نظمت مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين للأبحاث والدراسات المحاضرة العلمية الثانية ضمن سلسلة تقديم كتب الإمام عبد السلام ياسن رحمه الله، وقدمها فضيلة الأستاذ الدكتور عبد العلي المسئول في موضوع: التعريف بكتاب شعب الإيمان وذلك يوم الأربعاء 30 يونيو 2021.

واعتبر المسئول أن كتاب شعب الإيمان للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى هو من أجلّ كتب هذا الرجل، وهو كتاب من أوائل المصنفات التي خطها الأستاذ رحمه الله بيمينه، حيث إنه ألفه بعد كتابه الإسلام غداً، وانتهى من خطه سنة 1975 للميلاد. حيث جمع رحمه الله في الكتاب أحاديث نبوية، ورتبها في سجنه، بعد كتابته لرسالة الإسلام أو الطوفان التي اعتقل على إثرها سنة 1974 للميلاد، واعتمد رحمه الله ابتداء في تأليفه على ما كان بحوزته من مصنفات الحديث مما وصل إليه وهو في معتقله، وكانت هذه الكتب لا تتجاوز خمسة كتب، من بينها رياض الصالحين للإمام يحيى بن شرف الدين النووي. ومن هذه المصنفات التي كانت بحوزته الترغيب والترهيب للحافظ المنذري. وبعد خروجه رحمه الله تعالى من سجنه واطلاعه على متون السنة من مظانها، ومن بينها ما صنف في شعب الإيمان كشعب الإيمان للبيهقي، وشعب الإيمان للقصري وغيرهما، أضاف إلى الشعب أحاديث أخرى، وهذا هو دأب الكبار من العلماء، حيث إنهم كانوا يؤلفون كتبهم ويهذبونها ويحبرونها، وينقحونها تنقيحا.

وزاد المتحدث في توضيح سياق الكتاب بالقول إنه بعد تألفيه بقي مخطوطاً، وألفت كتب بعده، فقدّمت عليه في الطباعة والنشر لمقاصد وغايات، إلى أن كتب لهذا المصنف الشيوع والذيوع والطباعة والنشر كذلك سنة 2017 للميلاد، وهو من الحجم المتوسط، يقع في جزئين وعدد صفحاته 870 صفحة، طبع طبعتين. وصدر عن دار لبنان للطباعة والنشر ببيروت بلبنان. واشتغل فريق من الباحثين بهذا الكتاب لتخريجه في حلة تليق به، حيث إن هذا التخريج للكتاب اشتغل عليه عدد من الباحثين، من أولئك فضيلة الأستاذ الدكتور عبد اللطيف آيت عمي أستاذ الحديث بكلية الآداب بمراكش الذي خرج أحاديث الكتاب، وقمت معه بمراجعة الكتاب وبشرح غريبه. وقد وُضع لهذا الكتاب ترقيم متسلسل للأحاديث، حيث إن هذه الأحاديث بلغت 2051 حديثا، شرحنا غريب هذه الأحاديث وخرجناها بحمد الله تعالى، ونصصنا على درجة الحديث، صحةً وحُسنا وضعفا.

وانتقل الأستاذ الجامعي للحديث عن صلة الإمام رحمه الله تعالى بالسنة المشرفة وبالحديث النبوي الشريف، فالإمام عبد السلام ياسين رحمه الله كان متّبعا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومقتديا بهديه في خلقه، ووعظه ودروسه، ومكتوباته، في بيته ومع جلسائه، في عمله ومع الناس أجمعين. كان رحمه الله تعالى يأخذ بالعزائم والرخص، وفي الوقت ذاته ييسر على الأمة أمر دينها. هذا الرجل أحيى في الأمة سنناً كادت تندرس وينطفئ نورها، في العبادات وفي المعاملات وفي الفقه السياسي. وأحيى فينا سنة الجمع بين العدل والإحسان، وأحيى في الأمة سنة قول كلمة الحق للجائر والظالم والفاسد والمستبد. وأحيى فينا سلوك الفرد داخل الجماعة، حيث إنه رحمه الله تعالى أعلى من شأن الصحبة لأنها محور التربية وأساسها، وجعلها مع الجماعة وفي الجماعة. وكان رحمه الله كثير النظر في كتب الحديث النبوي الشريف.

