الأمر الرابع: الساعة

تذكير

من تابع معنا الحلقات السابقة، سيقف على مبدأين مهمين:

– مبدأ التلقي المرتبط بالعلم والمعرفة حول الحديث الشريف حديث جبريل عليه السلام بوحدته الشرعية والموضوعية المتمثلة في أربعة أمور. والتي تفيد أن الدين الذي جاءنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم هو إسلام وإيمان وإحسان وترقب للساعة.

– مبدأ الترقي المرتبط بالتنافس والسباق والمسارعة استجابة لنداء الله تعالى من أجل الارتقاء من إسلام اتباعا لصُواه واهتداء بمناراته، لإيمان تحليا بشعبه وتمثلا لخصاله، لإحسان وصولا إلى منازله وتحققا بمقاماته.

بقي مبدأ ثالث نقف عنده في هذه الحلقة السابعة، مبدأ لا يقل أهمية عن المبدأين السابقين، هو مبدأ التوقي المرتبط بالحذر المطلوب من الوقوع في الفتن بأنواعها. لأن الوقوع فيها يضر بمبدأ الترقي وبالتالي يصيب دين المسلم بالضعف والخلل. ويتحدد هذا المبدأ في الأمر الرابع الذي هو الساعة.

معنى الساعة

جاء ذكر الساعة في القرآن الكريم لتفيد معان كثيرة، منها على أقل تقدير هذه المعاني التي سنذكرها وهي:

الأول: تعني الساعة أجَل الدّنيا الذي ينتهي بفنائها. وساعة وقوع هذا الأجل علمه عند الله عز وجل. لكن الله تعالى جعل دون وقوع هذه النهاية المحتومة والحقّةِ أمارات وعلامات وأشراطا وفتنا وبشارات. وأن كلَّ من كذب بها من الناس وأنكرها فقد كفر بالله تعالى. يقول الله عز وجل: أعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا (الفرقان:11). أما عِلم هذه الساعة متى ستقع فعند الله تعالى، لا يعلمها إلا هو، ولا يجليها لوقتها إلا هو سبحانه وتعالى. يقول الله تعالى في محكم تنزيله: يسألونك عن الساعة أيان مرساها، قل إنما علمها عند ربي، لا يجليها لوقتها إلاّ هو، ثقلت في السماوات والأرض، لا تأتيكم إلا بغتة، يسألونك كأنك حفيّ عنها، قل إنما علمها عند الله، ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون (الأعراف:187).

الثاني: يطلق معنى الساعة على تاريخ البشرية كلها منذ بداية ظهور سيدنا آدم عليه السلام على وجه الأرض إلى قيام الساعة. لأنه ما من قوم أو أمة أو جماعة إلا وأنذرهم الله تعالى وأخبرهم على لسان نبيهم ورسولهم بوجود الساعة التي لا ريب فيها، والتي تعني لهم وللبشرية النهاية المحتومة. ولأن أيضا زمن البشرية من أول وجودها إلى آخره معدود ومحسوب بالساعة. وقد أطلق الله تعالى على الدنيا لقصر مدتها على أنها مجرد ساعة. ويقال: الدنيا ساعة فاجعلها طاعة، والنفس طماعة فعودها القناعة. يقول الله تعالى عن حال الكفار في الدنيا: ويوم نحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من نهار (يونس:45).

الثالث: معنى الساعة الذي يُطلق على زمن أمة أو حضارة إذا انهارت وزالت واندثرت لتقوم مقامها أمة وحضارة أخرى. فإذا انهارت أمة بمعنى أن ساعتها قد قامت، سواء عاشت لِقرن أو لقرون. فالساعة هنا أجل الأمة الذي ينتهي بزوالها. يقول الله تعالى: ولكل أمة أجل، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (الأعراف:34). وساعة هذا الأجل ربَطه الله تعالى بالأمة في الحالة الصحية والحالة المرضية. فإذا كانت الأمة تعمل بمنهج الله تعالى في حياتها ويجسده أفرادها في سلوكهم وأخلاقهم فإن الله تعالى يمدّ في أجل هذه الأمة مادامت عوامل الصحة موجودة وباقية. يقول الله تعالى: ثم توبوا إليه يمتعْكم متاعا حسنا إلى أجل مُسمى (هود:3). أما إذا كانت تنكر منهج الله تعالى ويخالفه أفرادها في سلوكهم وأخلاقهم فإن الله تعالى يُعجّل بساعة حضور أجلها لتقوم أمة أخرى تعمل بمنهج الله تعالى مكانها. يقول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم (المائدة:54).

