فيما يلي نص الكلمة الختامية التي تقدم بها الأستاذ فتح الله أرسلان في الرباط الجامع، الذي نظمته عن بعد الهيئة العامة للعمل النسائي لجماعة العدل والإحسان، يوم الجمعة 9 يوليوز 2021:

بسم الله الرحمان الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد خير المرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، وعلى التابعين وتابعيهم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا معهم جميعا، يا رب العالمين.

معشر الأخوات الكريمات السلام عليكن ورحمة الله وبركاته.

نلتقي في هذه المناسبة للحديث عن دور المرأة في إعداد الرجال وتربية الأجيال، ولا شك أن هذا الموضوع مهم جدا، ويكاد يكون موضوع الساعة بالنسبة للأسر وللمجتمع بصفة عامة.

بداية، حينما نتحدث عن دور المرأة في إعداد الرجال وتربية الأجيال لا يعني هذا أن الرجل معفى من هذا الأمر، بل هو مسؤول، ومسؤوليته كبيرة ومهمة، لكن اقتضى الأمر أن نتحدث اليوم عن دور المرأة، ونتمنى أن تتاح الفرصة لكي نتحدث عن دور الرجل كذلك في هذا الأمر.

هذا الموضوع تحدث فيه الكثير، وطرحت فيه الكثير من القضايا والأفكار والانتقادات، وقد أفاضت الأخوات في الحديث في مختلف جوانبه مشكورات، وغرض كلمتي في ختام هذه المناسبة أن أجمع وأؤكد على بعض الأمور الأساسية التي وردت في المداخلات السابقة.

أولا؛ أعطى الإسلام للمرأة أهمية قصوى، والإسلام كرم المرأة، لا نقولها مزايدة على الآخرين لكنه شرع الله تعالى. وقديما قال الشاعر:

الأُمُّ مَدرسَةٌ إِذا أَعدَدتَها ** أَعدَدتَ شَعباً طَيِّبَ الأَعراقِ

شعورا من الشاعر، بل من الأمة لدرجة أن هذا البيت أصبح شائعا ومعروفا عند الجميع، بأهمية هذا الأمر. وحينما قال مدرسة فأنا لا أفهمها تشبيه؛ “كالمدرسة”، بل أفهمها مدرسة قائمة بذاتها؛ بجدرانها وببرامجها وبإطارها وبروحها.. وبكل ما تملك هذه العبارة من معان.

ولأهمية دور المرأة في تأسيس الأسرة والقيام بها وتربية هذه الأجيال، نتذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الوارد في الصحيحين عن سيدنا أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ -يعني: صحبتي-، قال: “أمك”، قال: ثم من؟ قال: “أمك”، قال: ثم من؟ قال: “أمك”، قال: ثم من؟ قال: “أبوك”، رفعة للمرأة وما تقوم به من تضحيات جسام من أجل تحقيق هذا الهدف، ولأن نجاح الأم في مهنتها معناه نجاح المجتمع.

طالع أيضا  ومنهم من يمشي على بطنه.. موضوع الرقيقة 30 مع ذ. القادري

فما هي الشروط الواجب توفرها لإنجاح هذا الأمر، ولأن تقوم المرأة بدورها الأساسي في هذا الأمر؟

المرأة يجب أن تستوعب هذا الأمر، أن تستشعر هذه المسؤولية، ويجب أن تعرف أن هذه المسؤولة حمّلها الله سبحانه وتعالى إياها، وأن نجاحها فيها رفعة لها في الجنة عند الله تعالى، وأن فشلها وعدم اكتراثها وتهاونها ستكون عقباه سيئة والعياذ بالله عز وجل.

