قال الدكتور أبو بكر الونخاري إن السياق الذي أتى فيه النموذج التنموي يتصل بـ “تراجعات حقوقية خطيرة“، مؤكداً أن المشروع التنموي الناجح سيكون من أهم أولوياته لتحقيق أهدافه هو “السعي إلى تأمين حزام سياسي واسع وداعم، لكن الحاصل الآن هو العكس تماماً“، وذلك خلال مشاركته في الندوة السياسية التي نظمتها جماعة العدل والإحسان بمكناس يوم الثلاثاء المنصرم.

الندوة التي بثتها قناة الشاهد الإلكترونية بالبث المباشر على صفحتها، عرفت مشاركة طيف من الفاعلين السياسيين والمدنيين وهم الأساتذة عبد الرزاق بوغنبور وخالد البكاري وعمر الكتاني وأحمد بوعشرين الأنصاري وأدارها الدكتور علي مغراوي، وخصصت لنقاش موضوع: “النموذج التنموي: رهانات الإقلاع وإكراهات السلطة“.

الكاتب الوطني لشبيبة العدل والإحسان دلّل على “التراجعات الحقوقية الخطيرة” التي تعرفها البلاد بالإشارة إلى العديد من المستويات، فعلى مستوى احترام الممارسة الصحفية لدينا الآن صحفيون في السجون بسبب آرائهم التي كانوا ينتقدون فيها النظام السياسي، وخص بالذكر، لا الحصر، كل من الصحفيين سليمان الريسوني وعمر الراضي وتوفيق بوعشرين وقبلهم المهداوي وآخرون أيضاً.

المتحدث اعتبر أن ما يميز أيضاً السياق الذي جاء فيه النموذج التنموي هو الضعف الكبير في المشهد السياسي، وخاصة في الشق الحزبي، بعد سنوات طويلة من استهداف الممارسة السياسية في هذا البلد، وهناك أيضا احتقان اجتماعي كبير، من مخلفات تدبير جائحة كورونا وما قبلها، مسجلاً ذلك في كثير من المجالات والقطاعات وكذلك الفئات الاجتماعية التي صارت تشعر أنها مستهدفة في قوتها وفي مصالحها. وأكد أن تغول رأس المال على المجال العام من السياسة إلى الإعلام إلى الرياضة وغيرها من المجالات، هو أيضاً جزء من السياق العام، مضافاً إليه استهداف القوى الوطنية المعارضة، وكذا الشخصيات الرافضة للاستبداد والفساد.

طالع أيضا  بعد 200 من الاعتصام.. الطلبة المطرودون مستمرون في الاحتجاج والتضامن معهم يتزايد

أيضا ما يميز السياق الحالي، يؤكد الونخاري، هو تمدد العقلية الأمنية والسلوك الأمني القمعي في المجال العام إلى الدرجة التي بلغ فيها التشهير ذروته، في استغلال فج لمقدرات الدولة في الصراع السياسي مع الفاعلين المجتمعيين، وقد ظهر ارتفاع حدة هذا التشهير في السنة الماضية، تقريبا في مارس 2020 إبان الجائحة، حيث عرفت صحافة التشهير تطورا ملموسا وحضورا قويا في هذا المجال، وهذا أمر بالغ الخطورة على الدولة وعلى المجتمع على حد سواء.

وأضاف بأنه لم يعد أحد في العالم يقر بانفصال التنمية عن المدخل السياسي، مؤكداً أنه، وبلا تردد، أننا في نظام استبدادي يتحكم في كل السلط ولا أحتاج إلى دفوعات كثيرة، فيمكن أن نجد ما ندعم به فكرتنا من داخل النصوص، كالدستور مثلا، فبالنظر في جوهر طبيعة النظام السياسي وفي توازن العلاقة بين المؤسسات، ومن خلال السلوك الرسمي السلطوي الذي يبقى الدليل الأوضح على طبيعة هذا النظام السياسي. فالدستور المغربي يكرس في العمق مركزية المؤسسة الملكية وسموها عن باقي المؤسسات، ويمكنها من سلطة صلاحيات واسعة جداً وحتى تلك التي لا تشغلها بالقانون تشغلها بالعرف، وفق تأويلات مفتوحة على كل الاحتمالات، وتوفر أيضا مساحات رمادية للتحرك بلا حدود، مقابل هذا وفي الممارسة، باقي المؤسسات تابعة بشكل حاسم وملحقة بنفوذ المؤسسة الملكية، أو أن بعضها الآخر نظريا وقانونيا مؤسسات قائمة الذات، وتتمتع بسلطات حقيقية على الورق، لكنها ضعيفة ومسلوبة الإرادة السياسية، لتتحول بموجب ذلك إلى ملحقات، لا مؤسسات موازية تمارس صلاحياتها كاملة غير منقوصة.