الرابع: الساعة تعني أيضا أجل الإنسان الذي يبدأ بخلقه ثم ينتهي بموته. يقول الله تعالى: ونقرّ في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى (الحج:5). ويقول كذلك سبحانه وتعالى: من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت (العنكبوت:5). وساعة هذا الأجل علمها عند الله تعالى، لكنها بالنسبة للموت قد تحضر إما بغتة فيموت الإنسان في الحال، وإما تسبقها علامات وأمارات تنبئ باقترابها، كالمرض والهرم وغيرهما من الحوادث.

طالع أيضا  التسامح والتعايش السلمي ومناهضة التطبيع.. موضوع ندوة وطنية (فيديو)

الخامس: معنى الساعة الذي يُطلق على الساعة التي نحسب بها الوقت والزمن على مدار اليوم أو الشهر أو السنة. يقول الله تعالى: إن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله، منها أربعة حُرم (التوبة:36).

السادس: هناك من زاد أن من معاني الساعة في الحديث النبوي المجال الزمني من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم حتى قيام القيامة، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: “بعثت أنا والساعة كهاتين، وإن كادت لتسبقني، وضم السبابة والوسطى”. فكانت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بداية المجال الزمني أو لنقل بداية تاريخ الأمة الإسلامية حتى تقوم الساعة، وما سيعرفه من فتن وتقلبات وتغيّرات وتحولات ودوران، وما سيتسلسل عبره من أحداث تتراوح بين انتصار وانتشار، إلى انكسار وانحدار، إلى انحسار وانشطار، إلى استعمار واستكبار، ثم أخيرا إلى استبشار وانتصار.

ولعل تنوع هذه المعاني الواردة في تعريف الساعة كما يفيد أن الساعةَ تكون بفناء الدنيا لتوظيفه على مستوى العقيدة بأن هذه الدنيا ستنتهي حياتها حتما وأن هناك الآخرة ستبدأ حياتها حتما، يفيد أيضا أن الساعةَ تكون بموت الإنسان لتوظيفه على مستوى التربية بأن الإنسان ستنتهي حياته حتما، وأن هناك لقاء الله تعالى الذي سيبدأ حتما بعد ذلك، ويفيد كذلك أن الساعةَ تكون بزوال الأمة لتوظيفه على مستوى الدعوة بأن الأمة إن لم تخضع لمنهج الله تعالى في حياتها فهي إلى زوال لتقوم مقامها الأمم الأخرى تحمل شروط الحياة والنهضة.

خصائص الساعة

النهاية المحتومة: فهذه الساعة إذ تعلن النهاية المحتومة للدنيا ولجميع الخلائق، تؤكد لنا البقاء المطلق لله تعالى الواحد الأحد الفرد الصمد. يقول الله تعالى: لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون (القصص:88).

اقتراب أجلها: فما من حديث في القرآن والسنة عن الساعة إلا وتمّ ربطه بقرب نهايتها، وبأنها آتية لا ريب فيها. يقول الله تعالى: وما أمر الساعة إلا كلمحِ البصر أو هو أقرب، إن الله على كل شيء قدير (النحل:77).

وقوعها مفاجئ: فهي تأتي بغتة، حتى وإن تمّ الإخبار بما يسبقها من علامات وأشراط للدلالة على اقترابها إلا أنّ الإعلان عنها بوقت محدد ودقيق حالة وقوعها غير وارد. يقول الله تعالى: هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (الزخرف:66).

علمها غيبي: فجميع ما يتعلق بالساعة من الوقت الحقيقي لحدوثها، وللطريقة التي يتم بها وقوعها، كل ذلك غيب لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.

حدوثها مُرعب: وقد أخبرنا سبحانه وتعالى بأهم المشاهد التي ستصاحب قيام الساعة، وهي مشاهد عبارة عن أهوال ينهار من خلالها الكون كله. فما أهوله وأرعبه من موقف يومئذ.

وجوب الإيمان بها: الإيمان بالساعة واجب، فهو جزء من الإيمان بالله تعالى والإيمان باليوم الآخر.

نهاية العالم

نهاية العالم كثر الحديث عنها في الآونة الأخيرة خاصة أثناء اجتياح وباء كرونا للعالم بأسره. ولم يبق الحديث منحصرا لدى المتدينين فقط بل تعدى إلى غيرهم من العلمانيين والحداثيين. وهي عبارة تعبر عن لحظة معينة من الزمن يتم فيها تدمير الكون وإفناء البشرية. يشترك في هذه العبارة كل الديانات والفلسفات والأساطير. ويوظف هذا المفهوم في الفن والخيال العلمي. بينما يطلق على الدراسة التي تهتم بهذا المفهوم بــــ “الإسكاتولوجيا” ويقصد به علم الأخرويات أو علم آخر الزمان. كما يتم التعبير عن نهاية العالم بعبارات أخرى: في الإسلام “يوم القيامة”، وفي المسيحية “رؤيا يوحنا”، وفي البوذية “المابو”.

