افتتح الدكتور ياسين لحلو كلمته في مادة الإحسان ضمن فقرات مجلس النصيحة عن بعد، الذي نظمته جماعة العدل والإحسان تحت عنوان: “التخلق بالقرآن الكريم” ليلة وصبيحة الأحد 23 ذي القعدة الموافق لـ 3 و 4 يوليوز 2021 م، بوصف الله تعالى لحبيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ليقدر على تحمل أعباء الدعوة إلى الله والصبر على أذى المناوئين والمتربصين والكائدين، وأيضا دلالة من العلي القدير لخلقه كافة على نموذج الاستخلاف في الأرض والحياة الطيبة التي يريدها الله تعالى لعباده الصالحين.

وأضاف عضو المكتب المركزي لقسم التربية في الجماعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بُعث ليتمم ما تعارفت عليه الإنسانية قبله من مكارم الأخلاق، فقد كانت سنته، يضيف، عنوانا لحسن الخلق. ويعزز كلامه بقول للإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله قال فيه: “السنة النبوية هي أقوال الرّسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته وأحواله، ينقصنا من السنة بقدر ما ينقصنا من العلم وهو مجال الأقوال النبوية، ومن العبادة والمعاملة والجهاد وهي أفعاله، ومن إثبات أعراف المجتمع واجتهاد المسلمين الذي لا يصدم الشريعة وهو مجال التقريرات. وأهم من كل هذا، إذ هو ثمرة العلم والعمل، الأحوال الشريفة. ومجال الأحوال الأخلاق الظاهرة، والمشاعر القلبية الباطنة، وثمرة كل ذلك هو الكمال الروحي”، ليعلق المتدخل على هذا الكلام النفيس بأن الحديث عن الأخلاق هو حديث عن أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم النفسية والقلبية، وأن المطلوب فيها هو الكمال، ومعين الكلام هو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قالت فيه أمنا عائشة رضي الله عنها عندما سُئلت عن خلقه: “كان خلقه القرآن”.

ليتساءل محدثُنا: “أنى لنا بهذا التخلق ونفوسنا هي على الحال الذي هي عليه؟ وهممنا متعلقة بالدنيا وأحوالها؟”، ليورد كلاما للإمام ياسين رحمه الله يدل فيه على سر التخلق ومنطلقه فيقول: “كان ذكر الأصحاب الكرام لحمة حياتهم وسداها، فالصلاة كانت أهم أمورهم وأسبقها بحق، والفرض كان يكمله النفل، وكان الذكر تحت جناح القلب الطاهر مهبط الوحي وعرش الرحمن صلى الله عليه وسلم يبلغ بالمؤمنين مبلغ الكمال فيكون الله عز وجل سمع العبد وبصره ويده ورجله، ويصبح العبد وليا لله يغار الله عليه فيحارب من آذاه”.

وقد استخلص الدكتور لحلو من هذا الكلام أن الطريق نحو الكمال الخلقي يمر بالضرورة عبر صحبة صالحة وارثة لجناب النبوة، وذكر لله مسنون، ودوام على ذلك حتى يُبلغ الله العبد الصادق مقامات الرجال الذين على عاتقهم يُبنى مجتمع الأخوة والعدل، مستشهدا بكلام آخر للإمام عبد السلام ياسين قال فيه: “المؤمن الرشيد إن عثر على ولي مرشد يسلكه وُعورات الطريق لا يسأل الله الفتح طلبا لحظ نفسه والكرامات. إنما يطلب من الله أن يغفر له، ويرفعه في درجات القربة ويعطيه كمال الإيمان والإحسان”.

وفي هذا، يضيف المتحدث، تعزيز لما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً”، وكذا تبشير رسول الله صلى الله عليه وسلم للكاملين والكاملات في الأخلاق بقوله: “إنَّ مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكُم منِّي مجلسًا يومَ القيامةِ أحاسنَكُم أخلاقًا”.

وبعد التزود من هذه الوصايا المباركات، ينزل الدكتور ياسين بالحاضرين في مجلس النصيحة هذا إلى أرض الابتلاء والاختبار، أرض الجهاد المقترن بالصبر، والصبر ، بحسبه، امتلاك للنفس وحملها على مكاره الشهوة والهوى، ومحاب الله ورساله. ومحاب الله ورسوله، يضيف، هو رأس الأخلاق وكمال الأخلاق كمال في الدين مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سئل أي الإيمان أفضل قال: “حسن الخلق”. وحسن الخلق أيضا عماد ثانٍ في شخصية المؤمن والمؤمنة كما جاء في حديث الزواج: “إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه”.

وقد عرج بعد هذا المحاضر الواعظ للوقوف عند معوقين عدهما أساسيين في إعاقة الإنسان عن بلوغ الكمال واستحقاق الجنة ورضى المولى عز وجل، وهما في الحقيقة يقول: عدوّان متحالفان ومتفاهمان هما النفس والشيطان. وقد أضاف كلاما آخر للإمام المجدد في هذا المنحنى يقول فيه: “رأس الخُلق الكامل امتلاك النفس، وقمعها تحت طائلة التقوى. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغضبُ إلا إذا انتهكت حُرُمات الله. امتلاك النفس وحملها على الحق منزجرةً أبدا محكومةً، هذا يعني القدرة على سياسة القوة الشهوانية، وكبح جماح القوة الغضبية بالشرع”.

وقد ختم الدكتور كلمته الرقيقة بحديث رواه البيهقي في شعب الإيمان عن أم الدرداء قالت: “بات أبو الدرداء رضى الله عنه الليلة يصلي فجعل يبكي ويقول: اللهم أحسنت خلقي فأحسن خلقي حتى أصبح فقلت: يا أبا الدرداء ما كان دعاؤك منذ الليلة إلا في حسن الخلق قال: يا أم الدرداء إن العبد المسلم يحسن خلقه حتى يدخله حسن خلقه الجنة ويسوء خلقه حتى يدخله سوء خلقه النار”.

طالع أيضا  أحكام الأضحية