لفت الناشط الحقوقي المغربي عبد الرزاق بوغنبور إلى أن الإطار العام الذي جاءت فيه لجنه النموذج التنموي لم يكن بريئا حيث هناك أزمة اقتصادية عميقة انتجت أزمات اجتماعية أخطر.

وفضلا عن ذلك يضيف بوغنبور أثناء مشاركته في ندوة نظمتها جماعة العدل والإحسان بمكناس وتم نقلها عن بعد في قناة الشاهد؛ فان هناك أزمة سياسية تتمثل في فقدان الوسائط الرسمية سواء كانت اجتماعيه أو سياسية نتيجة هيمنة المتحكمين على الأحزاب السياسية وانبطاح الجزء الكبير من الحركة النقابية وتدجين جزء من الحركة الحقوقية.

وأشار في ندوة “النموذج التنموي؛ رهانات الإقلاع وإكراهات السلطوية” إلى عامل تواتر الاحتجاجات الشعبية في المغرب، معتبرا أنه ليس من الصدفة أن نتحدث عن نموذج تنموي بعد حراكات متوالية مثل حراك الريف وجراده سابقا وزاكورة وقلعه السراغنة وأوطاط الحاج… موضحا أن “الحركة الاحتجاجية ما تزال إلى حدود الآن رغم استغلال الدولة للحجر الصحي للهيمنة على الاحتجاجات.”

وأوضح الرئيس الأسبق للعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان؛ أن هذا الوضع العام جعل الدولة تفكر في محاوله إخضاع كل الحركات الاحتجاجية، وهذا الإخضاع له تجليات عديده منها في سنة 2020 إحداث عدد كبير من الوظائف في وزاره الدفاع والداخلية وهو ما ليس بريئا.

أما التجلي الثاني وفق بوغنبور فهو إحداث اللجنة الملكية لإعداد النموذج التنموي رغم أننا مقبلون في تلك الفترة على الانتخابات في حدود سنة ونصف أو سنتين. إذا فهناك نوعا من ملء الفراغ نتيجة وعي المغاربة واحتجاجهم على تلك الأوضاع.

وفي ملاحظاته حول تقرير النموذج التنموي اعتبر بوغنبور أنه في الأغلب يسير في نفس النماذج السابقة. منتقدا عدم تقديمه لتقييم حول النماذج التنموية السابقة منذ الاستقلال إلى الآن ولماذا فشلت معظم هذه المشاريع. ثم لماذا غابت المساءلة والمحاسبة بعدها.

طالع أيضا  حب الله ورسوله.. محبة رسول الله هي العروة الوثقى -2/2-

وذهب بوغنبور أكثر من ذلك فانتقد ارتباط كل اللجان الإصلاحية بالمؤسسة الملكية، ورد المتحدث هذا الانتقاد إلى كون “هذا الارتباط يضفي عليها نوعا من القداسة وغير قابله للمناقشة وغير قابلة للنقد والمحاسبة والمساءلة”.

ومن المشاريع التي عرفها المغرب في سنة 2000 إعلان الميثاق الوطني للتربية والتكوين وبعده المخطط الاستعجالي لتنفيذه وتعرضت ميزانية الدولة لنهب كبير. فلا من يتساءل ولا من يحاسب لأن لجنة الميثاق الوطني كانت بقرار من ملكي. يقول بوعنبور، ثم يضيف أنه من الأمثلة على ذلك أيضا سنة 2005 حينما أعلنت الدولة عن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ورصدت لها أموالا ضخمة على أساس أن يتم تحسين ترتيب المغرب في سلم التنمية البشرية وهو ما لم يتحقق ولم تحصل معه المحاسبة.

ومن الأمثلة أيضا على ذلك يضيف المتحدث أن سنة 2006 أعلنت الدولة عن نتائج عمل هيئة الإنصاف والمصالحة وثمنتها مختلف مكونات الحركة الحقوقية لكن لم ينفذ منها إلا الجزء البسيط بل إنه حتى عندما تم تضمينها في الدستور تم التحايل عليها.

واسترسل بوغنبور مضيفا أنه في سنة 2007 تم الإعلان رسميا عن “الأرضية المواطنة” وهي مشروع من أجل إشاعة ثقافة حقوق الإنسان، ولحدود الآن أكثر من 14 سنة لا أثر لهذه الأرضية المواطنة.

أما في سنة 2008 فقد تم الإعلان عن مخطط حقوق الطفل وكانت تحت عنوان من أجل مغرب جدير بأطفاله لكن الحقيقة يضيف بوغنبور، أن أطفالنا يفرون منا إلى البلدان الأوروبية.