في مفهوم نهاية العالم يتم التفريق بين نهاية الكون ونهاية البشرية. فنهاية البشرية يمكن أن تتمّ بسبب بعض النشاطات الإنسانية: كالتلوث البيئي، وقلة الموارد الطبيعية، وكثرة الحروب خاصة النووية منها. أما نهاية الكون فهو مسألة ما زالت مفتوحة على عدة سيناريوهات أرجحها الموت الحراري. في الإسلام نجد مفهوم اليوم الآخر الذي هو أحد أركان الإيمان الستة. أو أحد الأسس الإيمان الثلاثة: الإيمان بالله تعالى والإيمان باليوم الآخر والإيمان بالعمل الصالح. واليوم الآخر حدث عظيم كما أخبر بذلك القرآن الكريم والسنة النبوية، ولكن تسبقه أحداث تُعلم وتعلن باقتراب حدوث ساعته. وهي عبارة عن علامات وأشراط وأمارات. منها الصغرى والوسطى والكبرى.

طالع أيضا  الحماية الاجتماعية بالمغرب

بين يدي الساعة

أخبرنا الله عز وجل في كتابه العزيز وأخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته المطهرة أن بين يدي الساعة علامات تتقدمها، وأمارات تسبقها، وأشراط تخبر باقترابها، وفتن كقطع الليل المظلم، منها ما يصيب الأفراد ومنها ما يصيب الجماعات. وأخطرها ما يصيب القلوب فتميتها حتى يصير أصحابها من شدة أثرها كالقبور تمشي على الأرض.

وبين يدي الساعة أيضا بشارات تبشر بانتصارات وفتوحات يعلو فيها الحق على الباطل، ويسود فيها العدل ويختفي الباطل، وتُخرج الأرض من خيراتها وتُنزل السماء من بركاتها ما يسعد البشرية في لحظة تاريخية لا مثيل لها.

فالساعة إذاً وإن كانت تحمل دلالةَ غروب شمس الدنيا لتدخل في عالم الفناء المظلم إلا أنه قبل هذا الغروب يوجد شروق يَسبقه في أول النهار. لذلك لا ينبغي أن يكون تركيزنا على الغروب بانتظار ساعته بينما هناك من هو أولى بالتركيز وهو انتظار الشروق حتى نستمتع بنوره الذي يبزغ ليملأ أرجاء الكون كله.

على العهد النبوي حين بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه رضي الله عنهم: “بعثت أنا والساعة كهاتين (وأشار إلى سبابته والوسطى) وقال: وإن كادت لتسبقني”. لكن رغم هذا الإخبار النبوي الذي يؤكد اقتراب وقوع الساعة واقتراب غروب شمس الدنيا لم يكن ليحجب عنهم البشارات النبوية ولا ليشغلهم عن انتظار الشروق المتجدد من مرحلة زمنية لأخرى. ويظهر لنا هذا التعامل النبوي في عدة مواقف. منها مثلا:

– في بداية الدعوة النبوية يروي لنا الإمام البخاري رحمه الله تعالى حديثا عن خباب بن الأرت رضي الله عنه أنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا ؟ قال صلى الله عليه وسلم: كان الرجل فيمن قبلكم، يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون”.

– وفي غزوة الخندق والأحزاب قد أحاطت بالمسلمين من كل جهة وبلغت القلوب الحناجر ويظنون بالله الظنون، ما يبعث على أن الشمس قد أوشكت على الغروب حقّاً، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن ليترك هذا الظلام حتى يُخيّم على واقع المسلمين فيسدّ عليهم الأفق بسواده، ولا ليدع اليأس ليدخل إلى قلوبهم فيُفسِد عليهم إيمانهم، بل أعلن لهم بصوت عال يسمعه الجميع أن الشمس ستشرق قريبا من كل جهةٍ يبدو لهم منها الظلام. فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: “أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، قال: وعرض لنا فيه صخرة لم تأخذ فيها المعاول، فشكوناها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء فأخذ المعول ثم قال: بسم الله، فضرب ضربة، فكسر ثلث الحجر، وقال: الله أكبر، أعطيتُ مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا، ثم قال: بسم الله، وضرب أخرى، فكسر ثلث الحجر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا، ثم قال: بسم الله، وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا”. فهذا التصور النبوي للأمور ضروري لبثه في الأمة حتى تواجه به اليأس ومن يزرعه فيها من المتخاذلين.