واسترسل المتحدث في التأكيد على أن طبيعة النظام السياسي في المغرب وفاعليته في كل الاختيارات الكبرى، تستوجب منا استحضار فكرة جوهرية في الديموقراطية وهي المحاسبة، والتي تكاد تكون “ضربا من المستحيل” في المغرب، فقد أطلق البلد، قبل أزيد من عقد ونصف، مشروعا تنموياً، واستيقظ الجميع ذات خطاب ملكي على القول بفشله، لكن ورغم هذا الإقرار لم يجرؤ أي أحد أن يتحدث عن المحاسبة الناتجة عن هذا الفشل، وبناء على ذلك لم تتم محاسبة أي أحد. ولم نتحدث عن تضييع عقدين من الزمن، وتبديد كثير من المقدرات. فالمشروع السابق الذي انطلق بعد الأحداث الإرهابية في الدار البيضاء وصف في حينه بالمشروع الملكي، والملكية نفسها أقرت بفشله، لكن في دولة نظامها السياسي منغلق لن نسمع، ولن تسمح، بأي محاسبة.

طالع أيضا  وقفة احتجاجية مساء غد الجمعة أمام مقر البرلمان تضامناً مع المعطي منجب

الونخاري أفاد بأنه لا يمكن قطعا “إنتاج تنمية دون ديمقراطية“، فالاستبداد بيئة لإنتاج الفساد، والمحسوبيات، وشراء الولاءات، وتبديد المقدرات في رعاية الاستبداد وحمايته وتأمين استدامته، وهذه أمور “تضرب التنمية الحقيقية في مقتل“. فلا يمكن قطعا إنتاج ديمقراطية في هذه البيئة، فهذا النظام يستبطن كل أسباب الفشل لأنه غير ديمقراطي، ولأنه يتوهم أن الناس تعيش بالخبز فقط، ولأن أولوياته لم تكن يوما تهتم كثيرا بمعيشة الناس، بل هو مسؤول عن تأمين الاستمرارية، ولأجل ذلك قد يتنازل مرحليا وقد يتخذ قرارات تبدو “شعبية” لكنها كلها تخدم استراتيجية الاستمرار، وفي اللحظة التي يتيقن من استقرار الأوضاع له يعود ليكشف عن طبيعته الاستبدادية بكل عدوانية.

وختم المتحدث حديثه بالقول إنه بدون فاعلين سياسيين أقوياء وبدون مجتمع حي وبدون حرية تعبير وبدون صحافة قوية، وهذه كلها أمور تكاد تكون غائبة في المشهد المغربي، لا نجاح للتنمية. فالفاعلون السياسيون وخاصة الحزبيون في حالة تهالك ووهن واضحة، والمجتمع تم تغييبه عن كل القرارات التي تعنيه، وتم استهداف أكثر القوى تعبيرا عنه، أما حرية التعبير فلا نحتاج لكثير كلام لتبيان حالة التضييق التي وصلت إلى سجن الناس، والإعلام المهني تتم تصفيته، وإعلام السخرة والتشهير يجري دعمه وتقويته، وإعلام ثالث بلا طعم ولا لون ولا رائحة، مهمته صارت إظهار أعطاب المجتمع بدل الإضاءة على أعطاب السلطة والفاعلين في القرار وفي صناعة مستقبل المغاربة.