استأنف الأستاذ ياسين لحلو تقديم برنامجه الجديد “سفينة الروح” في حلقته الثانية، مبتدئا حديثه بتفسير الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله لآية من كتاب الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، حيث يقول الإمام: “لا يد لأحد يوم العرض بوقاية أحد من بطش الملائكة الغلاظ الشداد، ومن بطش ربنا الشديد إلا شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، أو شفاعة رسول ونبي وصالح وصالحة من المؤمنين“.

واستفاض لحلو في البرنامج الذي تبثه قناة الشاهد الإلكترونية في شرح كيفية الوقاية من فعل ما يُبعد من الله، ويقرّب من غضبه، والتي يكون إبانها يومئذ قد فات، إبانها هنا في الدنيا، ووسيلتها التربية على الاستقامة، وحفظ الأمانة التي أودعها الله عز وجل بين أيدينا.

الوقاية النفسية القلبية الروحية ليحفظ النشء من بطش الملائكة الغلاظ الشداد يوم القيامة، والوقاية الجسدية حفظ للأرض التي تنمى فيها الغرسة، إن مرض الجسم وأهمل وضربته العاهات فماذا نربي؟ من الأمهات من يرعين الجسم أحسن رعاية، ويتركن تربية النفس والخلق لغيرهن جهلاً أو تجاهلاً، للوقاية الجسمية مكانها وأهميتها. تواكب الصحة الجسدية الصحة النفسية القلبية، أو يقع اعتلال النفس لاعتلال البدن. همّ الوقاية ومجالاتها وكيفياتها مبثوثة في ثنايا القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وهي شاملة لكل أمور الإنسان، ومنها الصحة.

ويستدل المتحدث بمعجم المعاني الذي نجد فيه اتقى الله صار تقيا وخاف منه، واتقى الشيء حذره وتجنبه. ويورد قول أبي بكر الرازي رحمه الله: “ينبغي للانسان معرفة ما به الحاجة أشد من تقويم جسده وسياسته وحفظه، وذلك علم غامض دقيق يحتاج في مذهبه إلى فهم ذكي وفطنة لطيفة، ويسمى الطب. وينقسم إلى قسمين: أحدهما تدبير الجسد الصحيح ليثبت له صحته، وهو علم الوقاية. والآخر رد الجسم السقيم إلى حال الصحة وهو علم الاستشفاء“. على أن الوقاية خير من العلاج، هذا ما اتفقت عليه جميع المدارس الطبية التي تعاقبت على بني الانسان عبر العصور المختلفة.

طالع أيضا  في دلالات وعِبَرِ الأمثال الشعبية (3).. "شْحالْ قَدّك من أستغفر الله يا البَايْت بْلا عْشا"

ويضيف الدكتور ياسين نقلا عن كتاب “الشريعة الداخلية” للإمبراطور الأصفر، وهو أقدم كتاب في الطب الصيني، ما نصه: “الحكماء لا ينتظرون نشوء المرض بل يعالجون قبل ظهوره”، هل ننتظر العطش لكي نحفر بئرا؟ أو ننتظر الحرب لنصنع سلاحا؟ من أجل هذا الغرض أصدروا مرسوما للأطباء يضم خمسة توجيهات ملزمة قبل البدء بالممارسة: أولا التركيز وتسوية العقل، ثانيا تعلم قواعد النظافة، ثالثا معرفة خصائص العقاقير، رابعا إتقان التشخيص وفحص الأعضاء والدم والطاقة، خامسا إجادة الوخز بالإبر. ويضيف: “الطبيب الممتاز هو الذي يعرف كيفية الحفاظ على التوازن بين مختلف مكونات الإنسان الجسدية والنفسية“. ثم يعطي أبعادا ثلاثة للوقاية: أولا دور الطبيب: تعليم جيد يتمكن من تشخيص حالات الضعف الخلقي لتقويته أو بداية مرض لتجنبه، ثانيا دور المريض: تربيته على القواعد الصحية السليمة في النظافة والأكل والحركة، وذلك منذ الطفولة، ثالثا دور المجتمع أي الأخلاق الاجتماعية، والعدل والتضامن عماد سلامة الانسان.