طالع أيضا  "أحبار وأفكار" يستضيف د. متوكل لبسط تصور الجماعة حول قضايا الحكم والسياسة

تتضمن الساعة ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من علامات وإشارات وأشراط وأمارات، منها ما هو تحذيرات سلبية كالأمارتين المذكورتين في الحديث، ومنها ما هو بشارات إيجابية في أحاديث أخرى. منها ما هو معلوم الزمان والمكان، ومنها ما هو مجهول الزمان والمكان، ومنها ما وقع ومنها ما سيقع. يقول الله تعالى: فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم، فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات، والله يعلم مُتقلبكم ومثواكم (محمد:18).

العلم بالسّاعة

الحديث عن علامات الساعة وأماراتها وأشراطها وما بين يديها من مضلات الفتن هو ليس من باب علم النوافل، بل هو من باب علم الفروض المندرجة في باب النصيحة الجامعة بين البشارة بالخير والنذارة من الشرّ. كما تمّ تعليم الناس بأنواع العلوم في مجال الإسلام والإيمان والإحسان، فكذلك يجب تعليم الناس علم علامات الساعة، ما به يحتاطون لدينهم من الوقوع في الشرّ والفتن ما ظهر منها وما بطن. وهذا التعليم ليس جديدا بل هو دأب النبي صلى الله عليه وسلم ودأب من سبقه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وهو أيضا دأب التابعين لهم بإحسان. فعن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة رضي الله عنه قال: دخلتُ المسجدَ فإذا عبدُ اللهِ بن عمرو بن العاصِ جالسٌ في ظلِّ الكعبةِ. والناسُ مجتمعون عليهِ فأتيتهم فجلستُ إليهِ. فقال: كنا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في سفرٍ، فنزلنا منزلًا. فمنا من يصلحُ خِباءَه، ومنا من ينتضلُ، ومنا من هو في جشرِه . إذ نادى منادي رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: الصلاةُ جامعةٌ. فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًّا عليهِ أن يَدُلَّ أُمَّتَه على خيرِ ما يعلمُه لهم، ويُنذرهم شرَّ ما يعلمُه لهم. وإنَّ أمتكم هذه جُعل عافيتُها في أولها. وسيُصيبُ آخرها بلاءٌ وأمورٌ تنكرونها. وتجيءُ فتنةٌ فيُرقِّقُ بعضها بعضا. وتجيءُ الفتنةُ فيقول المؤمنُ: هذه مهلكتي. ثم تنكشفُ. وتجيءُ الفتنةُ فيقول المؤمنُ: هذه هذه. فمن أحبَّ أن يزحزحَ عن النارِ ويدخلَ الجنةَ، فلتأتِه منيَّتُه وهو يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ. وليأتِ إلى الناسِ الذي يحبُّ أن يؤتى إليهِ. ومن بايعَ إمامًا، فأعطاهُ صفقةَ يدِه وثمرةَ قلبِه، فليُطعْه إن استطاعَ. فإن جاء آخرٌ يُنازعُه فاضربوا عنقَ الآخرِ”. فدنوتُ منهُ فقلتُ: أنشدكَ اللهَ! آنت سمعتَ هذا من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ؟ فأهوى إلى أذنيهِ وقلبِه بيديهِ. وقال: سمعتْهُ أذنايَ ووعاهُ قلبي. فقلتُ لهُ: هذا ابنُ عمك معاويةُ يأمرنا أن نأكلَ أموالنا بيننا بالباطلِ. ونقتلَ أنفسنا. واللهُ يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوْا لَا تَأْكُلُوْا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوْا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكًمْ رَحِيمًا (النساء:299). قال: فسكت ساعةً ثم قال: أَطِعْهُ في طاعةِ اللهِ، واعصِه في معصيةِ اللهِ.

أما اليوم والناس تفاجئهم الفتن كالقطر يرتمون في أحضانها حيارى لَأحوج ما يكونون لمن يدلّهم على طريق الخير الذي هو طريق الإسلام والإيمان والإحسان ليسلكوه، ويدلّهم على طريق شرّ الفتن المضلة والمهلكة فيجتنبوه. لأنّ هذا الزمان الذي اختلط فيه الحق بالباطل والحلال بالحرام وكثر فيه إعلام الكذب والدّجل هو أوان إخراج وإظهار المؤمن للعلم الحق الذي عنده ليكون ملاذا للناس ومنهجا لسلامتهم ووقايتهم في دينهم.

يتبع…