طالع أيضا  الصلوات الخمس زاد روحي وخلقي

وحكى المتحدث أنه ذات مرة زار الإمام في رفقة، فأعلمه أنه ذلك اليوم ختم مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني رحمه الله نظراً وتفقهاً، والمسند عدد أحاديثه تزيد عن ثلاثين ألف حديث. وكان قد اعتمده كثيراً في كتاب شعب الإيمان، كان رحمه الله يأخذ بالأحاديث الصحاح والحسان، وكان يعمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف إن كان ضعفه خفيفاً، وهو رحمه الله تعالى كان يهتم برواية الحديث النبوي الشريف، حيث إنه رحل إلى المحدث الكبير عبد الله بن الصديق الغماري رحمه الله لطلب الحديث، حيث حدثه هذا الأخير بحديث الرحمة، المسلسل بالأولية، وأجازه إجازة عامة في مروياته، وكان ذلك بمعية الأستاذ محمد عبادي سنة 1979 للميلاد. وكان رحمه الله تعالى مجلاً للمحدثين كالبخاري ومسلم والشافعي والإمام أحمد، والخطيب البغدادي والإمام النووي، وكان يثني عليهم في مصنفاته وفي دروسه الشفوية، وكان يذكرهم بخير، ويثني على خدمتهم الجليلة التي قدموها للحديث النبوي الشريف من جهة الرواية، ومن جهة الدراية.

وتساءل المتحدث عن المقصود بشعب الإيمان، مجيباً بأن الشعبة في اللغة هي الطائفة والقطعة والجزء، ومنه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الحياء شعبة من الإيمان“، أي طائفة منه، وفي حديث ابن مسعود “الشباب شعبة من الجنون”. والشعبة من الشجر ما تفرق من أغصانها، والشعبة هي المسيل الصغير والساقية تصبّ في الوادي، وأما الإيمان فهو تصديق بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالجوارح. فشعب الإيمان إذا بتعبير الإمام رحمه الله هي روافد يتألف منها نهر الإيمان، وهي ركائز سلوكية لا يمكن لطامح في مقامات الإحسان وسلوك طريق العرفان أن يتجاوزها أو أن يتنكبها كما قال الإمام رحمه الله، وهذه الشعب هي إما أعمال تنتج الإيمان كقول الكلمة الطيبة لا إله إلا الله، أو هي أعمال ناتجة عن الإيمان كإماطة الأذى عن الطريق، أو هي مواقف قلبية موجهة لعمل المؤمن كالحياء، كما ذكر الأستاذ رحمه الله في مقدمة كتابه شعب الإيمان.

وعن موقع الكتاب من المشروع التغييري للإمام رحمه الله، قال المسئول موضحاً إن المشروع التغييري للإمام عبد السلام ياسين هو مشروع في التربية والتعليم والسياسة والاجتماع والاقتصاد، وجاء للفرد وللمجتمع، وللرجل وللمرأة. فهو مشروع بحمد الله تعالى متكامل، غايته الدلالة على الله، وإنهاض هذه الأمة لتقوم بمهامها، وبناء دولة القرآن بتدرج وحكمة، وإعادة بناء الأمة على أصولها مستحضرا كليتي العدل والإحسان في كل عملية تغييرية، وفق آلة تُرتَّب بها الشريعة في الزمان وفي المكان، وهي آلة المنهاج النبوي. هذا المشروع جاء في أكثر من ثلاثين مؤلفاً، وأصول هذه المؤلفات وأمهاتها هو كتاب المنهاج النبوي، حيث إن الإمام رحمه الله تعالى قدم فيه تصورا تربويا وتنظيميا وسياسيا شاملا لهذا المشروع، يرسم أهداف العمل الإسلامي زمن الفتنة. ومن هذه الكتب الأمهات كتاب تنوير المؤمنات، وكتاب الإحسان وكتاب العدل، وبعد هذه المؤلفات هناك مصنفات أخرى، ورسائل علمية وفكرية وتربوية، جاءت تفصل المشروع في مختلف القضايا التربوية والفكرية والسياسية والاجتماعية، مثل الشورى والديمقراطية وحقوق الإنسان والحداثة والفقه والتاريخ والاقتصاد وغيرها من القضايا. هذا المشروع التغييري للإمام منطلقه شعب الإيمان. إذ المشروع هو بحد ذاته دعوة إلى تغيير ما بالنفس وما بالأمة، لكن ضمن سلوك جماعي، فإذا هو عبارة عن سلم به درج، يسلكه المؤمن داخل جماعة المسلمين، شعاره الخطاب القرآني الخالد إن الله يأمر بالعدل والإحسان. وقد كان كتاب شعب الإيمان مادة عدد من مصنفات الإمام رحمه الله، وعلى رأسها المنهاج النبوي وكتاب الإحسان وكتاب العدل وكتاب تنوير المؤمنات.