ولتحقيق هذا الأمر، هناك أمور أعطاها الله سبحانه وتعالى للمرأة وجعلها فطرية فيها، ولا تحتاج إلى بذل مجهود لكي تكتسبها، هذه الآليات مهمة وأساسية، وهي: الأمومة والاحتضان والمحبة والرعاية والاهتمام والخوف على الأطفال.. هي مجموعة من الآليات التي جعلها الله تعالى فطرية في المرأة، لكن هناك أمور أخرى ترك الله تعالى للمرأة أن تسعى إلى اكتسابها وتوظيفها، وهي أمور قد تتطور حسب الزمان والمكان والظروف، والمرأة مطلوب إليها أن تكتسبها لكي تقوم بمهمتها أحسن قيام.

وإنجاح هذا الفعل يتطلب أمرين؛ أن تؤمن المرأة بهذه المسؤولية، وتستشعرها، وتعرف أنها تتاجر مع الله سبحانه وتعالى، وأن هذه المسؤولية حملها إياها الله سبحانه تعالى: “فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته”. ثم أن تعتبر الأمر تشريفا ورفعة وإعدادا لها كي تنال الدرجات العليا، وترشيحا لكي تكسب مع الله سبحانه وتعالى. وأن مسئوليتها في هذا الأمر أعلى وأسمى من مسؤولية الرجل، فإذن الله تعالى رشحها في هذا لمكانة أعلى من الرجل، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك.

ويجب أن يستشعر المجتمع كله هذا الدور الخطير والمهم والأساسي الذي تقوم به المرأة، لا أن نتعامل مع مسألة تربية الأبناء باستهتار واستخفاف كأنه أمر ثانوي.

ثم بعد ذلك يجب عليها أن تستعد وتنخرط بجدية لتحقيق هذه المسئولية، نعم المجتمع السليم مسؤول على تنشئة المرأة وتوعيتها وتدريبها.. لكن مع ضعف الدور الأساسي للمجتمع على المرأة أن تقوم بمجهود في سبيل تحقيق ذلك، وكل مكونات المجتمع؛ نحن وجمعيات المجتمع المدني والإعلام.. علينا أن نقوم بهذا الدور.

ونحن في جماعة العدل والإحسان مطلوب إلينا أن نحتضن الأمهات، وأن نوجههن وندربهن ونوعيهن ونساعدهن في القيام بهذه المهمة النبيلة السامية، لأن بنجاحها ينجح المجتمع إن شاء الله.

طالع أيضا  كمال عماري.. حكاية شهيد فضح زيف شعارات العهد المخزني الجديد

إذن يلزم إيمان المرأة بهذه المسؤولية، وانخراطها وبذل مجهود لاكتساب آلياتها. فما هي هذه المهمة التي يلزم أن تقوم بها المرأة تجاه أطفالها؟

نقسمها إلى مهمتين أساسيتين، وتتفرع مهام فرعية عن كل واحدة منهما؛ أولهما الاهتمام بحياة هؤلاء الأطفال كي يكونوا صالحين، وذوو سلوك جيد، تربيهم على الصدق والمحبة وحسن الأخلاق والنظافة والإقبال على الدراسة والتعلم والتعليم.. ويمكن القول بأن المرأة تهتم بهذا الجانب، فالملاحظ، انطلاقا من المجتمع المغربي والإسلامي بصفة عامة، أن المرأة تهتم بهذا الجانب، خصوصا الدراسي.

الشق الثاني هو الاهتمام بالجانب الآخر المسكوت عنه، والضعيف عند كثير من الأمهات، وهو الاهتمام بآخرة الأبناء، وهذا شق أساسي من أجله خلق البشر. والاستعداد للآخرة يجب أن تبثه المرأة في أولادها، بطريقتين؛ بالنصيحة والتوضيح والتفسير، حسب سن الطفل، ثم بالقدوة، وهذا أمر أساسي، فيلاحظ فيها الطفل أنها تقرأ القرآن وتحافظ على أذكارها وتصوم الأيام البيض، ولا تكذب، وتفعل الخير.. فهذه معان وسلوكات يقتبسها الأطفال من أمهاتهم وآبائهم ومحيطهم بطريقة غير مباشرة، وهي مهمة جدا.

