تحدث الدكتور بلقاسم الزقاقي في مادة التفسير والمدارسة ضمن فقرات مجلس النصيحة عن بعد، الذي نظمته جماعة العدل والإحسان تحت عنوان: “التخلق بالقرآن الكريم” ليلة وصبيحة الأحد 23 ذي القعدة الموافق لـ 3 و 4 يوليوز 2021، عن قوله سبحانه في سورة الزخرف: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ.

وعن سبب تسمية سورة الزخرف بهذا الاسم، يقول المتحدث إن ذلك يعود للمواضيع التي تحدثت عنها، والتي حذرت من الانغماس في شهوات الدنيا، ووصفت كل ما يتعلق بها من متاع وذهب وفضة وأموال وغيرها من المغريات بأنها لا قيمة لها، وهي عبارة عن نعيم زائل. ويمكن القول إن الحواميم السبع وسورة الزخرف منها ذات خط واحد، هو خط الحديث عن القرآن وموقف الكافرين منه إبان التنزيل، فسورة الزخرف تدور حول مجادلة مشركي مكة إبان تنزيلها، وإبطال مواقفهم من كثير من قضايا الدين الكبرى ومفهوماته، وتسفيه الأساطير الوثنية والانحرافات الاعتقادية التي كانوا يعتقدونها. كما تعرض سورة الزخرف جانباً مما كانت الدعوة الإسلامية تلاقيه من مصاعب وعقبات، ومن جدال واعتراضات، وتقرر القيم الصحيحة التي ينبغي التزامها والإيمان بها، ومن أبرز هذه القيم الدعوة إلى الاستمساك بالقرآن الواردة في آيتي هذه المدارسة.

ويفصل الزقاقي القول في في هاتين الآيتين الكريمتين حيث يوجه الله عز وجل رسوله عليه الصلاة والسلام إلى الاستمساك بالقرآن، وإلى اليقين بأنه على صراط مستقيم، ويقرر أن هذا القرآن كلام الله ووحيه، وأنه ذكر ورفعة وعزة له ولقومه، وسوف يسألون عن التزامهم به يوم القيامة؛ ف”استمسك” فعل أمر، الماضي منه سداسي وهو استمسك، وهو مزيد بالهمزة والسين والتاء، عن الثلاثي المجرد الأصيل منه مسك، تقول: مسك الفريق بالحبل، وعندما تريد توكيدا أكثر تقول أمسك الفريق بالحبل، والخماسي فيه مزيد توكيد تقول تمسّك الفريق بالحبل، أما السداسي فهو القمة في التوكيد والاضطرار، تقول استمسك الفريق بالحبل. وقد تقرر لدى علماء اللغة أن الزيادة في المبنى تفيد الزيادة في المعنى، والمعنى تمسك أيها النبي بقوة بما يلقى إليك من الوحي، ولا يغرنك إعراضهم عن دين الله، لأنك أنت على الحق وهم على الباطل. ولقد استمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا القرآن، كما استمسك به أصحابه الكرام رضي الله عنهم أجمعين، ومن بعدهم من أجيال المسلمين. ورفع الله تعالى لهم ذكرهم وأعلى منزلتهم، وقادوا العالم، ونشروا في الناس نور الله تعالى.

طالع أيضا  أهل مكة أدرى بشِعابها!!

أمر الله تعالى عز وجل نبيه بالاستمساك والتمسك بالدين، وهو صلى الله عليه وسلم إمام المتمسكين، ولم يترك لحظة التمسك بما أُمر به، لكن الله تعالى خاطبه برفيع درجاته، وعظم محله ومنزلته، لتكون أنت أيها المؤمن متأدبا بآداب التمسك والاقتداء والاستقامة، وتعلم أن مثله صلى الله عليه وسلم إذا خوطب بمثل هذا الخطاب ما الذي يلزمك من الاجتهاد والمجاهدة. فكل مسلم مأمور بالاستمساك بالقرآن، وأن يأخذ أقصى وآكد وأوثق حالات الاستمساك، وهذا الاستمساك يوحي بأهمية هذا القرآن، كما يوحي بمدى حاجتنا في هذا الزمان إلى الاستمساك به كاملاً، لأنه كلام رب العالمين, قال الإمام القشيري رحمة الله عليه في معنى الاستمساك بالذي أوحي إليك: “اجتهد من غير تقصير، وتوكل على الله من غير فتور، وقف حيثما أمرت، وثق بأنك على صراط مستقيم“، وقيل أيضا في معنى الاستمساك: “فاعتصم بالقرآن فإنه حبل الله المتين، بأن تتخلق بخلقه وتدور معه حيث يدور، وقف حيثما أمرت وثق فإنك على صراط مستقيم تصل به إلى حضرة جلال الله تعالى“.

المتحدث أكد أنه قد وردت أحاديث كثيرة تحث وتحض على الإستمساك بالقرآن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي“، ومن معاني الاستمساك الواردة في القرآن تلاوته حق تلاوته، أي قصد العمل به وتنزيله. قال العلامة الآجوري رحمه الله: “فالمؤمن العاقل إذا تلا القرآن استعرض، فكان كالمرآة يرى بها ما حسن من فعله وما قبح فيه، فما حذرّه مولاه حذره، وما خوّفه به من عقابه خافه، وما رغّبه فيه مولاه رغب فيه ورجاه، فمن كانت هذه صفته أو ما قارب هذه الصفة فقد تلاه حق تلاوته، ورعاه حق رعايته“.

