كثيرون هم أولئك الذين يحصرون تأويلهم للمرض بين تطهير صاحبه من الذنوب والخطايا أو التعجيل له بالعقاب على تقصيره وتماديه في ظلم نفسه وغيره. لكنْ قليلون هم أولئك الذين يستحضرون أن المرض هو فرصة تطوى فيها مسافات السير والسلوك إلى الله.

في حياة العادة تحجبنا الصحة والعافية والقوة التي نتمتع بها عن مصدرها ورازقها والمنعم بها علينا. تطغى علينا العادة فتجعلنا نبتذل ما ينزل علينا من نِعَمٍ بَلْهَ أن نتذكر المنعم. وإذا كان الأولياء السالكون إلى الله يلجأون إلى الفيافي والمغارات طلبا للخلوة ورغبة في الاستفراد بالنفس لتقريعها وتوبيخها ثم تزكيتها، فإن المرض يجعلك تعيش هذه المعاني وأنت طريح الفراش.

قد يعيش السالك سنوات واضعا نفسه بين مطرقة العبادات وسندان المراقبة بغية بلوغ مقام الرضى والتسليم والحاجة إلى الله سبحانه، في المقابل فإن المرض يطوي المسافات المكانية والزمانية ويعرج بصاحبه كالبراق إلى مقام الافتقار إلى الله، وما أجَلَّهُ وأعظمه من مقام! يشعرك المرض بالعجز وبالضعف، فيخرجك من بيضة استعلائك واستغنائك بنفسك عن الله سبحانه. يشعرك المرض أنك لا شيء، وهو مقام أمضى الإمام الرفاعي قدس الله سره حياته كلها يسير ليصله.

في الخلوة كان الأولياء السالكون يبحثون عن الأنس بالله، وعلى فراش المرض يتفضل ربنا العلي القدير أن يكون هو كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه عند المريض، ألم تسمع قوله تعالى في الحديث القدسي: ”إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ يقولُ يَومَ القِيامَةِ: يا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قالَ: يا رَبِّ كيفَ أعُودُكَ؟ وأَنْتَ رَبُّ العالَمِينَ، قالَ: أما عَلِمْتَ أنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أما عَلِمْتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟“ لَكَمْ هو جميل هذا التودد والتلطف أن ينسب الله عز وجل المرض لنفسه سبحانه تعظيما وإجلالا لعبده المريض.

طالع أيضا  د. بن مسعود لـ "النقابيين الفضلاء": المعارك المنفردة تخدم الإدارة أكثر مما تخدم الشغيلة

أنظر رحمك الله كيف يزين المرض صاحبه بالرضى والتسليم والافتقار إلى الله، وكيف ينزع عنه لباس الاستغناء والاستعلاء، وكيف يعلمه أن القدر كالطائر فوق الرؤوس لا ينفع معه الحذر، والعاقل من يحبس هذا الطائر في قفص الرضى والقبول بعد الاستفراغ من كل الأسباب المادية والمعنوية.

ولئن كان الأولياء تُشَدُّ لهم الرحال التماسا لبركاتهم ودعائهم، فإن المرضى لا يكون الله عندهم إلا بعد تطهيرهم وتنقيتهم حتى يعودوا كما ولدتهم أمهاتهم؛ إن الله طيب ولا يكون إلا عند من ألبسه لباس الطيبوبة. لذا جعل الله دعاء المريض مستجابا، وعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تلتمس منه الدعاء، بل إن الله جَنَّدَ وقَيَّضَ آلاف الملائكة لتشييع زوار المريض والمكوث معه يستغفرون له من الصباح حتى يمسي، ومن المساء حتى يصبح.

أي مقامات هذه التي يرفل فيها المريض إن هو قَبِلَ بالقدر الإلهي الزائر، واستقبله بعين الرضى والتسليم، ولم يَشْكُ ربه لخلقه، ولم يضجر من مرضه، وقابله باتخاذ أسباب الشفاء مستحضرا أنه في ضيافة الشافي الذي لا شفاء إلا شفاؤه، راجيا أن يشفيه المولى عز وجل من أمراضه الظاهرة والباطنة، وأن يرزقه ولادة جديدة على كل المستويات النفسية والقلبية والجسدية. في هذا السياق نفهم لماذا كان الصحابة يستبشرون خيرا بالمرض ويعتبرونه علامة على الإيمان، ولماذا كانوا يتهمون أنفسهم إذا طال عليهم الأمد ولم يصبهم شيء. إن هذا الترجي ليس في المرض، وإنما طمعا فيما يستتبع المرض من مقامات ومدارج وعطايا ربانية تتلخص كلها في ”عندية“ الله مع عبده المريض. فالله نسأل أن يكرمنا بالعفو والعافية، وأن يجعلنا ممن يعرفون نعم الله عند العطاء وليس بعد السلب، وأن يرزقنا الرضا بقضائه والتسليم بقدره، وأن يكرمنا بدوام الحاجة والافتقار إليه في صحتنا وسقمنا، وألا يفتننا عند الإبتلاء لا بالخير ولا بالشر، إنه هو الكريم المنان.

طالع أيضا  إذا جاعت النفس شبعت الجوارح.. فكيف تشبع الجوارح؟ الأستاذ عبادي يجيب