يقول الإمام ابن القيم الجوزي رحمه الله: “قواعد طب الأبدان ثلاثة: حفظ الصحة، كالفطر للمسافر والتيمم عند البرد، ثانيا الحمية عن المؤذي، كأكل المحرمات وتجنب الصلاة عند حر الشمس حتى تبرد، ثالثا استفراغ المواد الفاسدة، وقد عدّد عشر مواد يؤدي انحباسها إلى ضرر كالقبض وغيره. وأما طب القلوب فمسلّم إلى الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ولا سبيل إلى حصوله إلا من جهتهم وعلى أيديهم، فإن صلاح القلوب أن تكون عارفة بربها وفاطرها، وبأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، وأن تكون مؤثرة لمرضاته ومحابّه، متجنبة لمناهيه ومساخطه، ولا صحة لها ولا حياة البتة إلا بذلك، ولا سبيل إلى تلقيه إلا من جهة الرسل“.

نبحث في كتاب الله تعالى وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأسس والأصول يضيف المتحدث، التي يمكن أن نبني عليها خيمة الطب الوقائي فنجد، أولا في طب الأبدان، أصول ثلاثة: الأصل الأول: الاعتدال والتقلل أو عدم الاسراف الذي جاء في الآية الكريمة: “وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا“، ونقيس على ذلك كل ما يفيد، وأصل ثاني في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:عوِّدوا كل جسم ما اعتاد“، الحفاظ على ما نشأ عليه الإنسان من عادات صحية، وقد كره النبي صلى الله عليه وسلم أكل الضب مع حله، لأنه لم يكن في قومه. ثم من خلال قول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: “أقومُ و أنامُ وأصومُ و أفطِرُ و أتزوَّجُ النِّساءَ” حفاظا على التوازن بين الأضداد، النوم والحركة والصيام والأكل، فإذا الاعتدال والتوازن والعادة الحسنة سبيل إلى الوقاية من أمراض الأبدان. وفي طب القلوب إلى جانب ما اتفق عليه أرباب القلوب، من وجوب صحبة صالحة تدل على الله وتأخذ باليد، أضيف التحصين من شر الجن والإنس بالأدعية والأذكار السنية، خصوصا السور والآيات الفاضلة، وما يفتل في ذلك من طرد الغفلة بالذكر الكثير.

طالع أيضا  الإمام ياسين يوضح أن الأمة مرحومة في الآخرة وعذابها في الدنيا الفتن (فيديو)

ثانيا حسن التعامل مع المعاصي بالتوبة من قريب والاستغفار الكثير، ورد الأمانات إلى أهلها. فإذا “الصحبة الصالحة، والذكر الكثير، والتوبة الصادقة سبيل إلى الوقاية من أمراض القلوب“، في طب النفوس ثلاث خصال ذمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، تقابلها ثلاث حسنة. قال صلى الله عليه وسلم: اتَّقُوا الظُّلمَ؛ فإنَّ الظُّلمَ ظُلُماتٌ يومَ القيامةِ، واتَّقُوا الشُّحَّ؛ فإنَّ الشُّحَّ أهلكَ مَن كانَ قبلَكُم، حملَهُم على أنْ سَفكُوا دِمائَهم، واستَحَلُّوا مَحارِمَهم. يقول الإمام عبد السلام ياسين: “الخطوة الأولى في طريق الفلاح هو التطهير من عاهة الشح“، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. ويقول: “شر النفس وهواها وعبادتها غرائز في النفوس المريضة ثابتة“. ثم الظلم، الذي هو ظلمات في الدنيا قبل الآخرة، والغضب أيضاً، فعن أَبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا قَالَ للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أَوْصِني، قَالَ: لا تَغْضَبْ، فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: لا تَغْضَبْ. إلا ما كان لانتهاك حرمة من حرم الله. في المقابل حسن الخلق والحب والرضا، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كثرَ همُّهُ سقمَ بدنُه، ومن ساءَ خلقُه عذَّبَ نفسَه، ومن لاحى الرِّجالَ سقطت مروءتُه وذَهبت كرامتُه. لاحى أي خاصم.

سوء الخلق وكثرة الهم والفجور عند الخصام، تقابلها ثلاث خصال حميدة، الحب الذي يورّث الرحمة التي بعث بها الحبيب صلى الله عليه وسلم، وهي سبيل للخلاص الفردي في سلوك الإنسان إلى الله، والجماعي في سبيل الإنسان إلى العمران الأخوي الذي عاش في كنفه الصحابة الكرام رضي الله عنهم. أما الرضا فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصبح يقول: رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا. وهو بذلك يدلنا على العيش في كنف الرضا لما له من فعل إيجابي على النفوس، وجماع ذلك التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في كل حركاته وسكناته.

طالع أيضا  بعد نفي الشهود القدامى والجدد.. لماذا يستمر طرد طلبة أكادير؟