والصراط المستقيم الوارد في الآيتين الكريمتين هو الطريق القويم المعتدل، وهو العمل بالذي أوحي إليه، فكأنه قيل إنه صراط مستقيم، ولكن الله عز وجل عدل عن ذلك إلى إنك على صراط مستقيم، ليفيد أن الرسول صلى الله عليه وسلم على الحق المبين، راسخ في الاهتداء إلى مراد الله تعالى، على محجة لاحبة، لا يشوب سيره وسلوكه عليها تردد ولا خوف ضلال، في دروبها ومنعرجاتها. والمؤمن لا يستقيم حقا على الطريق إلا إن تمسك بالقرآن تلاوة وتدبرا وعلما وعملا، فيهديه للتي هي أقوم. كما جاء في بيان القرآن الكريم في قوله تعالى: إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا أي يهدي إلى الطريقة التي هي أصوب، وقيل يهدي للكلمة التي هي أعدل وهي شهادة أن لا إله إلا الله، وأقوم هنا بمعنى المستقيم الصحيح كأكبر، بمعنى الكبير، فالقرآن يدل على الحق والصواب، القرآن نور من استضاء به خلص من ظلمات جهله، وخرج من غمار شكه، قيل في معنى أقوم: “أي يهدي إلى الخصال التي هي أقوم الخصال“. قال المفسرون: “هي توحيد الله تعالى والايمان به وبرسله عليهم الصلاة والسلام أجمعين، والعمل بطاعته، فمن اهتدى بما يدعو إليه القرآن كان أكمل الناس وأقومهم، وأهداهم في جميع أموره، فيجزيهم الله سبحانه وتعالى الأجر الكبير الخلود في النعيم المقيم، وزيادة النظر إلى وجهه الكريم“. ولما بين الله تعالى تأثير التمسك بهذا الدين في منافع الدين، بيّن أيضا تأثيره في منافع الدنيا، وقال عز من قائل: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ، وقوله وإنه لذكر لك يحتمل معنيين، أي وإنه لشرف في الدنيا لك ولقومك، يعني قريشا، قال ابن عباس وغيره رضي الله عنهم، ويحتمل المعنى الثاني وإنه لتذكرة وموعظة، فالقوم على هذا أمته بأجمعها وهذا قول الحسن ابن أبي الحسن. قال شهيد القرآن سيد قطب رحمة الله عليه: “فأما الرسول صلى الله عليه وسلم فإن مئات الملايين من الشفاء تصلي وتسلم عليه، وتذكره ذكر المحب المشتاق، آناء الليل وأطراف النهار، منذ قرابة ألف وأربعمائة عام، ومئات الملايين من القلوب تخفق بذكره وحبه منذ ذلك التاريخ البعيد، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها“. وقوله تعالى وسوف تسألون، تحذير من مخالفة ما اشتمل عليه هذا القرآن الكريم من أحكام وآداب وتشريعات، أي وسوف تسألون يوم القيامة عنه وعن القيام بحقه، وعن مقدار تمسككم بأوامره ونواهيه، وعن شكركم لله تعالى على منحكم لهذه النعمة، واللفظ يحتمل هذا كله ويعمه.

طالع أيضا  جديد إصدارات موقع ياسين.نت .. كتاب "وترجل الإمام"

وختم الزقاقي فقرة المدارسة بقوله إنه قد بدا واضحا أن العز الذي كان ينعم فيه سلف هذه الأمة، ما هو إلا نتيجة لتمسكهم بالقرآن، وتعلقهم به وحياتهم معه، وتدبرهم له، وبذا حصل لهم النصر على الأعداء، وتحولوا من رعاة للأغنام إلى هداة للناس وقادة للشعوب والأمم، وما دام أن السبب في ذلك هو القرآن الذي بين أيدينا، فما علينا إذا أردنا عز الدنيا والآخرة، إلا أن نسلك طريقه ونهتدي بهديه، لتكون عاقبتنا كعاقبتهم، ويحصل لنا ما حصل لهم. إن حقيقة الاستمساك بالقرآن تكمن أولا في تعظيم القرآن، لأنه كلام الله تعالى ووحيه، الذي شرف الله به الأمة والعالمين، فنتلوه حق التلاوة، ونتدبره أحسن التدبر، فنعمل به، ونفعله في تصورنا وسلوكنا وأخلاقنا وعلاقاتنا مع الأهل والولد، مع القريب والبعيد، مع الصديق والعدو، في الشأن العام والخاص، ولا يزحزحنا عن هذا الصراط المستقيم أكاذيب المرجفين، ولا تأويلات المنافقين، ولا تحريفات أهل الزيغ دعاة الفتن. واقتبس في الختام من مكتوبات الإمام المرشد رحمه الله تعالى قوله: “فتوبتُنا إلى الرحمن، وتسميتنا لدولة القرآن، لا يصحان لنا إلا بهدي القرآن، علوم القرآن. منه ننطلق، وإليه ننتهي. به تُطَبُّ القلوبُ، وبه تهذَّبُ الأخلاقُ، وفي مدرستِه تُطْبَعُ كلُّ العلوم لتأخُذَ صبغةَ الله، وتجَنَّدَ لخدمة دين الله. الحق الذي جاء به القرآن هو معيارُ كل القيم، به نعرفُ نسبة الإنسان للإنسان، ونسبةَ الإنسان للكون، ونسبة الدنيا للآخرة، ونسبة الحق للباطل، في إطار نسبة العبد لربه. وأنصعُ ما تكون النسبة بين العبيد ومولاهم الحقِّ حين يتلون كتابَه المنـزَّل عليهم رحمةً وحكمة، وحين يشمرون لتنفيذ الأوامر واجتناب النواهي“.