فيما يلي وقفة حاولت فيها إبراز بعض من جولات الإمام عبد السلام ياسين رحمة الله عليه في نقده للحضارة الغربية من منطلق قيمي أخلاقي حين ارتكزت على العقل كمصدر أوحد للمعرفة، وكيف أدى بها تأله العقل إلى “المسلمة الدوابية” وتبني الانحلال الأخلاقي مسلكا اجتماعيا وضربا في قيمة الأسرة كعلاقات منضبطة.

العقل ملكة إنسانية تميز الإنسان عن الحيوان وتعطيه القدرة على التمييز والاختيار، فبين طريقين في توظيف هذا العقل افترقت الإنسانية بين من يعطيه السلطة المطلقة في سبر أغوار كل مناحي الحياة والكون والوجود الإنساني دون مرجعية تتجاوزه، وبين من يعتبر محدودية سلطانه وعجزه خارج نطاق إدراكه وضرورة خضوعه لسلطة إلهية فوقه تضع له الحدود، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “فأما العقل المهتدي الموفق المستقيم على طريق من الصرامة العلمية والسليم على الفطرة فيعترف بقصوره وعجزه عن الجواب، وتَنْسَدُّ عليه كل الآفاق إلا نهج الفطرة والبداهة التي تقول في أعماقه قبل التجربة وبعد التجربة: لابد لكل صنعة من صانع. ويتطلع إلى من يخبره ويجيب عن أسئلته. وتأتيه الرسل مؤيدة بالمعجزات التي خرقت له نواميس الكون فعلم أن الرسول صاحب المعجزات لا ينطق من تلقاء نفسه. ويصدق الوحي عندما يخبره بسلطان كلام الله: نحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (الواقعة، 57). وأما العقل المطبوع على قلب صاحبه فيظل ساعيا في آفاق المعرفة، ويبني حول نفسه نسيج عنكبوت من فرضيات ومسلمات تسُدُّ ثغرات جهله، وتقنعه أنه هو العقل. هو هو السيد. هو هو الإله” (كتاب تنوير المومنات، ج1، ص 159).

فمن أعطى للعقل كامل الصلاحية ليحلل ويفسر ويفتي فيما يتجاوزه لن يسعفه هذا العقل، لأنه بكل بساطة خارج عن مجال اختصاصه وفوق قدرته التي تقف عند كل ما هو مادي وملموس، أما عالم الروح فليس خاضعا لحسابات العقل ومتفلت من مقاييسه ومنطقه الذي يقف عند عتبة الدلالة على وجوده دون القدرة على سبر ماهيته، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “متى حاول هذا العقل أن يقتحم ما فوق طوره هام في بحور الفلسفة والأطروحات والتقديرات إلا أن تتداركه رحمة من الله فتسوقه من آفاقه التائهة رجوعا إلى عتبة الفطرة التي يتساوى فيها الإنسان الأمي الباقي على فطرته لم يبرحها ولم يفسدها عليه الوالدان والمجتمع مع الفيلسوف العائد من جولاته وأطروحاته” (كتاب محنة العقل المسلم، ص 5).

طالع أيضا  حب الله ورسوله.. محبة رسول الله هي العروة الوثقى -2/2-

فمن احتكم إلى عقله فقط لن يسعفه إلا هواه متبعا إياه في تمثل منهج للحياة لن ترقى أسسه إلا أن تكون فرضيات مهما توطدت براهينه واستدلالاته، أما حين يتنكب هذا العقل عن الاعتراف بخالقه واليوم الآخر وكل الغيبيات حينها تصبح المادة بثقلها هي مبلغ علمه وتصبح الشهوات وإشباعها هي قيمة الحياة بأسرها والغاية من وجوده وعمره على ظهر هذه الأرض.

نكون إذا أمام عالم جاهلي بجهله بالله جعل من العقل سيده رافضا الاعتراف بقصوره وأضحى إشباع رغباته ونزواته مبتغاه، حين سلم بفرضيات أصبحت في عرفه مسلمات بنى عليها استنتاجات كانت لتكون صحيحة لو صحت المسلمات التي نسي واضعها أنها مجرد فرضيات غير قابلة للإثبات أو النفي بالعقل، لأنه مجال يتجاوز قدرته، لذا فالوحي وحده من يملك الجواب، لكنه عالم جاهلي صاد عن ذكر الله.

مسلمات أضحت ركائز هذا العالم الجاهلي وعليها يستند في رسم مساره وسيره وضبط العلاقات بين أفراده منها ينهلون وإليها يحتكمون، يسميها الأستاذ عبد السلام ياسين “مسلمات عدمية” لأنها فعلا لا سند لها، فهي بنت العدم ويقول عنها: “تلك الواجهة المشرقة للحداثة قامت على بناء هش، على مجرد مسلمة عدمية. والمسلمة مبدأ لم يُبَرهَن على صحته ولا يمكن التدليل عليها. والعدمية مذهب فلسفي يقوم على مبدإٍ مؤسِّس هو التسليم بأن لا معنى للحياة ولا أساس للأخلاق” (الإسلام والحداثة،  ص 154).

في العالم الجاهلي المنكر لوجود الله تتربع… تتمة المقال على موقع مومنات نت.