباهي بهم ملائكته، وأعلم أن صيامه يُكفِّر سنتين، وأن الدعاء فيه مستجاب، وأنه أفضل الدعاء؟! أعلم هذا ولا أغتنم قبل أن يغلق الباب… لعمري إن هذا لا يستقيم. والله أعلم

4.   حدثنا عن الأعمال المستحبة فيها؟

هذا سؤال مهم لأنه ينقلنا من الأقوال إلى الأفعال، إذ ينبغي، في هذه الأيام، التشمير والتعجيل بالعمل لا التأخير، فكل أعمال الخير المرغب فيها في سائر الأشهر مستحبة ومرغبة ويضاعف أجرها في هذه الأيام، كما أن كل ما نهى عنه الشارع في سائر الأيام هو منهي عنه قطعا في هذه الأيام، بل تُضاعف سيئات من اقترف ذنبا أو ظلم ظلما، ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب 14.

وللإفادة لا الحصر إليكم بعض هذه الأعمال:

تجديد النية وتعظيم العمل وإخلاصه لله أولا ووسطا، ثم الاستغفار بعد كل عمل، لقوله تعالى: واستغفروا ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ 15. “فالاستغفار للخلل الواقع من العبد، في أداء عبادته وتقصيره فيها، وذكر الله شكرا لله على إنعامه عليه بالتوفيق لهذه العبادة العظيمة والمنة الجسيمة. وهكذا ينبغي للعبد، كلما فرغ من عبادة، أن يستغفر الله عن التقصير، ويشكره على التوفيق” 16

أ.       الأيام العشر فرصة للإنابة والتوبة ومحاسبة النفس، تجديدا للعهد معه سبحانه، فهو القائل: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ 17، وقوله أيضا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً 18، ويقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إلى اللهِ، فإنِّي أَتُوبُ في اليَومِ إلَيْهِ مِئَةَ مَرَّةٍ” 19. فلا نسوف التوبة النصوح في هذه الأيام الفاضلة.

ب.       إقامة الصلوات، في أول وقتها، وفي المسجد: بالتبكير إليها والإكثار من النوافل، لكونها من أفضل القربات إلى الله، ولأنها “تجبر ما نقص من الفرائض، وهي من أسباب محبة الله لعبده وإجابة دعائه، ومن أسباب رفع الدرجات ومحو السيئات وزيادة الحسنات” 20 وهذا مضمون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “عليك بكثرة السجود لله؛ فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة” 21.

ت.       صيام التاسع لغير الحاج، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا” 22.

ث.         التشبه بالمُحْرِم في عدم قص الأظافر والشعر امتثالا واستنانا بهديه صلى الله عليه وسلم، ثم الإفطار يوم العيد على قليل من لحم أضحيته.

ج.         صلة الأرحام وإصلاح ذات البين وتنفيس كرب المسلمين وقضاء حوائجهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من نفَّس عن مؤمن كربة نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه” 23، هذا العمل مطلوب في كل وقت، لكنه آكد ورفيع الدرجات في هذه الأيام.

ح.        تعميق معاني الأخوة والمحبة وصحبة معارف الآخرة والإكثار منها والتعارف في الله عبر إفطار الصائمين، والمساهمة مع سكان الحي والجيران لشراء أضحية العيد للمعوزين.

خ.       الإكثار من ذكر الله تعالى: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “فأكثروا فيهن من التهليل والتحميد” 24.

د.         الاهتبال بشعيرة الذبح وبيوم النحر الذي عده بعض العلماء أفضل أيام السنة على الإطلاق.

ذ.         وعموما الإكثار من أعمال البر والطاعة، ثم تلمس آثار ذلك في سلوكنا وعلاقاتنا وعباداتنا، وبالحذر من الوقوع في الإثم والسيء من القول والفعل، لقوله تعالى: فلا تظلموا فيهن أنفسكم 25 أي في الأشهر الحرم، فإن لكل عمل من أعمال الخير يقوم به المومن آثار على القلب وصفحة الوجه، ثم تمتد بشرا واستبشارا ورحمة بين الناس. والله أعلم

