الحمد لله، والصلاة والسلام على طه حبيب الله، وعلى الآل والصحب ومن والاه.

يقول ربنا جل جلاله: الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ 1

هذه الآية صغير حجمها، قليلة كلماتها، ومع ذلك فهي تضم في طيات كنفها الحاني ثلاث جمل كاملة المبنى، عميقة المعنى، تنطق جلالا وتتلألأ جمالا وتتباهى كمالا.

الجملة الأولى: الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ

يقول الإمام الطبري –رحمه الله تعالى- عند تفسيره لهذه الآية: “يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيله يوم القيامة حين يبعث خلقه من قبورهم لموقف الحساب: (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) يقول: اليوم يثاب كلّ عامل بعمله، فيوفى أجر عمله، فعامل الخير يجزى الخير، وعامل الشر يجزى جزاءه.”

ويقول الإمام بن كثير رحمه الله تعالى: “يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَدْلِهِ فِي حُكْمِهِ بَيْنَ خَلْقِهِ، أَنَّهُ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ وَلَا مِنْ شَرٍّ، بَلْ يَجْزِي بِالْحَسَنَةِ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، وَبِالسَّيِّئَةِ وَاحِدَةً”

وإنه لخطاب إلهي عظيم يلقى على مسامع الخلق في الموقف الرهيب واليوم العصيب…

اليوم هو اليوم الموعود… يوم التلاقي… يوم يلتقي الظالم والمظلوم، والحاكم والمحكوم، والقاتل والمقتول… بل وتلتقي الأعمال بالعاملين، والأفعال بالفاعلين.

إنه يوم الجزاء… ولن تجزى نفس إلا بما كسبت، إن كان مثقال ذرة من خير رأته. وإن كان مثقال ذرة من شرّ رأته. إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا 2

فاليوم لا مكان للمحاكمات الصورية، والأحكام الجاهزة الغيابية، ولا مجال للشطط في استعمال السلطة…

لن يكون هناك خروقات، ولا انفلات من العقوبات، ولا بحث عن ثغرات قانونية… فليس في قانون ربنا سبحانه ثغرات.

وسيأخذ المحسنون حظهم من الإحسان… وسيأخذ المجرمون حقهم من الإنصاف. فالله عزّ وجلّ عدل يحبّ العدل، ويبغض الظلم. لذلك فالجملة التالية هي “لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ”.

الجملة الثانية: لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ.

لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ بِنَقْصٍ مِنْ ثَوَابِهِ أَوْ بِزِيَادَةٍ فِي عِقَابِهِ…

فقد حرّم  ربنا سبحانه الظلم على نفسه فقَالَ في الحديث القدسي: “يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا -إِلَى أَنْ قَالَ-: يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا عَلَيْكُمْ  ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نَفْسَهُ” 3.

وجملة لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ. فيها إيماءة للمظلومين، وإيماءتان للظالمين.

فأما المظلومون فإنه –سبحانه- يقول لهم كونوا مطمئنين فستأخذون حقوقكم كاملة، وستنصفون، وسيأخذ ظالموكم جزاءهم بما يستحقون… فإني كنت أرى ما يفعلون وأسمع ما يسرّون وما يعلنون، وكنت أؤخرهم لهذا اليوم.

أو تظنون أني لم أكن أعلم حالكم، ولم أكن أسمع دعاءكم، ولم أكن أرى دموعكم ودموع ذويكم؟

أو تظنون أني لم أكن أرى تعذيب المجرمين لكم، وافتراءهم عليكم، وتنكيلهم بكم…؟

وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ۖ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43) وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ۗ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ (44) وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (47) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (49) سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (51) 4.

وأما الظالمون فيقول لهم لقد انتهى ظلمكم، وانقضى حكمكم، واجتُثّ ملككم، فلا شيء اليوم مما عهدتم في سالف عهدكم سيكون. لا مكان للظلم اليوم، لا أنصار للجور، ولا شهود للزور. لا أوامر رئاسية، ولا رغبات ملوكية، ولا حصانة برلمانية أو وزارية أو ديبلوماسية، ولا تدخلات خارجية، ولا مرافعات منمقة، ولا شراء للذمم. وهذه إيماءة فيها إحباط للمجرمين الذين ألفوا العيش في الماء العكر، وسبروا أغوار المستنقعات النتنة.

طالع أيضا  محبة رسول الله هي العروة الوثقى.. التعريف بالحبيب (1)

أما الإيماءة الثانية فهي إيماءة مطمئنة تخبرهم أنهم لن يُعاملوا كما كانوا يعاملون الخلق في الدنيا، فأكبر خوفهم أن يلحقهم ما ألحقوه بالناس من ظلم أيام حكمهم وسلطانهم. فقد ساموا الناس العذاب المهين، وأذاقوهم من ألوان الترهيب ما يندى له الجبين، وأروهم من فنون التعذيب ما تقشعر منه الجلود وينهدّ له الجلمود.

ومع ذلك فمحاكمتهم ستكون عادلة… بل في أعلى صور العدل. وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ 5. فلا تهم ملفقة، ولا شهود زور، ولا حبس احتياطي، ولا جلسات ماراثونية تستمر لسنوات، ولا اغتيال في المعتقلات…ولا…. ولا…

“لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ”. إنها جملة تشعر المجرمين بالارتياح، وتخلق جوا من الطمأنينة لدى الظالمين والمفسدين والمستبدين الذين كانوا في الدنيا يحرمون الناس من هذه النعمة. نعمة “لا ظلم”.

وحتى يظهر العدل الإلهي في أبهى حقائقه وأجلى صوره، وحتى لا يُتوهم أنه سيكون هناك تحامل على المجرمين، وأن هناك أحكاما جاهزة تنتظرهم. فإنه سبحانه يأمر بإعطائهم الحق في الاطلاع على ملفات محاكماتهم وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا 6.

أي عظمة هذه! أيّ عدل هذا! سبحانك يا الله…

ويطلع المجرمون بمختلف أصنافهم على محاضر الإدانة فيجد الواحد منهم أفعاله الشنيعة وجرائمه الفظيعة، صغيرها وكبيرها… كلها قد سجّلت بأحدث تقنيات التوثيق التي لا يملك المجرمون أمامها إلا الإذعان. ومع ذلك فهناك مجادلون يجادلون ربهم فيما سُجّل عليهم، بل ومنهم من يجحد ما نسب إليه ويدعي أن الملائكة الكاتبين قد افتروا عليه. وربّنا الحليم العظيم العدل –سبحانه- يعطيهم الحق في هذه المجادلة ويجاريهم إلى أن تنقطع بهم السبل. فعَنْ سيدنا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ : ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ ، أَوْ تَبَسَّمَ ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : “أَلَا تَسْأَلُونِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتُ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ؟ قَالَ: “عَجِبْتُ مِنْ مُجَادَلَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ: يَا رَبِّ، أَلَيْسَ وَعَدْتَنِي أَلَّا تَظْلِمَنِي؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَإِنِّي لَا أَقْبَلُ عَلَيَّ شَاهِدًا إِلَّا مِنْ نَفْسِي، فَيَقُولُ: أَوَ لَيْسَ كَفَانِي شَهِيدًا وَالْمَلَائِكَةَ الْكِرَامَ الْكَاتِبِينَ؟ قَالَ: فَيُرَدِّدُ الْكَلَامَ مِرَارًا، قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، وَتَكَلَّمُ أَرْكَانُهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ، قَالَ: فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، عَنْكُنَّ كُنْتُ أُجَادِلُ” 7.

و يستدعي لهم الملك الحق سبحانه شهودهم الذين طلبوا… تريدون شهودا من أنفسكم؟ لكم ذلك… فيختم على الأفواه و يتكلم الشهود الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ 8 وتكون صدمتهم كبيرة حينما تأتي الشهادة على غير ما كانوا ينتظرون، فيفحمون ومع أعضائهم يتخاصمون، وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون 9.

يا حسرة على العباد… ربنا العظيم سبحانه يعطي المجرمين الثابتة إدانتهم بالأدلة القطعية الحق في الكلام، والحق في استدعاء شهود منهم، والحق في المجادلة… والظالمون في زماننا يمنعون المظلومين من أبسط حقوقهم… ألا بهلة الله على الظالمين.

طالع أيضا  "جبهة مغربية" تدعو ساكنة البيضاء إلى المشاركة في وقفة احتجاجية تضامنية اليوم مع صمود المقدسيين

الجملة الثالثة: إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ.

يقول الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى في التحرير والتنوير: “الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (17)”… لَمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمُلْكَ لِلَّهِ وَحْدَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِمَجْمُوعِ الْجُمْلَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ، عُدِّدَتْ آثَارُ التَّصَرُّفِ بِذَلِكَ الْمُلْكِ وَهِيَ الْحُكْمُ عَلَى الْعِبَادِ بِنَتَائِجِ أَعْمَالِهِمْ وَأَنَّهُ حُكْمٌ عَادِلٌ لَا يَشُوبُهُ ظُلْمٌ، وَأَنَّهُ عَاجل لَا يبطئ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَشْغَلُهُ عَنْ إِقَامَةِ الْحَقِّ شَاغِلٌ وَلَا هُوَ بِحَاجَةٍ إِلَى التَّدَبُّرِ وَالتَّأَمُّلِ فِي طُرُقِ قَضَائِهِ، وَعَلَى هَذِهِ النَّتَائِجِ جَاءَ تَرْتِيبُ (الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ)، ثُمَّ (لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ)، ثُمَّ (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ)”

إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ. نهاية لطيفة بهية لرحلة المحاكمة الإلهية العادلة. فلن يكون هناك مماطلة، ولن يكون هناك استئناف ونقض وإبرام، ولن يكون هناك حبس احتياطي ولن يكون هناك طول انتظار. لن يكون هناك شيء من رحلة العذاب التي نعيشها في محاكم الظلم.

يقول الإمام ابن كثير –رحمه الله تعالى-: “وَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ أَيْ: يُحَاسِبُ الْخَلَائِقَ كُلَّهُمْ، كَمَا يُحَاسِبُ نَفْسًا وَاحِدَةً، كَمَا قَالَ: مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [لُقْمَانَ: 28]، وَقَالَ [تَعَالَى]: وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [الْقَمَرِ: 50].”

 و لله درّ الشيخ الطاهر بن عاشور فقد أجاد و أفاد فقال “وَفِي الْآيَةِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ تَأْخِيرَ الْقَضَاءِ بِالْحَقِّ بَعْدَ تَبَيُّنِهِ لِلْقَاضِي بِدُونِ عُذْرٍ ضرب من ضروب الْجَوْرِ لِأَنَّ الْحَقَّ إِنْ كَانَ حَقَّ الْعِبَادِ فَتَأْخِيرُ الْحُكْمِ لِصَاحِبِ الْحَقِّ إِبْقَاءٌ لِحَقِّهِ بِيَدِ غَيْرِهِ، فَفِيهِ تَعْطِيلُ انْتِفَاعِهِ بِحَقِّهِ بُرْهَةً مِنَ الزَّمَانِ وَذَلِكَ ظُلْمٌ، وَلَعَلَّ صَاحِبَ الْحَقِّ فِي حَاجَةٍ إِلَى تَعْجِيلِ حَقِّهِ لِنَفْعٍ مُعَطَّلٍ أَوْ لِدَفْعِ ضُرٍّ جَاثِمٍ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَهْلَكَ فِي مُدَّةِ تَأْخِيرِ حَقِّهِ فَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ، أَوْ لَعَلَّ الشَّيْءَ الْمَحْكُومَ بِهِ يَتْلَفُ بِعَارِضٍ أَوْ قَصْدٍ فَلَا يَصِلُ إِلَيْهِ صَاحِبُهُ بَعْدُ. وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ حَقَّ اللَّهِ كَانَ تَأْخِيرُ الْقَضَاءِ فِيهِ إِقْرَارًا لِلْمُنْكِرِ. فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ أَبَا مُوسَى عَلَى الْيَمَنِ ثُمَّ أَتْبَعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ فَلَمَّا قَدِمَ مُعَاذٌ عَلَى أَبِي مُوسَى أَلْقَى إِلَيْهِ أَبُو مُوسَى وِسَادَةً وَقَالَ لَهُ: انْزِلْ، وَإِذَا رَجُلٌ مُوَثَّقٌ عِنْدَ أَبِي مُوسَى، قَالَ مُعَاذٌ: مَا هَذَا؟ قَالَ: كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ. قَالَ مُعَاذٌ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَأَمَرَ بِهِ أَبُو مُوسَى فَقتل».”

طالع أيضا  عيد الأضحى.. ذكرى عبد بابنه ضحى

وأختم بهذه الصورة الجلية التي يضعها أمامنا الشهيد سيد قطب في الظلال: الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ. لا ظُلْمَ الْيَوْمَ. إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ. اليوم يوم الجزاء الحق. اليوم يوم العدل. اليوم يوم القضاء الفصل. بلا إمهال ولا إبطاء. ويخيم الجلال والصمت، ويغمر الموقف رهبة وخشوع، وتسمع الخلائق وتخشع، ويقضى الأمر، وتطوى صحائف الحساب.”

وتنتهي وقفتي مع الآية (17) من سورة غافر، لكن تستمر الآيات قارعة طبول القلوب والآذان: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (20)

وتستمر مخبرة منذرة يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52). فهل من سامع؟ هل من متعظ؟

اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وحزبه.

 


[1] [سورة غافر الآية:17.].
[2] [النِّسَاءِ:40].
[3] [صحيح مسلم عن سيدنا أبي ذر رضي الله عنه].
[4] [سورة إبراهيم الآية: 42-51.].
[5] [الْأَنْبِيَاءِ:47].
[6] [سورة الكهف الآية: 49.].
[7] رواه مسلم و ابن حبان و الحاكم و النسائي و ابن أبي الدنيا عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه.
[8] [سورة يس الآية: 65.].
[9] [سورة فصلت الآية: 21.].