وتابع قائلا: قيل لنا في سنة 2011 إنكم أمام دستور خصص بابا كاملا للحقوق والحريات لكن ماذا وجدنا؟ وجدنا المزيد من التضييق، والمزيد من الاعتقالات، اعتقال الصحفيين النشطاء إلى غير ذلك.

وبناء على كل ذلك تساءل بوغنبور ما الجدوى من المرور إلى نموذج تنموي جديد دون مساءلة ومحاسبة لماذا فشلت النماذج السابقة؟

طالع أيضا  الإيمــان.. من ذكر أركانه إلى تذوق حلاوته

وأضاف المتحدث موضحا أن الإشكال الكبير ليس في هذه اللجان بقدر ما أنه في كيفية تأسيسها. معتبرا أنها لو كانت لجانا شعبية منتخبة لا استطعنا محاسبتها أما والحال أنها محددة من قبل رئيس الدولة فإنها تدخل في إطار “المقدس”.

وفي إشارة مهمة أكد بوغنبور أن من يضعون هذه البرامج هم تكنوقراط مقربون من الدولة، والدليل على ذلك أن هذه اللجان ومن يترأسونها يمثلون جزءا من المسؤولين السابقين الذين قدموا خدمات إما في القمع أو في التنكيل أو في تمرير أجندات الدولة العميقة.

وخلص الناشط الحقوقي المغربي البارز إلى أن “هذا النموذج في الحقيقة لا يقدم شيئا وإنما هو عملية لربح الوقت مستقبلا”، مضيفا أن خطورته مستمدة من كونه جاء في ظرفية صعبة عنوانها انبطاح الأحزاب السياسية وغياب العمل النقابي وتدجين الجسم الحقوقي في جزء كبير منه.

وربط بوغنبور في تحليل بين “الثقة” و”التنمية” موضحا أن السؤال عن العلاقة بينهما من السهل الإجابة عنه، لأن الثقة في من؟ ومن جعل الثقة مفقودة بين المجتمع وبين مؤسسات الدولة، أعتقد أن فقدان الثقة بينهما تعود لأزيد من ستين سنة من الممارسة، باعتبار أننا في الأغلب نجد أن الدولة تمارس نوعا من الخطاب تجاه المغاربة الذين كانوا يصدقون في كل لحظة لكن منسوب الثقة توقف نهائيا وكل الخطابات لدى المغاربة الآن غالبا ما تتهم بأنها كاذبة أو أنها تهدف إلى عكسها.

وتساءل بوغنبور عن إمكانية تحقيق نتائج مغايرة بنفس تجارب النماذج السابقة؟ وهل يمكن تسطير برنامج تنموي جديد بنفس قواعد وآليات البرامج القديمة؟ حاسما جوابه بأن ذلك لا يمكن أن يحصل.

ولنجاح أي نموذج تنموي لا بد من استحضار معطيات أساسية أهمها “التوزيع العادل للثروة”، و”القطع مع اقتصاد الريع”، و”الشفافية والوضوح في تدبير الثروات الوطنية من مناجم ومعادن”، فلا يعقل -يقول بوغنبور- أن المغرب يحتل المرتبة الأولى في إنتاج الفوسفاط وجزء كبير من الذهب والفضة لكن بالمقابل لا نعرف أين تصرف ولا حجم هاته المداخيل وكيف تدبر، فكيف للثقة أن تحصل. يضيف المتحدث.

طالع أيضا  بحضور مراقبين دوليين.. محاكمة الريسوني تستأنف بغيابه مجدداً، والمحكمة ترفض طلباته الصحية

ومن المعطيات الأساسية أيضا يقول المتحدث تقوية القضاء والقطع مع توظيفه في تصفية الحسابات السياسية، كما يجب القطع مع المزاوجة بين المال والسلطة، لأنها تصبح وسيلة للاحتكار ومتى اجتمع المال والسلطة فهو مؤشر للخراب والفساد.

ومن المطالب الأساسية في ذلك أيضا ضمان الحريات بما فيها حرية الرأي والصحافة، وأيضا رفع اليد عن الأحزاب السياسية في المغرب لأنه يلاحظ أن هناك تحكما في الأحزاب المغربية ولن يكون لكل ذلك معنى إن لم يكن هناك ربط حقيقي بين المسؤولية والمحاسبة. وكذا الإنصات للمطالب المشروعة للمغاربة…