5.   هل لورود يوم عرفة في هذه الأيام علاقة بهذا التمييز؟

بكل تأكيد لورود يوم عرفة في هذه الأيام علاقة كبيرة بالتمييز الذي خُصت به الأيام العشر، فهو من أفضل “أيام الله عز وجل الفاضلات يوم عرفة، تتنزل فيه البركات، وتهبط الرحمات، ويضاعف الأجر، وتتنوع أشكال الطاعات، وتكون كل الأجواء مهيأة لذكر الله تعالى” 26}، وقد ورد في هذا التمييز أحاديث كثيرة أورد بعضها:

طالع أيضا  التفسير عند الإمام المجدد.. نماذج تطبيقية

أ‌.      ففي فضله عن سائر الأيام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَا مِنْ يَوْمٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، يَنْزِلُ اللَّهُ تَعَالَى إلَى السَمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِأَهْلِ الْأَرْضِ أَهْلَ السَّمَاءِ” 27، وقال أيضا: “ما من يوم أكثر من ان يعتق الله فيه عبيداً من النار من يوم عرفة، وانه ليدنو يتجلى ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما اراد هؤلاء؟” 28.

ب‌.       وفيه أكمل الله الدين وأتم نعمته على عباده بقوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينا 29، وما أنزلت هذه الآية إلا في ذلك اليوم حيث حج المسلمون حجتهم وأتموا دينهم صحبة نبيهم.

ت‌.       تميزت هذه الأيام كذلك بتميز هذا اليوم، لأن الله أقسم به في كتابه حين قال: والفجر وليال عشر والشفع والوتر 30، والوتر كما ورد عند ابن عباس هو يوم عرفة.

وكان لهذا اليوم فضل كذلك على الأيام العشر حيث فيه أخذ الله الميثاق على ذرية آدم، قال الله عز وجل: وإذ أخذ الله ميثاق بني آدم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون 31، وبينت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الأمر حين قال: “إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان ـ يعني عرفة ـ وأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلا” 32.

والميزة الكبرى هو أن صيامه يكفر سنتين، فهو يوم مغفرة الذنوب والعتق من النار بامتياز، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده” 33.

هذا بالإضافة إلى أنه يوم عيد وفرح واستبشار، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك خلال هذا الحوار. والله أعلم.

6.   من لم يتمكن من الحج لأسباب مختلفة، هل تنقطع علاقته بالبيت العتيق وغايات الحج؟

أعتقد أن استثمار هذه الأيام تقربا خالصا إلى الله، لا شك ينهض العزائم والنّيات، ويثير الشوق الباني إلى بيت الله الحرام، فيمتلئ قلب مَن فاته الحجّ وزيارة المشاعر المقدسة، والوقوف على صعيد عرفة والمبيت بالمزدلفة، والطواف ببيت الله الحرام.

وكأني بهذه الأيام تواسي من اغتنمها قائلة: هون عليك وجفف دمعك فإن الكريم يفتح لك باب رحماته وقبوله أينما كنت في بقاع الأرض.

لذلك، والله أعلم، من لم يحج واستثمر هذه العشر فقد شارك الحجاج في كثير من الأجر، يقول ابن رجب: “لما كان الله تعالى قد وضع في نفوس المؤمنين حنينًا إلى مشاهدة بيته الحرام، وليس كل أحد قادرًا على مشاهدته في كل عام، فرض الله تعالى على المستطيع الحج مرة واحدة في عمره، وجعل موسم العشر مشتركًا بين السائرين والقاعدين، فمن عجز عن الحج في عام قَدَرَ على عملٍ يعمله في بيته، فيكون أفضل من الجهاد الذي هو أفضل من الحج” 34.

فلا تنقطع إذن علاقة من لم يتمكن من الحج لأسباب مختلفة، مثل كورونا حاليا، ولا تفصل الصلة برازخ الزمان والمكان، بل تبقى العلاقة بالبيت وحجاج البيت وغايات الحج قائمة مادام القلب بالبيت معلقا. والله أعلم.