ويجب أن تشعر الأم بحرقة إن لم تنجح في مهمتها في توجيهه وربطه بهم آخرته، يجب أن يكون عندها هم استقرار علاقة ابنها بالله سبحانه وتعالى، على الأقل كما تحمل همومه الدنيوية، علما بأن هم الآخرة يجب أن يكون أكبر، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه: ولا تجعل الدنيا أكبر همنا. فالهم الأكبر يجب أن يكون هو الآخرة، فيلزم أن يكون للمرأة حظ من هذا الهم، طبعا بأسلوب الرفق والأناة والمحبة.. يجب أن يتلقى الأطفال هذه التربية منذ صغرهم، وأن يندمجوا به تلقائيا، ويحسون أن هذا الأمر جزء من عملهم.

الأمر الثالث؛ هو الاهتمام بأمر الأمة وبأمر الدعوة، فعلى الأبناء أن يتعلموا أن لا يكونوا أنانيين، وأن يعلموا بأن إخراج الأمة مما تعيشه من مآس ومن ويلات جزء من مسؤوليتهم، وأن يسعوا لتقديم العون والمساعدة بكل ما من شأنه إخراج الأمة من التردي الذي تعيشه، وأن يبلغوا دعوة الله سبحانه وتعالى للناس، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم”. وهذا أيضا يجب أن يثبت منذ البداية في نفوس الأولاد، انطلاقا من التوجيه ووسائل الإيضاح.. وأن يحسونه ويرونه في أمهم عمليا؛ سلوكا وأخلاقا، ثم يأتي التوجيه.

طالع أيضا  حب الله ورسوله حب الله قطب رحى الدين 2/1

يجب أن يعلم الولد أنه يحمل قضية دعوة الأمة، وهذا سيساعده في دراسته وعمله والعمل في تبليغ الدعوة وفيما ينهض الأمة، إذا عاش الأطفال بدون قضية واضحة فهذا يعرقل سيرهم السليم في الترقي دنيا وآخرة.

 وحينما نتحدث عن المرأة الفلسطينية؛ فنجاحها في تربية هذه النماذج التي نراها، استعدادها للتضحية بأبنائها وصبرها، لم يأت من فراغ، بل جاء من الارتباط بالله سبحانه وتعالى والرجوع إليه والإيمان بأن الدنيا دار عبور وأن هناك حياة بعد الموت.. شعورها بهذا وتمريره للآخرين أمر مهم. والمساعد في فلسطين هو أن المجتمع بأكمله يفيد ويساعد ويتحدث بهذا الأمر، والكل يحتفل بالشهداء والدعوة.. وهذا نفتقده نحن، لكن بالمقابل لدينا نماذج نستفيد منها في بث روح قضايا العدل بصفة عامة فيهم، عليهم أن يعلموا أن لديهم انتماء للأمة، وأن الخير إن عمها يعمهم أيضا، وأيضا الشر، عليهم أن يحسوا بالجسدية، إذا اشتكى بعضه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

خلاصة الأمر إذن؛ الله سبحانه وتعالى كلف المرأة وأعطاها مسؤولية، وهذه المسؤولية تلزمها آليات أساسية، جزء منها خلقها الله فيها فطرة، وجزء آخر كلفها بالاجتهاد في تحصيله وتحقيقه، هي ومحيطها، وهذه المسؤوليات تنقسم إلى مسؤوليات تتعلق بأمور الدنيا وأخرى تتعلق بأمور الآخرة، وأن هم الأمة جزء مما ينبغي أن توصله لأطفالها.

والأساس أن قضية الاهتمام بالأبناء وتربيتهم وإعداد الرجال مسؤولية سامية اختارها لها الله سبحانه وتعالى وهيأها لها، ومن المنتظر أن تحقق بها الدرجات العليا عند الله تعالى، إن هي تبنتها وآمنت بها وعملت على تحقيقها.

نسأل الله تعالى أن يبارك لنا في هذه الجهود، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يجعلنا من الذين ساهموا ويساهمون في إنهاض الأمة، إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المصدر: موقع مومنات نت.