يواصل الأستاذ سعيد ضياء حلقات الجزء الثاني من سلسلة خير نساء العالمين التي يسلط فيها الضوء على سيرة السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها في قناة الشاهد الإلكترونية.

واستهل الحلقة السابعة بقول الله تعالى: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون، متحدثا عن قصة زواج أمنا فاطمة رضي الله عنها مع سيدنا علي كرم الله وجهه.

وذكر ضياء أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا سباقين لكل خير، وكان أسبقهم لكل مكرمة، وأسرعهم لكل فضيلة الصديق أبو بكر رضي الله عنه، ويليه منافسا قويا الفاروق عمر رضي الله عنه، وأراد أبو بكر رضي الله عنه السبق كعادته إلى مكرمة ما مثلها مكرمة، وإلى شرف لا يضاهيه شرف، وأي مكرمة أكرم من مصاهرة مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم والزواج بأحب بناته إليه فاطمة رضي الله عنها، وأي شرف أعظم من أن يكون المصطفى صلى الله عليه وسلم جَدّا لأبنائك وأحفادك وذريتك…

وتابع قائلا: “تقدم الصديق رضي الله عنه وخطب السيدة فاطمة رضي الله عنها من أبيها، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردّه ردّا جميلا، ثم تقدم لخطبتها الفاروق رضي الله عنه فردّه رسول الله برفق”. ففهم الوزيران العظيمان أن فاطمة رضي الله عنها -يقول ضياء- ليست لأحد منهما، لكن سيدنا عمر رضي الله عنه ظلّ يرقب هذه المصاهرة التي لا ينمحي لها أثر، ولا ينقطع لها خبر، فلما لم يتزوج بالسيدة الزهراء عليها السلام، تزوج ابنتها أم كلثوم فنال المنا وبلغ المرام، وصدق الله فصدقه الله.

أما قصة زواج سيدنا عمر بابنة الزهراء فقصة أخرى وقد ذكرها في هذه الحلقة الأستاذ ضياء لما قال سيدنا ابن الخطاب لسيدنا علي “زوّجنيها يا أبا الحسن فإني أرصد من كرامتها ما لا يرصده أحد”، وهي الكلمات التي ترجاه بها حينما خطب منه ابنته أم كلثوم رضي الله عنها، فرد عليه بقوله إنها صغيرة وإني وقفت بناتي على أبناء جعفر، أي أبناء أخيه الشهيد البطل جعفر الطيار رضي الله عنه. لكن سيدنا علي لما سمع تلك الكلمات من أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، قبل بتزويجه من ابنته أم كلثوم. فخرج أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه فجلس إلى المهاجرين الأولين في الروضة، وكان فيها مجلسهم، فقال: رفئوني. فقالوا: بماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: تزوجت أم كلثوم بنت علي، فذكر أنه سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: “كل سبب ونسب وصهر ينقطع يوم القيامة، إلا سببي ونسبي وصهري”، فكان له بذلك النسب والسبب به عليه الصلاة والسلام، فأراد أن يجمع إليه الصهر، فرفأوه.

طالع أيضا  الرؤية المنهاجية لوظيفة المرأة

كانت فاطمة الزهراء أشبه الناس بأبيها مشية وجلسة وكلاما وحديثا، وذلك عنوان جلي لسمو أخلاقها، ويكفي أن تسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «إِنَّما فاطِمةُ بَضْعةٌ مِنِّي»[3]، أي: قِطْعةٌ مِنِّي، لترى بأم عين قلبك جمالها وأنوارها، وكمالها وأسرارها، وهل قطعة من القمر إلا قمر؟ يضيف ضياء.

وعاد ضياء ليكمل قصة زواج سيدنا علي الذي لم يدخل غمار المسابقة مع الوزيرين أبي بكر وعمر، ولم يكن يرى نفسه أهلا للزواج بالزهراء، بل لم يكن لديه علم بما يحدث.

وبينما هو جالس مع مولاة له (الأمة إذا تم عتقها تسمى مولاة) قالت له: هل علمت أن فاطمة خُطِبَت من رسول الله؟ فقال: لا، قالت: فقد خطبت، فما يمنعك أن تأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيزوجك بها؟ فقال سيدنا علي رضي الله عنه مستغربا مندهشا: أو عندي شيء أتزوج به؟ فقالت: إنك إن جئتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم زوّجك. فو الله ما زالت ترجّيه (….) حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أن قعد بين يديه أُفْحِمْ، وما استطاع أن يتكلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما جاء بك، ألك حاجة؟ فسكت، يا علي ما الذي جاء بك؟ وسيدنا علي واجم لا ينطق، ففهم الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم ما به. فهوّن عليه الأمر وقال: لعلك جئت تخطب فاطمة؟ وهنا سُرّي عن سيدنا علي رضي الله عنه وكأنما انتُشل من غرق، فانحلت عقدة لسانه ونطق وقال: نعم، فقال صلى الله عليه وسلم وهل عندك من شيء تستحلها به؟ (مقدم الصداق) فقال سيدنا علي رضي الله عنه: لا والله يا رسول الله! (إيه، سيدنا علي البطل المغوار، السيد ابن السيد ابن السيد؛ علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، ما عنده شيء يقدمه مهرا ليتزوج) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما فعلت درع سلحتكها؟ قال: فوالذي نفس علي بيده إنها لحُطَمِيَّة ما قيمتها أربعة دراهم، هي عندي، فقال: قد زوجتكها”. فبعث إليها بها، فاستحلّها بها، فإن كانت لصداق فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

طالع أيضا  ندوة رقمية للإطارات المناهضة للتطبيع بالدار البيضاء تكشف زيف "المكون العبري" في الهوية المغربية

ولفت ضياء إلى أن علي كرم الله وجهه ما كانت له أي فرصة مع سيدنا أبي بكر وعمر رضي الله عنه، لكن لو كانت الأمور تجري على هذا النحو ما تزوج فقير ولا أكل مسكين ولا عاش مستضعف.

وأشار في خلاصات هذه القصة إلى أن الرزق مقسوم، وقدره معلوم، والأمر فيه محسوم، والمدبر حي قيّوم، لا تأخذه سنة ولا نوم.

وأورد أبيات للإمام الشافعي رحمه الله تعالى وختم بها قائلا:

عليك بتقوى الله إن كنت غافلا        ***            يأتيك بالأرزاق من حيث لا تدري

فكيف تخاف الفقر والله رازق         ***            فقد رزق الطير والحوت في البحر

ومن ظن أن الرزق يأتي بقوة         ***            ما أكل العصفور شيئاً مع النســـــر