لفت الناشط السياسي والمدني الدكتور أحمد بوعشرين الأنصاري إلى أن النموذج التنموي الجديد الذي بشر به التقرير الأخير للجنة إعداده لم يكن حصيلة تعاقدات كبرى في المجتمع، أو توافقات كبرى حول نموذج التنمية الذي نريد أو نموذج المجتمع أو الإنسان الذي نريد وكذا المؤسسات التي نريد.

بوعشرين أثناء مشاركته في ندوة بعنوان: “النموذج التنموي؛ رهانات الإقلاع وإكراهات السلطوية” التي نظمتها جماعة العدل والإحسان بمكناس وتم نقلها على قناة الشاهد الإلكترونية، أوضح أن عمل اللجان في جل الدول التي تحترم نفسها محمود ولكن دورها تحضيري ويكون عملها إصدار توصيات للمؤسسات المنتخبة من أجل المصادقة على هذا المجهود، ولا ينبغي لهذه اللجان أن تحل محل المؤسسات المنتخبة المنبثقة من إرادة الشعب ومن صناديق الاقتراع.

وأشار بوعشرين إلى أن هذه التوصيات تحال على المؤسسات وبالأخص السلطة التنفيذية، ومثالا على ذلك التجربة الماليزية والإندونيسية التي ترجمت هذه التوصيات إلى برامج وسياسات عمومية تشرف على تنفيذها حكومة مسؤولة أو سلطة تنفيذية منتخبة. معتبرا أن عمل هذه اللجان هو عمل محمود ويختزل المجهود ويحضر طابقا من العمل النظري والفكري والميداني للمؤسسات المنتخبة وهو يدخل في إطار العمل من أجل الرفع والنهوض بتنمية البلد.

واسترسل موضحا أن هذه التوصيات قد تحتاج أحيانا إلى إجراء تعاقدات مؤسساتية لتصبح خيارات استراتيجية للدولة، وهذا يكون في إطار استقرار سياسي وتعاقدات قائمة دستورية وسياسية.

وذكر المتحدث مدخلين لمقاربة موضوع استشراف النموذج التنموي، المدخل الأول تقني محض وهو يركز على سؤال الكيف، وفيه الحديث عن معدل النمو ومؤشرات مرتبطة بالجانب الاقتصادي، وهو يفترض شروطا سياسية ودستورية قائمة، منها قيام انتظام تعاقدات مؤسساتية دستورية وسياسية مجتمعية، واستقرار سياسي مؤسساتي، ثم سلطة تنفيذية مسؤولة عن تعاقداتها مع المجتمع وتنزيل برنامجها، فضلا عن المناخ السياسي للحريات.

طالع أيضا  الشيخ عبد العزيز عيون السود.. في حلقة جديدة من أنغام السماء (فيديو)

أما المدخل الثاني، يقول بوعشرين، فهو مدخل مركب يركز على سؤالي لماذا وكيف، وهو يعتمد مفهوما جديدا للتنمية الذي أصبحت تعتمده مؤسسات دولية مثل البنك الدولي والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، وهو مفهوم التنمية الموسعة أو المركبة بحيث انضافت مؤشرات جديدة لقياس التنمية البشرية من أجل حساب المؤشر المركب لهذه التنمية.

واعتبر أن هذه المؤشرات هي المعتمدة لقياس الحكم الراشد أو الحكامة الرشيدة، ويمكن استدعاء المؤشرات التي اعتمدها البنك الدولي بما أن لجنة إعداد النموذج التنموي اعتمدت بعضها لاسيما في مؤشر فعالية الحكومة وهو المؤشر الوحيد الذي يحمل معه رائحة السياسة وما دونه يحمل التضخم في الجانب التقني والاقتصادي.

وكأن الرسالة التي يريد التقرير تبليغها وفق المتحدث هي “انتهى الحديث عن الجانب السياسي وعن التعاقد الدستوري وعن الإصلاح الدستوري، ونتجند للجانب التقني المرتبط بتحقيق تقدم في معدلات النمو في التعليم والصحة وغيرهما”.

وعودة إلى المؤشرات التي يسميها البنك الدولي “مؤشرات الإدارة العامة” وفيها مؤشر الاستقرار السياسي ومؤشر المحاسبة، ومؤشر فعالية الحكومة وقدرتها على تنزيل السياسات العمومية، ومنها مؤشر دور القانون ومكانته، ومؤشر التحكم في محاربة الفساد، وهذه المؤشرات مهمة في إعطاء الصورة الحقيقية للتنمية البشرية وفي وضعنا في سلم الدول وفق تصنيف التنمية البشرية.

ووضع بوعشرين مقارنة بين التجربة المغربية والماليزية في بعض المؤشرات لسنة 2019، مثل محاربة الفساد، حيث إن الرقم المعتمد في التجربة الماليزية هو الرقم (62 على 100) مقارنة بالمغرب الذي بلغ 42. وفي مؤشر فعالية الحكومة الذي يتراوح في قيمته ما بين (2.5- و2.5+)، حيث حققت فيه التجربة الماليزية مؤشر (1) بينما المغرب حقق (0.1-).

وأشار أيضا إلى مؤشر الترتيب في تصنيف فعالية الحكومة الذي حققت فيه التجربة الماليزية (79.3 على 100) وفي النموذج المغربي (47.6 على 100)، أما مؤشر الاستقرار السياسي في التجربة الماليزية (0.1) بينما في المغرب (0.4-).

طالع أيضا  ذة. الولوس: انتزعوا من عماري حقه في الحياة.. وسنواصل الدفاع عنه وعن أمثاله

كما أن مؤشر دور القانون الذي يعني القضاء وسمو القانون وعدم التمييز في تطبيقه بين المواطنين، وصل في التجربة الماليزية (73.1) بينما في المغرب وصل (48.6). في حين أن مؤشر إعمال المحاسبة في التجربة الماليزية (0) وفي التجربة المغربية بلغت (0.6-).

وخلص بوعشرين إلى أن مقدمة أي تنمية بشرية حقيقية لا بد وأن تستند على المناخ السياسي السليم، مبني على الاستقرار وحكومة مسؤولة وديموقراطية حقيقية، ثم انتخابات حرة ونزيهة، وبعيدا عن اعتقال أصحاب الرأي، وكل هذا في كنف دستور ديموقراطي توافق عليه الجميع…

وانتقد ما وصفه بـ “القطيعة” بين التقرير الخمسيني وهذا التقرير الذي بشر بالنموذج التنموي، معتبرا أن غياب استثمار التراكم في جهود اللجان العاملة في المجال التنموي، وعدم تقييم حصيلة النماذج السابقة هو في حد ذاته أحد أعطاب آلية الاشتغال والإعداد. وأكبر دليل هو القطيعة بين هذا التقرير وبين ما تم استشرافه في التقرير الخمسيني من آفاق وأهداف كبيرة.

وشدد المتحدث على أن أول مقدمات التنمية الحقيقة هي الحوار الوطني بين كل أطراف المجتمع والقوى الحية بدون استثناء، ويمكن الحديث عن محددات الميثاق الذي ينبثق عن هذا الحوار بعدد من اللاءات، أهمها “لا تنمية بدون حرية”، و”لا تنمية بدون استقلالية للقرار الوطني”، و”لا تنمية مع الارتهان للمديونية للمؤسسات النقدية الدولية”، و”لا تنمية بدون حكومة مسؤولة ومنتخبة”، و”لا تنمية بدون التخلص من اقتصاد الريع”، و”لا تنمية بدون دستور ديموقراطي شكلا ومضمونا”.