بقلم: ذ. أحمد الزي

القرآن العظيم كتاب الله المنزل على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام له أثر عظيم في نفوس المؤمنين، فقد أكرمنا الله تعالى بأعظم كتاب أنزل على أشرف الأنبياء والمرسلين. وقد رفع به مقام المتمسكين به بين كافة الأجيال. قال تعالى: لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ 1، أي في هذا الكتاب عزتكم وكرامتكم. ولقد أنزل الله القرآن ليهدي البشرية إلى أفضل غاية وإلى أقوم طريق، إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين 2، ويقول تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ 3.

الله أكبر إن دين محمد وكتابه            أقوى وأقوم قيلا

طلعت به شمس الهداية للورى           فأبى له وصف الكمال أفولا

لا تذكروا الكتب السوالف عنده          طلع الصباح فأطفئوا القنديلا

ولهذا النور الذي أنزل على سيدنا محمد مقاصد وغايات يسعى إليها ويحض عليها ومنها صلة الإنسان بخالقه ليعبده لا يشرك به شيئا ويتقيه في كل أحواله ويعمل على تزكية نفسه وتطهيرها والسمو بها إلى مرتبة الإحسان.

لكن السؤال الذي يطرح هنا ونحن في فصل الصيف، هل نتوقف عن مصاحبة القرآن وقراءته أو حفظه أو الاستماع إليه، بمعنى هل قراءة القرآن والاهتمام به يعرف العطلة أيضا؟ وهل يمكن الجمع بين الترويح عن النفس وصحبة القرآن في فصل العطلة والاستجمام؟

كيف ننثر هذا النور الذي بين أيدينا أو نهجره بل كيف نتخلى عنه لحظة صيفا ًكان أو شتاءً، وكيف نواجه فتنة الصيف إلا بسكينة القرآن وتلاوة القرآن.

طالع أيضا  د. همام: نعيش ملحمةً في بيت المقدس.. أبطالها شباب عاشوا تحت حراب الاحتلال

عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ: “ومَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، ويتَدَارسُونَه بيْنَهُم، إِلاَّ نَزَلتْ علَيهم السَّكِينَة، وغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَة، وَحَفَّتْهُم الملائِكَةُ، وذَكَرهُمْ اللَّه فيِمنْ عِنده” 4.

يقول الإمام المرشد رحمه الله إرشاداً لنا وتعليماً وتنبيهاً بقدر كتاب الله وتعظيمه “فتوبتنا إلى الرحمن، وتسميتنا لدولة القرآن لا يصحان لنا إلا بهدي القرآن، وعلوم القرآن منه ننطلق وإليه ننتهي، به تطب القلوب، وبه تهذب الأخلاق، وفي مدرسته تطبع كل العلوم لتأخذ صبغة الله وتجند لخدمة دين الله” 5.

الصيف ليس إذن موسم التوقف عن ذكر الله وقراءة القرآن، بل العكس تماماً إنه فرصة متاحة لاغتنام وقته للإقبال على الله وتعلم القرآن وتعليمه، ومما يكون مناسباً في الصيف:

ü    أن يحرص المؤمن على اغتنام الأوقات، وأن يبتعد عن الانغماس في الميوعة وسوء الأخلاق.

ü    أن يغتنم أوقات العطلة لمراجعة وتثبيت ما هو محفوظ وذلك مثلا بمراجعة حزب من القرآن كل يوم.

ü    أن يخصص لنفسه جزءا من القرآن يحفظه في الصيف ويستظهره عند نهاية العطلة

ü    أن يخصص ساعة للحفظ وساعة للمراجعة كل يوم، وكلما كانت بمشاركة الأهل والأبناء كانت أفضل.

ü    أن يخصص سويعة للاستماع للقرآن، للتدبر وتعلم التجويد…

ü    أن يتخذ صاحبا يتنافس معه على حفظ جزء من القرآن متفق عليه خلال هذه الفترة. وقد يكون هذا الصاحب بعيدا فيستعان على ذلك بمواقع التواصل الاجتماعي.

وعلى العموم ليس للمؤمن وقتٌ فائض أو زائد ليضيعه، بل وقت المؤمن بمثابة ميزانية ينفق منها – كما عبر عليها الإمام رحمه الله- فليكن بوقته شحيحا أن يصرفه في الغفلة ويضيعه فيما لا يغني 6.

وعلى المؤمن أن يوطن نفسه على أن تكون حياته كلها لله ومماته أيضا لله، يتحرى الخير والصلاح والإصلاح في كل عمل من أعماله وفي كل وقت من أوقاته. قال تعالى: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين 7.

فلا بد للمؤمن أن يجمع بين استغلال هذه الفرصة السنوية لمراجعة القرآن وتثبيته والترويح على النفس والأهل والأولاد، واختيار الأساليب المناسبة لكل وقت دون إفراط أو تفريط، وما الصيف إلا عابر، ولكن القرآن مأدبة الله الخالدة، وحبل الله المتين، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد 8.

طالع أيضا  أحداث بنت الجماعة وصنعت رجالها: محاكمة مجلس الإرشاد سنة 1990 (2/2)

فكما فاض فضل القرآن فعم الشهر الذي أنزل فيه فصار أفضل الشهور، والليلة التي أنزل فيها فصارت أفضل الليالي، فقد عم فضله أيضاً على الناس فصار خيرهم من تعلمه وعلمه، فلنجعل فضل القرآن يفيض على صيفنا هذا ليكون أفضل الفصول، وصل اللهم وسلم على سدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


[1] الأنبياء آية 10
[2] الإسراء آية 9
[3] المائدة آية 15
[4] صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر
[5] عبد السلام ياسين، إمامة الأمة، دار لبنان للطباعة والنشر، ط1، 2009م، ص158.
[6] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، الشركة العربية للنشر والتوزيع، ط1، 1989م، ص 59.
[7] الأنعام آية 162
[8] سنن الدارمي، كتاب فضائل القرآن، باب فضل من قرأ القرآن.