قال الدكتور عمر الكتاني إن “كل بناء يقدم نفسه بديلاً لبناء آخر لابد أن يكون مبنياً على تشخيص“، مضيفاً أن مشروع النموذج التنموي غاب عنه التشخيص الحقيقي لمشاكل المغرب، وذلك خلال مشاركته في الندوة السياسية التي نظمتها جماعة العدل والإحسان بمكناس يوم الثلاثاء المنصرم.

الندوة التي بثتها قناة الشاهد الإلكترونية بالبث المباشر على صفحتها، عرفت مشاركة طيف من الفاعلين السياسيين والمدنيين وهم الأساتذة عبد الرزاق بوغنبور وخالد البكاري وأبو بكر الونخاري وأحمد بوعشرين الأنصاري حول موضوع: “النموذج التنموي: رهانات الإقلاع وإكراهات السلطة“.

وقد أكد فيها الخبير الاقتصادي الكتاني بأن التشخيص لم يكن لأن النمو الاقتصادي السنوي للدخل يحقق 6 أو 6.5 في المئة في سنوات، ثم ينزل لـ 2 أو 2.5 في المئة في سنوات أخرى، واللجنة التي تكلفت بإعداد مشروع النموذج لم تجبنا عن سبب هذا الصعود والنزول المتكرر منذ الاستقلال.

وتابع بالقول أنه فيما بعد ظهر أن السبب هو الأمطار، التي ليست من إنتاج الإنسان، فـ 40 في المئة من ساكنة المغرب في البادية عندما تتساقط الأمطار يكون لديها الإنتاج الفلاحي جيداً، ويتحول إلى دخل، والدخل يتحول إلى طلب، فيتحرك الإقتصاد ككل. فيرتفع النمو الاقتصادي بالتالي، وعندما لا تكون الأمطار لا يكون هناك إنتاج لـ 40 في المئة من ساكنة المغرب. وهذه إشكالية لم تطرح في النموذج.

والسبب الذي يجعل من عدم سقوط الأمطار يؤثر بشكل مباشر على ساكنة البادية، هو أن هاته الفئة لم تدرس ولم تتعلم، وهذا مع الأسف اختيار الدولة التي اعتبرت أنه لا مانع من عدم تمكن هذه الفئة من التعليم طالما تعتمد على الفلاحة. فإذاً عندما لا تتساقط الأمطار لا ينتجون، وعندما لا ينتجون كل الاقتصاد يتأثر، رغم أن نسبة الفلاحة لا تمثل إلا 13 أو 14 فالمئة من الدخل الوطني، ولكن تؤثر في ثلثي النمو الاقتصادي الكمي. لماذا لا ينتجون؟ لأنهم لم يتعلموا.

طالع أيضا  بعض ملامح حوار الإمام ياسين لصديقه الأمازيغي

الأستاذ الجامعي قال أنه عندما جاء وباء كورونا لم يفضح الوضع الاقتصادي في المغرب فقط، لأنه يحقق 3 أو 4 في المئة من النمو، بل فضح الوضع الاجتماعي في المغرب، وذلك لأن أربعين في المئة من سكان المغرب في البادية “يعيشون خارج التغطية” خارج التغطية الصحية والتعليمية والسكنية اللائقة والنقل العمومي. بمعنى إذا لم ينتجوا في الفلاحة فهم لا ينتجون إلا ما يسد رمقهم أو لا يسد حتى الرمق. هذا المشكل الخطير يتحول إلى هجرة سنوية تقدّر ما بين 60 ألف و100 ألف للهجرة من البادية إلى المدينة، وهم الذين يكونون حزامات الفقر في محيط المدن الكبرى، لماذا؟ لأنهم لا يملكون مؤهلات لا دراسية وعملية، وغير قابلين حتى للاندماج الاجتماعي، وهم الذين يكونون الحجم الأكبر من القطاع غير المهيكل، الذي تشتكي منه الدولة ليس لأن دخله ضعيف، بل لأنه لا يقدّم الضرائب للدولة، فما يهم الدولة هو الضرائب. ومن أين يتغذى القطاع غير المهيكل؟ من البادية، ومن أين يتغذى الفقر في المغرب؟ من البادية. كل مشاكل المغرب أصلها من واقع البادية.

ولكن النموذج المطروح، كما يضيف المتحدث، يقدّم علاجاً للمدن وليس للبادية، ولهذا “يعالج أو يحاول معالجة النتائج ولكن لا يعالج الأسباب، وهذا هو المشكل الكبير للاقتصاد الوطني“، وحتى برنامج النموذج التنموي وككل مشاريع الدولة وقتما تحدث عن البادية يتحدث عن الفلاحة، وكلما تناول القطاع الريفي يتحدث عن الفلاحة. والخطأ المرتكب حتى في إحصائيات التقرير يقول بأن “البطالة الكبيرة متركزة في المدن وليس في البادية”، ومعنى هذا أن الإصلاحات ستكون في المدن، والمدن هي موطن اقتصاد الريع، وبها أيضاً الشركات الكبرى، وبها النخبة، والبادية لا تهم أحداً في المغرب.

