نستمر في سلسلتنا تعلم لغتك العربية، ونقف في هذه الحلقة مع موضوع آخر من أجل شرح قواعد أسلوب التعجب حتى يتضح في صيغه وإعرابه وشروطه وأساليبه.

1- تعريف التعجب

التعجب مصدر من الفعل تعجب، وأصله من مادة (ع ج ب) ويعرف بأنه شعور باستعظام الشيء والاندهاش له. وهو في اصطلاح النحويين صيغة يراد بها استعظام أمرٍ ظاهر المزيِّة خافي السَّبب والاستغراب له. وهو أسلوب يلجأ إليه المتكلم للتعبير عن دهشته واستعظامه لصفة معينة في شيء ما.

مثل قولنا: “ما أعظمَ رسالتك”، و”أعظِم بمعالمها الواضحة”.

2- صيغة التعجب

يتميز كل أسلوب من الأساليب اللغوية والنحوية بصيغته أو صيغه الخاصة به. وأسلوب التعجب له صيغتان شهيرتان يتميز بهما:

الصيغة الأولى هي: ما أفعلَ

وتتكون هذه الصيغة من مكونات ثلاثة: (ما) و(فعل التعجب) و(المتعجب منه).

الإعراب:
في إعراب جملة التعجب نأخذ الجملة التالية مثالا: “ما أعجب العفة“.
ما: نكرة تامة بمعنى شيء مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ.
أعجب (فعل التعجب): فعل ماض جامد، وفاعله ضمير مستتر وجوبا تقديره هو.
العفة (المتعجب منه): وهو الاسم المنصوب الذي يأتي بعد فعل التعجب وهو منصوب على أنه مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ما.

الصيغة الثانية هي: أفْعِلْ به

وتتكون هذه الصيغة أيضا من ثلاثة مكونات هي: (فعل التعجب) و(حرف الباء) و(المتعجب منه).

الإعراب:

نأخذ مثالا على هذه الصيغة: “أكرم بالعفة من خلق”.

أكرم (فعل التعجب): فعل ماض جاء على صورة الأمر. فهذا الفعل في التقدير ماض، لكنه في الصورة فعل أمر.

الباء: الباء حرف جر زائد، وبالتالي فالاسم الذي بعدها يكون مجرورا لفظا، لكنه فاعل تقديرا.

العفة (المتعجب منه): اسم مجرور بالباء لفظا، مرفوع محلا لأنه فاعل في التقدير لفعل التعجب باعتباره فعلا ماضيا في التقدير أيضا.

طالع أيضا  د. العسري: دولة الحريات يُشَكِّل الشعبُ سلطتَها والمستبدة تُشكل الشعبَ بسلطتِها

3- شروط صيغة التعجب

لكي يكون الفعل صالحا للاستعمال في أسلوب التعجب بإحدى صيغتيه؛ لا بد من توفر شروط ثمانية:

أولا: صياغته من الفعل الثلاثي، مثل قولنا: ما أصدق حديثك (صيغ فعل التعجب من الفعل الثلاثي صدق).

أما إذا كان الفعل المتعجب منه فوق الثلاثي فإننا نأتي بفعل آخر مستوف للشروط مثل: أشد، أكبر، أكثر، أعظم … ثم نأتي بمصدر هذا الفعل منصوبا بعد فعل التعجب.

فإذا أردنا التعجب من الفعل “اجتهد” مثلا قلنا: “ما أجمل اجتهادَ التلاميذ“، أو “أجمِل باجتهاد التلاميذ” (اجتهاد هو مصدر الفعل اجتهد).

ثانيا: صياغته من الفعل القابل للتفاوت والتفاضل، مثل قولنا: ما أقوى رجالنا .ما أبطأ السلحفاة.

فصيغ فعلي التعجب (أقوى، أبطأ) من الفعلين: قوي، بطئ، وهما قابلان للتفاوت إذ تستطيع القول: الكبير أقوى من الضعيف – أو الحلزون أبطأ من السلحفاة.

ثالثا: صياغته من الماضي، مثل قولنا: ما أحسنَ العبادة. فعل (حسن).

رابعا: صياغته من الفعل المتصرف، مثل قولنا: أعظِمْ بالأبطال، وما أقبحَ البخل.

فصيغ فعلي التعجب (أعظم، وأقبح) من فعلين متصرفين هما: عَظُمَ، وقَبَحَ.

خامسا: صياغته من الفعل القابل للتفاوت والتفاضل، مثل قولنا: “ما أقوى رجالنا“. و“ما أبطأ السلحفاة“.

فصيغ فعلي التعجب (أقوى، أبطأ) من الفعلين: قوي، بطئ، وهما قابلان للتفاوت إذ تستطيع القول: الكبير أقوى من الضعيف – أو الحلزون أبطأ من السلحفاة.

خامسا: صياغته من الفعل المبني للمعلوم ، مثل قولنا: ما أرحم الأطفال .أرحم بالأطفال.

صيغ فعلا التعجب (أرحَم، وأرحِم) من الفعل: رحم، ولا يجوز صياغتهما من الفعل المبني للمجهول (رُحم).

فإذا أردنا التعجب من فعل مبني للمجهول، نأتي بفعل مستوف للشروط، ونضيف بعده “ما” المصدرية، ثم نأتي بالفعل المبني للمجهول المراد التعجب منه، مثل قولنا: ما أقبح ما دُعِم الباطل.

طالع أيضا  الهيئة العلمية للعدل والإحسان تستنكر أحكام الإعدامات الظالمة في مصر (بيان)

سادسا: صياغته من الفعل التام، مثل قولنا: ما أسعد الولد (صيغ من الفعل التام سعد).

فإذا كان الفعل الذي أردنا التعجب منه ناقصا، أتينا بفعل مستوف للشروط ثم بمصدر الفعل الناقص إن كان له مصدر، مثل قولنا: ما أفضل كونَ الإنسان متسامحا . أو أفضل بكون الإنسان متسامحا.

سابعا: ألا تكون الصفة منه على وزن “أفعل” الذي مؤنثه “فعلاء”، فلا يصح أن نقول: ما أحمر الوجه – أو ما أزرق السماء.

لكن يصاغ من الفعل الذي تكون الصفة منه على وزن “أفعل” ومؤنثه “فعلى” مثل قولنا: ما أفضل المسجدَ.

فإذا كانت صفة الفعل على وزن “أفعل” الذي مؤنثه “فعلاء”، نأتي بفعل مستوف للشروط السابقة، ثم بمصدر هذا الفعل منصوبا، مثل قولنا: ما أشدّ حمرة الوجه، و ما أجمل زرقة السماء.

ثامنا: لا يجوز صياغته من الفعل المنفي، مثل قولنا :ما أعجل الإنسان.

فصيغ فعل التعجب (أعجل) من الفعل المثبت (عجل)، ولا يجوز أن يصاغ فعل التعجب من الفعل المنفي.

أما إذا أردنا التعجب من الفعل المنفي، فإننا نأتي بفعل مستوف للشروط وبعده “أن” المصدرية ثم بالفعل المنفي، مثل قولنا: ما أحسن أن لا يخيب التفاؤل.

4- أحكام خاصة بأسلوب التعجب

لأسلوب التعجب أحواله الخاصة به، وهذه الأحكام أربعة كالآتي:

أولا: عدم جواز تقديم معمول فعل التعجب عليه فلا يجوز قول: ما محمدا أعلم.

ثانيا: عدم جواز الفصل بين فعل التعجب والمتعجب منه إلا بالظرف أو الجار والمجرور ويكون متعلق الظرف أو الجار والمجرور هو فعل التعجب، مثل قولنا: ما أجمل نهار العيد. ما أجمل بالمرأة أن تحتشم.

ثالثا: يمكن زيادة “كان” بين ما وفعل التعجب، مثل قولنا: ما كان أعجب من فلان.

طالع أيضا  ليلة القدر: ليلة الأسرار والأنوار

رابعا: الأفعال الجامدة لا يتعجب منها مطلقا، مثل :نِعمَ، بِئسَ، ليس، عسى.
وفيما يتعلق بـ (نعم) فيمكن التعجب منه إذا تم إرجاعه إلى أصله (نَعِمَ ينعم إنعاما).

5- أساليب التعجب السماعية

لأسلوب التعجب صيغ أخرى غير مباشرة، فهي ليست للتعجب، ولكن يفهم منها أنها للتعجب من صيغتها السماعية، وتدل عليه بالاستعمال المجازي، وتظهر جليا في الأمثلة الآتية:

– التعجب باستعمال المصدر “عجب” ومشتقاته في الكلام كـ “عَجِبَ” و “عجيب” في التعجب، مثل قولنا :عجيب أمر الناس لا ينتبهون للموت.

– استعمال النداء في التعجب، مثل قولنا: يا لطول قامة هذا البناء!

– استعمال الاستفهام في التعجب ، مثل قول الله تعالى تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُم البقرة 28.

– استعمال عبارة “لله درّه” للتعجب من شجاعة شخص ما أو من ذكائه.

– استعمال كلمة “سبحان الله” في التعبير عن التعج، حيث يفهم منها ومن سياقها التعجبي أنها تدل عليه.

– استعمال صيغة “فَعُلَ” في التعجب، مثل قولنا: عَظُمَ الأمر !