“إلـى عطاكْ العاطــي، ما تحرثْ، ما تْـواطِــــي، حتى الجبالْ طاطــــــي”. “اِذَا عْطَاكْ الْعَاطِي خَلِّي لَجْبَالْ تْطَاطِـــــي”. “إذا عطاك العاطـي لا تْشاطِــي لا تْبَاطــــــي”.

بروايات مغاربية ثلاث: مغربية وجزائرية وتونسية ورد هذا الـمثل الشعبي دليلا على نهل الثقافة الشعبية من الـموروث الديني ومركزية الدين الإسلامي في الحياة العامة للمجتمعات، ويبقـى اللافت للانتباه ليس الاتفاق علـى الـمضمون، بل اعتماد نفس الألفاظ، إلـى درجة تبدو فيها الأقطار الـمغاربية الثلاثة أشبه بمناطق داخل البلد الواحد؛ تقارب بل تماثل فـي الوعـي الشعبي يفضح إصرار الجاثمين على صدور الشعوب الـمغاربية، علـى الأقل، وإلا فالعربية والإسلامية عموما، علــى عدم السعـي لبناء كيان وحدوي تقاسما للثروات، واستثمارا لفرص النماء والتحرر من نَــيْـرِ التبعية والتخلف.

الـمفهوم من منطوق هذا الـمثل لدى العامة من الناس أنه إذا أعطاك الله تعالى وهو الواهب، فقد أغناك عن السعي طلبا للرزق، فلا حرثٌ، ولا تسويةٌ للأرض(تْواطــــي)، بل إن الجبال الشامخات تطأطــئ رأسها وتنحني استسلاما وانقيادا لأمر الله تعالى. وفـي الرواية التونسية للمثل تدقيق: “وإذا ما عطاكِشْ العاطــــي حتى كلامك يولّي خَاطـــــي”. أي، وإذا لم يُعْطك الله سبحانه، خانك الصواب ورأى الناس كلامك خاطئا.

يؤكد الـمثل مركزية الدين والـمعتقد الإسلامـي فـي الوعـي والوجدان الشعبـي فـي مسألة الأرزاق، فالله سبحانه هو الرزاق والواهب والـمُعطـــــي يضمن لكل مخلوق رزقه وأسباب حياته، مصداقا لقوله تعالـى: وَمَا مِن دَابَّةٍ فِـي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِـي كِتَابٍ مُّبِينٍ، هذا فـي حق جميع الخلائق، ولنا فـي عالم الحيوان بل والنبات آيات مبْــهرات فـي أسباب حفظ حياة الكائنات الحية، وما يُصطلح عليه بالسلسلة الغذائية حفاظا علـى التوازن الذي هو قاعدة الكون البديعة. أما فـي حق الإنسان وفـي الـمحيط الأسري تحديدا، فقد جاء التنصيص علـى ألاّ أحد يهدد رزق غيره، فكما يرزق الحق سبحانه الآباء يرزق الأبناء. يقول جل وعلا مفندا وَأْدَ وقتل الأبناء مخافة الفقر فـي سورة “الإسراء”: وَلَا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا، فقدم الأبناء علـى الآباء، وفـي سورة “الأنعام” قدم الآباء علـى الأبناء فقال جل جلاله: وَلَا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم، تأكيدا لقاعدة: “من خَلق رَزق”، فلا مبرر للجزع إذن.

طالع أيضا  سليماني سليم...

وإذا كان هذا الـمثل يعزز معتقدا محوريا لدى الـمسلم يسهم فـي تحرره من انصياع غير مبرر لغيره بدعوى الخوف علـى الرزق، فإنه لا يجب أن يفهم منه التواكل وعدم الأخذ بالأسباب التي جعلها الله تعالى وسيلة تنتظم بها حياة الناس، تبادلا للمنافع والخدْمات.

إن الذي ضمن الأرزاق جعل لها أسبابا يشترك فيها الناس جميعا، الـمسلمون وغيرهم؛ أسبابا وقانونا لا يحابـي ولا يجامل علـى أساس الـمعتقد، بل إن السعـي وإفراغ الجهد فـي طلب الرزق عبادة يؤجر عليها الـمسلم بشرط صلاح النية؛ أسباب لم يُستثن منها الأنبياء والرسل عليهم السلام، وكان منهم الحِرفـيّ والتاجر، ولم يمنحهم الاصطفاء الإلهــي امتيازا للقعود عن طلب الرزق.

وتبقى الغاية من تناول هذا الـمثل وتأسيسا علـى ما سبق التنبيه إلــى أمرين:

أولهما أن الأرزاق مكفولة من الله تعالى، وبالتالي لا مبرر للارتهان إلـى الغير والتنازل عن الحق فـي إبداء الرأي واتخاذ ما يبدو سليما من الـمواقف، ومن شأن هذا الاعتقاد إذا ترسّخ فـي وجدان الإنسان قبل فكره أن يحرر منه الإرادة ويسهم فـي استثمار، وليس تفجيـر، طاقته ما ترقـى به الأمة وتـهنأ.

وثانيهما أن ضمان الله تعالـى لأرزاق الناس لا يعفيهم من السعـي والأخذ بالأسباب، وفـي حديث عُمَرَ بن الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُوْلَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “لوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصاً وَتَرُوْحُ بِطَاناً”، تنطلق صباحا تطلب رزق يومها وهـي جائعة ثم تروح مساء وقد شبعت وامتلأ بطنها.

اعتقاد سليم أساسه أن الأرزاق مخلوقة كما خُلق الناس، وهـي أسرع منهم إليها، بما لا يتعارض مع السعـي وجميل التوكل أخذا بالأسباب. ولله درُّ الفاروق عمرَ بنِ الخطاب فقد كان أحرص علـى امتلاك الأمة أسباب القوة والـمنعة ومحاربة البطالة لـما قال: “لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق وهو يقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة”.

طالع أيضا  الجبهة المغربية لدعم فلسطين تدعو لمسيرة شعبية تضامنية مع فلسطين بالرباط يوم الأحد 23 ماي

لذلك، وجب التنبيه إلــى أن عطاء الله تعالـى لا يُعطل سننه الكونية، ولا يُلغـي الأخذ بالأسباب، بل يدعو لاعتماد أحسنها وأجودها، وحسبنا برهنة عـلى هذه الـمعادلة الـمثل الشعبي التونسي القائل: “ما تّاكـل إلا ما يكتِبْ ليك وما تكسب إلا ما يعطيك”، لا تأكل إلا ما كتبه الله لك، ولا تكسب إلا ما أعطاه الله لك، مثلٌ ولا أدقَّ وأروعَ فـي تصوير الـمعتقد السليم تصرفا فـي النعم، وكسبا للأرزاق الـتي لا تحول الـموانع دونها كما يقول إخواننا التونسيون: “إذا حَبّْ الله يعطيك من فُمْ الـمدفع يسقيك”.

اللهم اغننا بحلالك عن حرامك، ويسر لنا أسباب الرزق، واجعل أعظم أرزاقنا النظر إلـى وجهك الكريم فـي جناتك، جنات النعيم. والحمد لله رب العالـمين.