7.   كيف نستعد لعيد الأضحى؟ وما أفضل الأعمال في هذا اليوم الأغر؟

جرت عاداتنا في الاستعداد لمواسم الخير بإعداد ما لذ وطاب من الحلويات والعجائن والملابس، ثم المنافسة، بمناسبة عيد الأضحى، في اختيار الأكباش والتباهي بقرونها وبياض صوفها وطول أعناقها وقرونها…وهلم جرا من مظاهر الافتتان وإفتان الناس، الفقراء منهم خاصة.

لا شك أن هذه المظاهر مطلوبة، لكن بدون الاستعدادات القلبية والفوائد التربوية الجمة على الأفراد والمجتمعات، تبقى فرحة العيد مبتورة، لذلك، وأنا أكبر ابتهاجا وفرحا واستعدادا ليوم النحر، لا ينبغي أن أنس التالي:

أ‌.          التكبير شعار فردي أتقرب به إلى الله تعالى ينبغي مزجه بالإحسان وبذل طلاقة الوجه وسخاوة اليد والجيب إلى الفقير والمحتاج، يقول المولى سبحانه: وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ 35.

ب‌.       العيد فرصة لتقارب القلوب ونبذ الخلافات مع ذوي الرحم، خاصة مع الأصول، فمن كان له رحم مقطوعة فالعيد فرصة لوصلها وإحيائها قبل فوات الأوان، حتى تكتمل البهجة والفرحة بالاجتماع بالأهل والأحباب دون كدر.

ت‌.       العيد فرصة لتقريب الفوارق بين الغني والفقير فتختفي مظاهر الفاقة والعنت باستفادة الجميع من أضحية العيد، فلا طعم لشوائنا إذا لم يتذوقه فقراء حينا.

ث‌.       العيد فرصة لتذوق معاني التقوى الحقيقية، يقول سبحانه: لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ 36، ينبغي استشعار معاني السعادة الحقيقية قبل العيد ويوم العيد، فيكون التكبير تعبيرا حقيقيا عن شكر نعمة الهداية وتمام النعمة، قال سبحانه: كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ 37.

العيد فرصة للترويح على النفس في حدود المباح، وذلك بإشاعة البهجة والسرور والتلذذ بالطيبات، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَهُنَّ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ” 38، ويقول سبحانه: قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وبرحمته فبذلك فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ 39 “وإنما أمر الله تعالى بالفرح بفضله ورحمته، لأن ذلك مما يوجب انبساط النفس ونشاطها، وشكرها لله تعالى، وقوتها” 40 على الطاعات وتحمل الأذى في سبيله.

ولا ينسينا فرحنا بالعيد هُموم الأمة وإخواننا المسلمين في دعائنا في هذه المواسم المباركة، في كل مكان، خاصة في غزة المحاصرة والمسجد الأقصى وكل الشعوب المستضعفة، قال صلى الله عليه وسلم: “من أصبح وهمه الدنيا فليس من الله في شيء، ومن لم يهتم بالمسلمين فليس منهم، ومن أعطى الذل من نفسه طائعا غير مكره فليس منا” 41، وقال أيضا: “تَرَى المُؤْمِنِينَ في تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّي” 42، والله أعلم.

طالع أيضا  في ظلال العشر | الدين المعاملة مع الأستاذة فاطمة متوكل

نسأل الله الفرج والصبر والنصر والتأييد والتمكين لهذه الأمة إنه قريب، وكل عام وأنتم الى الله أقرب، تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، فما كان من صواب فمن الله، وما كان من زيغ أو خطإ فمن نفسي الأمارة بالسوء. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.


