“مْع منْ شَفْتَكْ مْع منْ شَبّـهْـتَـكْ”، أو “قُلْ لـي اشْكُونْ كتعاشر، انْقولِك اشكونْ أنت”، وباللسان الفصيح: “قُل لـي: منْ ترافقْ، أقُلْ لك: من أنتَ”. تتعدد صيغ هذا الـمثل لاختلاف اللهجات الـمنطقية، تعبيرا عن مضمون واحد يُعتبر قاعدة رئيسة فـي التربية والتوجيه لأهمية الرفقة فـي حياة الناس.

واعتبارا لقيمة الصحبة ودورها فـي تحديد مسار حياة الإنسان دنيا، ومصيره آخرة حضت السيرة النبوية علـى اختيار الأصحاب والخِلان، وفـي حديث أبي هريرة يقول صلى الله عليه وسلم: “الـمرءُ على دين خليله، فلينظر أحدكم من يُخالِلُ”. أي أن الدرجة الإيمانية وما يرتبط بها من سلوك وقيم واختيارات ومواقف لأي شخص تتحدد من خلال خليله وصديقه، فالصحبة مُعديةٌ، والصاحبُ ساحب كما يقال.

وإذا كانت الصحبة مفتاح، فهي ذات حدّين، فكما تكون مفتاحا وعونا علـى الرقـي بالنفس تهذيبا وتحريضا وتعاونا علـى الخير، قد تكون مفتاحا وبابا للشر وكل رذيلة وهلاك، فخير الأصحاب من إذا ذكرت الله أعانك، وإذا نسيت ذكّرك، والذّكْر هنا بمعناه العام يتعدى الأذكار والأوراد الإيمانية من كلمة طيبة وصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسبيح واستغفار وتلاوة للقرآن الكريم ليشمل معاني الاستقامة قولا وسلوكا وعملا وثباتا علـى الحق، لـما يتطلبه الدوام والثبات علـى الاستقامة العامة من مؤازرة ودعم وتعاون، مصداقا لقوله تعالـى على لسان سيدنا موسـى عليه السلام وهو من أولـي العزم سائلا ربه أن يؤازره بأخيه هارون عليه السلام فـي سورة “طه”: وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلـِي هَارُونَ أَخِـي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَــيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا.

وشر الأصحاب من كانت رفقتُه مجلبةً لكل شر، فـي الدنيا بوارا، وفـي الآخرة إفلاسا وحسرة، عبّـر عنها البيان القرآنـي بأشد ما تكون البلاغة، وما يقتضيه الـمقام ومنسوب الندامة. يقول عز سلطانه في سورة “الفرقان”: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا. بئس خليلا وصاحبا أضلَّ صاحبه وحال بينه وبين الاستجابة لنداء الفلاح!

طالع أيضا  أأستعملُ أدوات ووَسائلَ التواصل أم تسْتعمِلُني؟!

واعتبارا لقيمة الصحبة والرفقة وجب التنبه عند اختيار الأصحاب والرفقاء؛ اختيار وانتقاء بعد نظر وتمحيص جاءت التحريض النبوي عليه مؤكَّدا بلام الأمر الدالة علـى الطلب “فلْينظُـرْ”؛ واعتبارا لصعوبة الاختيار وسهولة الانخداع بالـمظاهر الـمشوشة كانت الاستخارة أنجع وسيلة تفويضا للأمر لله سبحانه وتعالـى. يقول الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله فـي “الفتح الرباني”: “إذا أردت أن تصحب أحدا فـي الله عز وجل فأسبغ وضوءك عند سكون الهمم ونوم العيون، ثم أقبل على صلاتك تفتح باب الصلاة بطهورك، وباب ربك بصلاتك، ثم اسأله بعد فراغك: من أصحب؟… هو كريم لا يخيب ظنك، لا شك يلهم قلبك، يوحـي إلى سرك، يبين لك، يفتح الأبواب، تضيء لك الطريق… فإذا اتّحدت الجهاتُ عند قلبك، وغلب الأمر علـى تعيين واحد، دونك واقصده”.

وإذا كانت الرفقة والصحبة حاسمة فـي حياة الناس ومصيرهم الأخروي، فإنها أشد وأعظم ملحاحية لدى الأبناء والناشئين عموما، لذلك وجب تعليم الأبناء وتزويدهم بآليات اختيار الأصحاب تحصينا لهم من الرفقة السيئة، فالناشئون يتأثرون من أقرانهم وأترابهم أكثر من تأثرهم بالراشدين من حولهم، فمن حظِــــــيَ برفقة صالحة فـي شبابه وبيئة إيمانية فـي محضنه الأسري سيقت له -بعد توفيق الله تعالى- أسباب الفلاح والنجاح دنيا وآخرة. وما أبلغ قول الشاعـر:

وفـــي السماء طيور اسمها البجعُ.. إن الطــيورَ علـى أشكـالـها تـــقَــــــعُ

أنت شبيه من ترافق، وعلى درجة إيمان من تُخاللُ، بالتعبير النبوي، قاعدة ذهبية فـي اختيار من يشاركوننا الدرب والـمسار، اقتحاما للعقبات، عقبات النفس والهوى، عقبات السلوك إلـى الله تعالـى، فالصبر يُتدرب عليه بصحبة الصابرين، وحسن الخلق يُتشرب من أهله، والثبات علـى الحق والـمواقف يُستمد من أهل الصدق والرسوخ فـي الثبات علـى الـمواقف، لا يغيرون، ولا يتغيرون. بالرفقة والصحبة تسمو الإرادات وتُشحذ الهمم مصداقا لقوله تعالى فـي سورة “التوبة”: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ. بالكينونة مع الصادقين نية ومقصدا وسعيا حثيثا وبذلا وتضحية وثباتا راسخا يُكتسب الصدق والثبات.

طالع أيضا  ذة. الكمري: مسار التحول الديمقراطي انطلق ولن يتوقف حتى يستكمل أهدافه

فاللهم أكرمنا بصحبة الصادقين فـي طلب وجهك الكريم، وجُدْ علينا برفقة طيبة ترفع منا الهمم استقامة دائمة، وتوبة متجددة، وإقبالا دون إدبار سيرا علـى هدي نبيك، والتزاما بصراطك الـمستقيم. والحمد لله رب العالـمين.