طالع أيضا  "المرأة وتحديات التغيير والبناء" موضوع المنتدى الثاني لنساء العدل والإحسان

وعن القيمة العلمية التي أضافها كتاب شعب الإيمان، أوضح المتحدث أن علماءنا رحمهم الله اهتموا بالتأليف في شعب الإيمان، جمعا وترتيبا للأحاديث المتعلقة بها، ومن أولئك البيهقي والقصري وغيرهما، وكان الدافع لهم إلى ذلك تحديد وتفصيل ما أجمله رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا اِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ“، حيث إنهم رحمهم الله جمعوا ورتبوا وبوبوا وصححوا وضعفوا وعدلوا وجرحوا، وذلك بحسب غاياتهم ومقاصدهم التي أفصحوا عنها في مقدمات كتبهم، ولا شك أن الإمام رحمه الله استفاد من أولئك، لكنه لم ينحوا نحوهم في الترتيب ولا في التبويب. فيما يتعلق بالترتيب نظر الإمام رحمه الله إلى آي الذكر الحكيم، وخبر سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة، واستحضر أعمال القلوب والجوارح وما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة، فوضع ترتيبا لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وفق مقاصد تربوية، وأهم ميزات هذا الترتيب أنه لم يجعل الفرائض وحدها، والسنن والمستحبات وحدها، وإنما رتب ذلك ترتيبا سلوكيا يسهّل سلوك المسلم في جماعة المسلمين، ثم إنه رحمه الله لم يرتب الشعب ترتيب كتب الحديث وشعب الإيمان، فكتب الحديث رتبت على أبواب الإيمان والطهارات والعبادات والمعاملات والأقضية والآداب والأخلاق، أما الإمام رحمه الله تعالى لم يرتب الشعب ترتيب كتب الحديث، وإنما ركّب ومزج بين هذه الأمور كلها بما تقتضيه مراحل التربية، فالكتاب إذا هو معراج سلوكي ومرقاة موصلة إلى ذرى الإحسان، يرتفع عليها المؤمن وجماعة المؤمنين.

وأما في جانب التبويب، فالإمام رحمه الله جعل الشعب عشر فئات، حيث سمى كل فئة خَصلة، وضمّن كل خصلة عدداً من الشعب، وكل شعبة موضوعات وعناوين على شاكلة أبواب كتب المحدثين، وأدرج في كل عنوان عدداً من الأحاديث، وبين الخصال والشعب والعناوين علاقات دلالية، وهو تقسيم فيما يحسب المتحدث لم يُسبق إليه. وشعب الإيمان فيها أمهات، والخصال العشر فيها كليات وفيها مكملات، مثلا خَصلة الصحبة والجماعة وخصلة الذكر وخصلة الصدق هذه الخصال الثلاث هي أمهات الخصال وعمدها، وأما الخصال السبع فهي ملحقة بهذه الخصال الثلاث الأمهات، وهكذا الشعب. وهذا الترتيب راعى هذه الخصيصة.

طالع أيضا  ذ. فتحي ينتقد استغلال الوباء للتضييق على الشعائر التعبدية للمسلمين

الإمام رحمه الله تعالى كان ينظر إلى الأحاديث المشرفة وإلى السنة النبوية على أنها نصوص تأسيسية ليست كسائر نصوص البشر. فالسنة عنده رحمه الله هي وحي من الوحي، ويستند إلى قول الله تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى، وقراءة السنة النبوية عنده رحمه الله ينبغي أن تكون بآلية جامعة بين العقل والنقل، بين الدنيا والآخرة، وبين الدين والدولة، وبين الغيب والشهادة، وبين العدل والإحسان. لا أن يقرأ الواحد منا سنة الرسول صلى الله عليه وسلم من جهة دون جهة أخرى. وهو رحمه الله تعالى يوصي بالنظر في السنة بعقل جامع لآلة الفهم والاستنباط. والناظر في كتاب شعب الإيمان يجد فقهه رحمه الله في تراجمه، فمثلا عنده في شعب الإيمان عنوان “تعليم الرجل أهله” حيث إنه رحمه الله تعالى يسرد حديثا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قول الله عز وجل: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا قال علموا أنفسكم وأهليكم الخير. عنوان آخر عنده في شعب الإيمان “الفقيه كل الفقيه” حيث إنه رحمه الله ذكر تحت هذا العنوان حديثا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه كذلك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أنبئُكم بالفقيهِ كلِّ الفقيهِ ؟ قالوا : بلى . قال : من لم يقنِّطِ الناسَ من رحمةِ اللهِ ، ولم يؤيِّسْهم من رَوحِ اللهِ ، ولم يؤمِّنْهم من مكرِ اللهِ ، ولا يدَعُ القرآنَ رغبةً عنه إلى ما سواهُ ، ألا لا خيرَ في عبادةٍ ليس فيها تفقُّهٌ ، ولا علمٍ ليس فيه تفهُّمٌ ، ولا قراءةٍ ليس فيها تدبُّرٌ” وهذا الحديث أورده ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله، وهناك عنوان آخر وسمه بـ “الاقتصاد في الموعظة” وذكر تحته حديثا عن أبي وائل قال: كان عبد الله يذكّر الناس في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن لوددت أنك ذكرّتنا كل يوم، قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أُملّكم، وإني أتخولكم بالموعظة، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها مخافة السآمة علينا”، وهذا الحديث أخرجه الإمام البخاري. والإمام رحمه الله لو أراد الواحد منا أن يستخرج اختياراته الفقهية والسلوكية فما عليه إلا أن ينظر في هذا الكتاب الجامع، الذي بث فيه سننا كثيرة من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم.