هي تلك الضحكات التي كانت موءودة قبل أربعة عشر قرنا، حين ولدت كتم أنينها، وضحكتها، وبكاؤها، في قبر ضم طفولتها، ثم انجلت الظلمة وانزاح ستار ظلمها، في لحظة فارقة من الزمن خرج فيها رجل يحمل ابنته على كتفيه يجول بها طرقات مكة بكل فخر واعتزاز، لم يواري وجهه خشية الإهانة، بل رفعها عاليا قدرا وقيمة.. إنه سيد الخلق وحبيب الحق؛ هو الذي ربى وخرج نساء كاملات، وأخريات خالدات، ولكم يحكي التاريخ بفخر ملامح عز سطرتها نساء بدر واليرموكيات وغيرهن.

لكن الحال لم يبقى على ما هو عليه، فبعد هذا العز الذي عاشته المرأة تحت كنف رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده، جاء من كسر التاريخ وكسرها معه، جاء من أعلنها صريحة: “أنا آخر خليفة وأول ملك”، تلك العروة التي نُقِضَت ونَقَضت معها باقي العرى، فانحط المجتمع وانحطت معه المرأة، حتى أصبحت بضاعة لا يحق لها أن ترى النور إلا لبيت زوجها أو لقبرها.

فكيف انقطع النسل المعنوي للمجاهدات اللواتي قتلن اليهودي، وقاتلن بالسيف والخنجر، وحطمن رؤوس الروم بعمود الفسطاط، وغزون القسطنطينية؟

أمع الرجال دليل بما أحالوا إماء الله قواعد في البيوت؛ محجورات عاجزات جاهلات مظلومات؟ كيف فقدت تلك التربية وماتت تلك الروح؟ كيف قُتِلت المرأة وأفشِلت؟

انفرط عقد نظام الحكم، فذهبت الراعيات، المجاهدات، المسؤولات، كما نقرأ عنهن في السيرة العطرة، وفتحت بعدهن النساء أعينهن على مجتمعات تدين للحاكم دين الانقياد، وتحكمها الذهنية الرعوية.

وزعت السنة المطهرة المسؤوليات وحددتها، وأناطت بكل ذي موقع اجتماعي وسياسي مهمته، في حديث جامع عن عبد لله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “كلكم راع ومسؤول عن رعيته. فالإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته”، قال: فسمعت هؤلاء من النبي صلى الله عليه وسلم، وأحسب النبي صلى الله عليه وسلم قال: “والرجل في مال أبيه راعٍ ومسؤول عن رعيته، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته” 1.

“مِثْلُ هذا الحديث العظيم حين تتلقاه قلوب زكية وعقول ذكية وضمائر حرة من التقليد، وأرواح نشأت في عبادة الله ونُشِّئَتْ عليها، يدور فَهْمها ويتجوهر حول مفهوم المسؤولية. كلمة «مسؤولية» في الدارج من لغة العصر تعني شعورا ما بالتبعة، وخوف ما من لوم الناس، وبحث ما عن راحة الضمير، واعتزاز ما بإظهار الكفاءة على حمل الأعباء وإنجاز المهمات. أما معنى المسؤولية حين يلفظ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفهمها العقول وتعيها القلوب التي تقرأ القرآن وتعيه فهو الوقوف بين يدي الله عز وجل غدا يوم القيامة ليُسأل الإمام والرجل” 2.

تدحرجت المفاهيم وتزحلقت، ففقدت… تتمة المقال على موقع مومنات نت.

طالع أيضا  الإمام ياسين: كم من مرةٍ نتوب إلى الله؟

[1] رواه الشيْخان والترمذي وأبو داود.
[2] عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، ط 1 / 2018، دار لبنان للطباعة والنشر – بيروت، الجزء الثاني 267 – 268.