[1] سورة التوبة، الآية 36.
[2] سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني (المتوفى: 360هـ)، المعجم الأوسط، المحقق: طارق بن عوض الله بن محمد عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين – القاهرة، رقم الحديث: 2865، ج: 3، ص: 180
[3] سورة الفجر، الآية:2،1.
[4] السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين، (المتوفى: 911هـ)، الإتقان في علوم القرآن، الهيئة المصرية العامة للكتاب: 1394هـ/ 1974 م، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ج: 44، ص: 59.
[5] سورة الحج، الآية: 27 -28.
[6] الماوردي – أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي، فروع الفقه الشافعي، الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي، دار الكتب العلمية، 1419هـ / 1999م، ج: 4، ص: 366.
[7] صحيح / صحيح سنن الترمذي، (757)؛ صحيح سنن أبي داود، (2438)؛ صحيح سنن ابن ماجه (1753). ولتمام الفائدة، انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول، ابن الأثير (المتوفى : 606هـ) تحقيق : عبد القادر الأرنؤوط – التتمة تحقيق بشير عيون الناشر: مكتبة الحلواني – مطبعة الملاح – مكتبة دار البيان الطبعة : الأولى  ط دار الفكر، تحقيق بشير عيون، ج: 9، ص: 262.
[8] سورة التوبة، الآية: 36
[9] أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة – بيروت، 1379، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب، ج: 2، ص: 460.
[10] رواه مسلم، الحديث رقم 3288، ص 568.
[11] مشكاة المصابيح، محمد بن عبد الله الخطيب العمري، أبو عبد الله، ولي الدين، التبريزي (المتوفى: 741هـ) المحقق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي – بيروت الطبعة: الثالثة، 1985، ج: 2، ص: 810. رقم الحديث: 2643.
[12] https://www.alukah.net/sharia/0/109036/#ixzz70gmha9Ue
[13] ياسين عبد السلام، الإسلام والحداثة، ص: 260.
[14] سورة الحج، الآية: 32.
[15] سورة البقرة، الآية: 199.
[16] عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي (المتوفى: 1376هـ)، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى: 1420هـ -2000، ص: 92.
[17] سورة النور، الآية: 31.
[18] سورة التحريم، الآية: 8.
[19] ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج: 11، ص: 101.
[20] كلام منسوب لعبد الله بن جار الله، لم أجد له مصدرا.
[21] مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (المتوفى: 261هـ)، المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسل، المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي -بيروت، ج: 1، ص: 353، رقم الحديث:488.
[22] صحيح مسلم، ج: 2، ص: 808، رقم الحديث: 1153.
[23] صحيح مسلم، ج: 4، ص: 2074. رقم الحديث: 2699.
[24] عبد الرحيم بن الحسين العراقي، التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، دار الفكر – مصر: 1401هـ تصنيف ح: 1، ص: 9، رقم الحديث: 473 https://dorar.net/hadith/sharh/145004#.
[25] سورة التوبة، الآية: 36
[26] عمر احرشان، يوم عرفة..أفضل أيام الله، مقال إلكتروني، 29يوليوز2020، الجماعة، نت.
[27] أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي النيسابوري (المتوفى: 311هـ)، صحيح ابن خزيمة، المحقق: د. محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي -بيروت، ج: 4، ص: 263. قم الحديث: 2840.
[28] اخرجه مسلم، ج: é، ص: 982، رقم الحديث: 1348.
[29] سورة المائدة، الآية: 3.
[30] سورة الفجر، الآية: 1.
[31] سورة الأعراف، الآية: 172.
[32] مسند الإمام أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: 241هـ) المحقق: شعيب الأرنؤوط -عادل مرشد، وآخرون إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى، 1421 هـ -2001 م، رواه الإمام أحمد، ج: 4، ص: 267. رقم الحديث: 2455,
[33] رواه مسلم، ج: 2، ص: 818، رقم الحديث: 1162
[34] لم أجد له مصدرا.
[35] سورة الحج، الآية: 32.
[36] سورة الحج، الآية: 37.
[37] سورة الحج، الآية: 37.
[38] أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي (المتوفى: 303هـ)، المجتبى من السنن، السنن الصغرى للنسائي، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية -حلب الطبعة: الثانية، 1406 -1986، ج: 5، ص: 252، رقم الحديث: 3004.
[39] سورة يونس، الآية: 58.
[40] السعدي، ص: 366.
[41] أخرجه الطبراني في ” الأوسط ” (1 / 29 / 1 / 466 / 2) من طريق يزيد بن ربيعة عن أبي الأشعث الصنعاني عن أبي عثمان النهدي عن أبي ذر مرفوعا، وقال: تفرد به يزيد بن ربيعة، أورده السيوطي في ” اللآليء317 ” (2 / ، وسكت عليه. انظر كتاب سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني، ج: 1، ص: 480.
[42] صحيح البخاري، ج: 8، ص: 10. رقم الحديث: 6011.