طالع أيضا  وقفتان تضامنيتان لساكنتي مكناس وتاوريرت مع الأقصى وفلسطين

هذه القراءة، يضيف الكتاني، هي نتيجة لهذه التوجهات، فاقتصاد الريع لا يوجد في البادية، بل في المدينة. وعندما يقول المشروع إنه يريد “طبقة متوسطة في البادية” فهل حققنا طبقة متوسطة في المدينة؟ أم أن الدولة تنخر في هذه الطبقة المتوسطة باقتصاد الريع وبالضرائب وبالثقل الضريبي؟ فمنذ الاستقلال إلى الآن وهناك المغرب الصالح والمغرب غير الصالح، وقبل الاستقلال هناك بلاد السيبة وبلاد المخزن، هذا الانفصال ما زال إلى الآن في السياسات الاقتصادية. لماذا؟ لأن هناك اختيارات إيديولوجية تساعد على هذا الانفصال.

الكتاني أكد أن اقتصاد الريع بطبيعة الحال شيء سيء، فهناك أربعة أنواع من الريع في المغرب، هناك ريع الدولة، وهناك ريع القطاع الخاص، وهناك ريع القطاع الأجنبي الذي يستثمر في المغرب، وهناك ريع الفقراء الذي نضيفه إلى ريع الأغنياء، “نبداو ندورو مع الفقراء باش يسكتوا“. وهذا كله معناه أن الاختيارات الاقتصادية هي وليدة للاختيارات الريعية والاستغلالية. وهذه الاختيارات تأتي من سلطة الدولة، التي بدورها تأتي من ضعف المجتمع، وهذه هي نقطة الضعف في الخطاب الذي يتم تبنيه، “نقطة الضعف الأساسية هي تكوين الإنسان“.

وأكد المتحدث أن على التحليل السياسي أن يرتبط بتحليل الإنسان في المغرب وتكوينه وقوة شخصيته وتربيته، متسائلاً عن ما يمكن فعله بالحرية إذا كانت الحرية مبنية على تصويت 40 في المئة من سكان أميين في المغرب.

وأردف الكتاني بأن التهميش وكل المشاكل الاجتماعية الموجودة في البادية تنتقل إلى المدينة، وهذه نفسها اختيارات وتوجهات إيديولوجية، وهي لا تحتاج للتأكيد لأنها واضحة. فهذا المشروع هو مجرد امتداد للمشروع الاقتصادي السابق، الذي يهمش جزءاً من المجتمع، والخدمات الاجتماعية التي تكوّن طبيعة الإنسان القوي في المجتمع الذي يفرض الاختيارات السياسية، والذي يفرض تمثيلية في الأحزاب، والذي يفرض قوة النقابات أصبح ضعيفاً. لماذا؟ لأن نسبة كبيرة من الناس توجد خارج التكوين. والتكوين والاستثمار في القطاعات الاجتماعية ليس مربحا للدولة ولمداخليها الضريبية، فهي تفكر في المداخيل التي تضمن لها الاستقرار المالي، فهذه الاختيارات الاقتصادية هي في الأصل اختيارات سياسية، اختيارات مبنية على توجهات سياسية.

طالع أيضا  قرآنا عجبا (6)..  التوبة ترزقك "جلاء القلب" فيصير نظيفا ترى به

وهذا النموذج الذي يسمى “التنموي” هو تغطية للاختيارات السابقة، لأنه يتحدث عن الخوصصة واللجوء إلى المديونية، وهي استعباد ومزيد من الضرائب والفوائد، التي إن لم نستطع دفعها سنزيد الخوصصة وسنبيع المغرب، وعندها أيا كان التغيير السياسي سيخلق مشكل، فالمشاكل الاجتماعية ستكون ثقيلة جداً، والميزة التي يمتلكها المغرب مقارنة مع الدول الأخرى هو الاستقرار السياسي.

ونبه المتحدث إلى ضعف المجتمع المدني الذي لا يستطيع توصيل صوته، وأيضا إلى الأسر التي لم تعد تسهر على دراسة أبنائها. مورداً أرقاماً مرعبة من إحصائيات دولية تتحدث عن مليون و700 ألف مغربي يدخن الحشيش، وعندما تأتي الدولة لتقنن الحشيش فما هو مستقبل المغرب؟ هذا الشباب المدمن كيف سيفكر؟ عندما تتحدث الدراسات العلمية عن أن مدخن الحشيش يفقد 60 في المئة من طاقته الإنتاجية، وعندما يتحدث خبراء الطب عن أن سيجارة واحدة من الحشيش يبقى تأثيرها على الدماغ مدة شهرين، فما بالك بهذا الإنسان المدمن؟ كيف سينتج مستقبلا؟ وهو “مهلوك” بالمخدرات والكحول والسجائر؟ مستقبل شباب مقلق، لأن يمكن إنقاذ إنسان لازال قادراً على استخدام عقله، لكن من ضاع عقله ما مستقبله؟